لقد أضحى التطرف الفكري واضحًا، بل وسلوكًا أصيلاً لبعض الفئات، وأصحاب الثقافات المغلوطة حتى أغلق عليهم عقولهم وأفئدتهم، فصاروا بلا رؤية واضحة، فسيطر عليها ضباب الباطل وسوء الفهم، وتفاقم الجهل، والتعصب، والعنف بكافة أشكاله؛ اللفظي منه والجسدي، ومن أخطر ما نجد؛ العنف باسم الدين؛ الذي يتنافى وصحيح مفهوم العقيدة لدى الفرد أو المجتمعات وبما يتنافى ومعنى الإنسانية ومبادئها؛ فحُرموا لذة الأخوة والمودة، فتخبطوا في غياهب الوحِدة والفُرقة وظُلمة الكراهية. ولقد نبذت الشريعة الإسلامية مثل هذه المفاهيم، وأتت لتفتت بأناملها الرقيقة القوة، عميقة المفهوم مثل هذه الأفكار، أتت بنور يقشع في الأفاق ليذيب جليد الجفوة والعنف ونبذ الآخر أيًّا كان عرقه أو مذهبه، وجعلت الأفضلية بالتقوى فقال من لا ينطق عن الهوى: “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى” فالإسلام دين أتى للإنسانية، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، نور الحق، مصداقًا لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: 28). فلقد عنت الشريعة الإسلامية في آيات القرآن الكريم، ومن خلال السنة النبوية المطهرة؛ ببناء الكيان الإنساني في أفضل وأجل صوره الحضارية وأولت هذا البناء اهتمامها من خلال تأصيل القيم الإنسانية التي بها تُبنى الأمم في شكلها الحضاري والإنساني في أبهى صوره على مر العصور؛ في أجل وأوضح مفاهيم الإنسانية، والحمد لله تعالى، الذي أرسل إلينا رسولاً يحمل معه ميلاد نور للبشرية والإنسانية كلها، والذي كانت حياته صلى الله عليه وسلم بكل مواقفه، وأقواله، وأفعاله حضارة في حد ذاتها تبني الأمة بناءً حضاريًّا، فلقد أصلت السنة النبوية والمنهج النبوي التربوي مفاهيم الحضارة والرقي الإنساني الذي به يسعد الإنسان في الدنيا والآخرة، ولقد ظلت الإنسانية في تحيرها وبحثها، وفي تطورها ورقيها الفكري حتى اكتمل نضجها وأراد الله لهذه البشرية أن تتم لها الهداية وتستقر بإشراق نور الرسالة المحمدية التي تبني إنسانًا بمعناه الحقيقي بما يحمله من معاني الإنسانية، فالنموذج الفعلي للمؤمن الحق كما شرع المولى هو عين الإنسان الحضاري الراقي الذي تبحث عنه الإنسانية في أبهى صورها.

معنى التطرف

إن التطرف في معناه العام; هو ذاك الانحراف الخطير، والتشوه الكبير في الفطرة الإنسانية، والسعي في الأرض بإفساد؛ إنه لا يفرق بين صغير وكبير، غني أوفقير، ولا بين مسلم وغير مسلم، فليس للإنسانية والرحمة أي اعتبار عند من تلوثت عقيدته بمثل هذه الأفكار. ولقد حرم الإسلام الإفساد في الأرض قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (سورة البقرة: 205).

معنى التطرف لغةً، يعني: الوقوف في الطرف، والطرف بالتحريك: جانب الشيء، ويستعمل في الأجسام والأوقات وغيرها. أما اصطلاحًا فهو يعني: المغالاة السياسية، أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية، وهو أسلوب خطِير مدمر للفرد والجماعة.

العوامل الرئيسية المؤدية إلى التطرف

إن من أهم العوامل الرئيسية المؤدية إلى التطرف ما يلي:

أولاً: الغلو في التعامل مع النصوص الشرعية، والذي يحمل معنى مجاوزة الحد في البحث عن بواطن الأشياء والكشف عن عللها. ولقد نهى الشرع الحنيف عن ذلك وحذر منه، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ﴾ (النساء: 171)، أما أمة الإسلام فقد خاطبهم بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيد﴾ (البقرة: 143) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ” (سنن ابن ماجه)، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: “وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ” ( سنن أبي داود)؛ والغلو في التعامل مع النصوص الشرعية يؤدي إلى التزمت والتعصب والتطرف في فهمها وهي المرحلة التالية لذلك والمترتبة حتمًا عليه.

