تلف دودة القز نفسها بشرنقتها الحريرية، هذه حقيقة يعلمها كل شخص سواء قام بتربية دود القز أو لم ير دودة قز واحدة في حياته. هي كما يسميها العلماء: “ملكة الأنسجة بلا منازع”.

تبدأ دودة القز عملها بنسج خيط حرير واحد طويل متصل؛ ترفع رأسها الصغير بنشوة بالغة وهي تخرج الخيط الحريري من فمها. تبدو غاية في السعادة والتركيز وهي تقوم بلف خيط الحرير الأملس الطويل حول جسمها الصغير الذي لا يتجاوز طوله عادةً ال 4.5 سم.

تستمر دودة القز في نسج شرنقتها خيطًا رقيقًا تلو الآخر، تقوم بلف الخيط الذي أفرزته بشكل دائري حولها، إلى أن يصبح الشكل النهائي شبيهًا بكرة القطن البيضاء، كرة بلون القشطة أو اللون الأصفر حسب الجينات الوراثية لدودة القز وحسب الغذاء الذي امتصته وتغذت عليه خلال عملية إفراز خيط الحرير.

ها هي الآن ترفع رأسها أعلى قليلاً منتشيه بزهو الانتصار؛ فقد اقتربت لحظة الانتهاء من صنع الشرنقة التي ستوفر لها الحماية والأمان. الشرنقة الثمينة التي غزلتها بخيط حرير واحد متصل يُقدّر طوله بما يقارب كيلو ونصف متر.

ها هي الشرنقة أخيرًا.. تلك الكرة البيضاء الصغيرة المغزولة من حلم دودة القز بالحماية والأمان من هجمات الحشرات الأخرى المفترسة أو الطيور. بيت من خيط الحرير الطويل الناعم الذي أفرزته من جوفها ولم تكن لها مهمة في الحياة سوى غزله. ولم يكن لها من هدف سوى التنعم بالأمن والحماية في ثنايا طياته الناعمة.

لا تدرك دودة القز أنها في رحلة عملها الدؤوب لغزل مأمنها؛ كانت في الحقيقة تغزل قبرها.

لم تكن تعلم أن نهايتها ستكون في قلب كرة القطن البيضاء الناعمة التي أفنت عمرها في غزلها؛ والتي سكبت مع كل ملليمتر طول من خيطها شيئًا من روحها.  كيف يمكن أن يأتي الخطر من قلب الأمان؟

لم تدرك الدودة أن عملها المجتهد هذا سيكبل جسدها ويلفها بشكل محكم كالكفن؛ وأن حياتها سوف تنتهي على يد صاحب مزرعة تربية دود القز لإنتاج الحرير الطبيعي الخام. عندما يضعها بداخل وعاء من الماء الساخن، فتموت من فرط الغليان والألم، وبعد أن يبيع صاحب المزرعة محصوله من الحرير الخام؛ سوف يتحول بيتها الحريري الجميل؛ حلم الأمان والرغد والرفاهية؛ إلى فستان زفاف بارد أو فولار بلا روح يتطاير على رقبة حسناء مغرورة.

تلك كانت تراجيديا دودة القز. وهي لا تختلف في مغزاها عن تراجيديا النحلة التي يجذبها طبق العسل

فتظل ترقص حوله حتى تسقط فيه، وتشعر فجأةً بالاختناق والعتمة، ثم لا تلبث أن تلقى حتفها في قبرٍ مُعتمٍ من العسل.

ولا تختلف تراجيديا الإنسان عن تراجيديا دودة القز أو النحل، بل ربما تجمع بينهما. فالإنسان يشبه كثيرا تلك النحلة التي دُفنت في قبر من اللذة.. وتلك الدودة التي أتت من حيث مأمنها.. الإنسان يمضي عمره بحثًا عن شرنقة الأمان أو عسل اللذة أو كلاهما.. لكن شرنقة الأمان كانت قنبلة مفخخة وعسل اللذة أصبح في النهاية قبر..

يقول الامام عليّ رضي الله عنه: {الناس نيامٌ حتى إذا ماتوا انتبهوا}.

لا يعرف الناس هذه الحقيقة إلا في مرحلة متأخرة من العمر..

في تلك اللحظة المؤلمة التي ينكشف الإنسان فيها أمام نفسه تمامًا. اللحظة التي ينكشفُ فيها الغطاء،

فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد..

فيرى أنه أمضى عمره يدور حول أمل تارة.. وحول حلم تارة، وخوف تارة، أو حول رغبة تارة أخرى..

وعند الموت؛ يكتشف فجأة أن كعبته التي أمضى عمره يطوف حولها.. هي التي سلبته الرؤية.. وأفقدته التمييز.. لقد أزاغ الشيطان عينيه فأصبح يرى القبر كعبة!! بنى كعبته الزائفة وشرع يطوف حولها؛ قبلته أهوائه ورغباته؛ وفي غمار طوافه الهزلي حول كعبة الهوى صدق أنه في قلب مكة وأن صلاته في اتجاه القبلة.. لا يدرك الإنسان متى وكيف أتى القبر في صورة كعبة.. أخذت فتنتها الطاغية كانت تجذبه من كل عواطفه لتلقيه مكبلاً في جوفها.. الخيوط الحريرية الناعمة والعسل اللذيذ المغري؛ ليست سوى قبور غير مرئية تظهرعندما يختار الناس المال هدفًا لحياتهم، ويصير كل إيمانهم محصورًا بما تراه أعينهم؛ ورمز نجاحهم هو ما يجلبه المال من هالة العز والمجد والطبقة الاجتماعية التي يرفعهم إليها.

إن المال نعمة عندما تتحكم به، ونقمة عندما يتحكم بالإنسان.. المال خادم ممتاز؛ لكنه أسوأ سيد يمكن أن يتحكم بالإنسان. يجب أن يتوقف الإنسان طويلاً أمام علاقته بالمال. الهدف الحقيقي من جمعه وكيفية حصوله عليه وكذلك إنفاقه له. أن يوقف طوافه اللعين حول المال أو الشهرة أو المكانة الاجتماعية والمظهرية الفارغة ويتحقق من أهدافه الحقيقية وأنه على الطريق الصحيح قبل فوات الأوان.

للأسف، إن حالة نسج الشرنقة هذه ليست نادرة وكذلك حالات الغرق في العسل.. فهي موجودة حولنا بانتشار واسع النطاق، لدرجة أن الأكفان الحريرية تتطاير بفوضى في الهواء في كل مكان. وقبور العسل اللزجة منتشرة على كل الطرق؛ تفتح فمها اللزج وتبتلع الملايين كل لحظة.

تأمل حياتك المزدحمة بالأحلام والآمال ولو مرة واحدة.. وسجل ما تراه.. لا تخجل إن رأيت كاميرا روحك تلتقط صورةً لدودة قز تنسج شرنقة تحميها فتختنق بها؛ أو صورة لنحلة تخلت عن سربها.. وأهملت رسالتها الحقيقية.. وأفنت عمرها.. ترقص حول قبرٍ من عسل..

وما الحياةُ سوى نومٌ تراوده… أحلامُ من بمراد النفس يأتمرُ.

About The Author

- طبيبة متخصصة في علم الميكروبيولوجيا الطبية والمناعة - أخصائية الطب الطبيعي والروماتيزم وأمراض المفاصل - كاتبة علمية وصحفية متخصصة في الإعلام الصحي والتثقيف الطبي - عضو اتحاد كُتــــاب مصـــــــر. - تعمل طبيبة أمراض المناعة والروماتيزم في عيادتها الخاصة ؛ ولديها اهتمام خاص بالطب البديل - أعدت أول رسالة ماجستير حول أثر الحجامة على الجهاز المناعي بكلية الطب قسم المكيروبيولوجي - جامعة الأزهر, وقبلت الرسالة بتقدير ممتاز . - صدر لها أكثر من عشرين كتاب في مجالات متنوعة : الأخلاق والفلسفة - الدراسات الإنسانية والإسلامية - البحوث الطبية والعلمية وفنون التداوي المنزلي – الأدب الساخر .

Related Posts