ثانيًا: التزمت والتعصب والتطرف في فهم النصوص الشرعية؛ وما يترتب على ذلك لصاحبه من السعي الخاطئ إلى الانتصار لرأيه وفهمه، والدفاع عنه على أنه فقط الصحيح طبقًا للمعتقد الذي يعتنقه وما سواه كفر، وقد نهى الشرع عن ذلك كله، قال -صلى الله عليه وسلم-: “وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا” (صحيح مسلم) وفي هذا توجيه نبوي شريف للمجتهد ألا يتطرف ولا يتعصب لرأيه الذي أداه إليه اجتهاده فيراه الحق والدين، وما خالفه الباطل والكفر، لذلك كان الشافعي رحمه الله يقول: “رأي صحيح يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصحة”، وهذا لسان حال أئمتنا عليهم رحمة الله.

ثالثًا: الخطاب الإعلامي وعدم وجود رقابة كافية وصحيحة عليه؛ والذي يعد من أخطر وأهم الأسباب.

رابعًا: الانفتاح التكنولوجي الزائد؛ دون تأهيل وتوعية تثقيفية بشكل صحيح.

خامسًا: تأخر دور بعض المؤسسات الدينية والتثقيفية عن تأدية دورها الصحيح؛ من نشر الوعي الجمعي ومفهوم الانتماء الصحيح للدين وللوطن، بل مفهوم الانتماء الذاتي وإرساء مبادئ التعايش الإيجابي بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان والآخر وعدم نبذه وتقبله له أيًّا كان دينه أو مذهبه أو عرقه وأنه لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.

وأخيرًا: التعايش الإيجابي بين الإنسان والمجتمع المحيط ثم أمته وهويته، بل البشرية كلها، إنها سلسة متكاملة وحلقة واحدة من المفاهيم لا بد من أحكام وثاقها في عقيدة الفرد والذي هو إقرار وإرساء لمبدأ الإنسانية في نفسه، هذا المبدأ الذي دعت إليه الشريعة الإسلامية، بل دعت إليه الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها.

طرق علاجه

تكمن سبل العلاج في فهمنا نحن لأبعاد هذه القضية، وكيف وصلت إلى هذا الحد، هذا الفهم الذي تراجع ليس في فهم هذه القضية وحسب، بل وفي معظم مناحي الحياة مما يظهر أثره سريعًا في حياة الناس وسلوكياتهم، وسيادة المادة على تفكيرهم حتى حادت بهم عن الطريق القويم، فاضمحلت أفكارهم وقيمهم، وانحدرت قدرتهم على الرؤية الصحيحة للأمور. تلك التي لن تأتي من إنسان لم يُؤهل ولم يُسَلح بشكل صحيح بالعلم والخٌلق الذي دعت إليه الفطرة السليمة السوية، إلى أن سيطر الجهل على عقله فذهب به إلى مهاوي الردى. إن الحاجة في ظل هذا الجهل تؤدي إلى تقويد صاحبها دون أن يدرك وإلى سُبل من شأنها إهلاكه هو، قبل غيره. -من هنا يكون الدافع وأيضًا العلاج-، فكما أن الجهل هو الدافع، فإن السبيل الوحيد للمواجهة هو انتفاء هذا الجهل، والعمل على تقليصه من خلال المنوط به هذا الدور من مؤسسات دينية وتعليمية، وإعلامية –وخاصة الإعلامية- فهي أسرع وسيلة تبث إما نورًا يرفع العقول، أو سمومًا تنهش حياة الأمة كلها، لذا ينبغي أن يوضع على هذه المؤسسة من رقابة لما تبثه إلى العقول من ضرورة التزام مبادئ الاعتدال والوسطية. وذلك من خلال أخذ نموذجًا من أحد النماذج المحاكاة من خلال واقع حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والتي تعد أحد موازين القيم الإنسانية في معناها الحقيقي والأصيل، نستعرض منها بعض القيم التي وردت بميزان الفزع كقيمة الشجاعة وقيمتي التعاضد والتكاتف الاجتماعي: والتي تجلت في الحديث الذي رواه عمرو ابن العاص رضي الله عنه حيث قال: “فزع الناس بالمدينة مع النبي ﷺ فتفرقوا، فرأيت سالمًا مولى أبي حذيفة احتبى بسيفه وجلس في المسجد، فلما رأيت ذلك فعلت مثل الذي فعل، فخرج رسول الله ﷺ فرآني وسالمًا، وأتى الناس فقال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس، ألا كان مفزعكم إلى الله ورسوله! ألا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان»؟ (أخرجه الإمام أحمد). نجد من معطيات هذا الحديث الشريف؛ وجود حالة فزع داخل المدينة، والفزع هو الخوف الشديد الذي يُصَاحبه تأهب، وحركة، وتَحْول، واضطراب، فنجد أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لم يذكر سبب الفزع في بداية الحديث، ولم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية الحدث؛ لكيلا يتوقف الحُكم على سبب خاص، وبالتالي فوجود فزع في الأمة أيًّا كان سببه، يقضي بوجوب الرجوع إلى الآلية التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم للنجاة منه.

موقف الإسلام من التطرف

إن موقف الدين الإسلامي الحنيف هو محاربة الإرهاب الذي اصطلح الشرع على تسميته بالإفساد بجميع مراحله وأطواره وسائر صوره وأشكاله، ويتبين ذلك من خلال ما حض عليه المولى -تبارك وتعالى- في قرآنه الكريم إزاء هذا السلوك الذي أكدت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من كونه سلوكًا غير سوي وحملت من خلاله تلك الآيات والأحاديث سبل العلاج، قال جل وعلا: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَاد﴾ (البقرة: 205). فقد بين –تعالى- أنه لا يحب الفساد ولا يرضاه لعباده. وفي موضع آخر بين عز وجل أن الإفساد هو من الصفات الذميمة التي يتصف بها الفاسقون ولا يعود على صاحبه إلا بالخسران في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون﴾ (البقرة:27). ثم نجد كيف توعد الله تعالى المفسدين بالعذاب الشديد يوم القيامة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88). وذلك ليُقْرَّ في النفس مدى ضرر هذا السلوك على الفرد والمجتمع. ومن خلال هذا المنهج الرباني النسقي –المنهج القرآني- في سرد المشكلة ودوافعها، ثم كيفية مواجهتها وعلاجها من خلال استخدام مناهج أساليب الإقناع؛ كمنهج تربوي، وكذلك الأدب النبوي في تناوله لهذه القضية، بل وفي كل القضايا الاجتماعية والتربوية نجده يعطي الرادع لمن يخالف، ويعطي إلى جانبه السبيل الذي ينبغي أن يسير عليه ولي الأمر، بل جعل سبيل الخلاص مسؤولية كل فرد في المجتمع من خلال ما أوضحه الشرع من موقفه لهذا السلوك وكيفية موجاته من خلال الأساليب التربوية التي تعتمد على استقراء الأحداث للأمم السابقة ممن نهج نفس النهج؛ ولم يلتزم بما أقرته الفطرة السليمة لهذا الإنسان ولسبب وجوده على هذه الأرض من تعميرها، وأن يحقق قضية الخلافة عليها بما تقتضيه من إقامة العدل ونشر مبادئ الخير والمحبة والتسامح. هذا الأسلوب والمنهج التربوي الذي ينبغي أن يكون من خلال المؤسسات الدينية والمؤسسات التعليمية والتربوية، وكذلك المؤسسات الإعلامية ودورها شديد الأهمية وما ينبغي أن تسير عليه من أسلوب النصح والإرشاد لتبني شخصًا متمتعًا بما ينبغي من قيم سليمة مبنية على أساس الفطرة السوية وليس على المعتقد الذي قد يختلف فيه أبناء الوطن الواحد بل ربما الأسرة الواحدة، وذلك من إقرار مبدأ: “الجميع إخوة في الإنسانية” قبل أخوة الدين أو الوطن أو حتى العرق والنسب، ونشر وتعزيز الوسطية والاعتدال على المستوى الإنساني الذي هدف إلى الإنسانية كلها. إن أفراد المجتمع الإسلامي، على اختلاف المناهل والمشارب يرون أن تفكك المجتمع يرجع إلى التخلي عن الدين؛ إما بسبب الأهواء، أو الشهوات، أو بسبب المشاكل الاجتماعية، فإن المتأمل في كل الآيات القرآنية التي حثت على الوحدة; يرى أن هذه الوحدة المنشودة؛ هي التي تجعل المجتمع قويًّا; فالدين هو أساس وحدة وتماسك المجتمع الإسلامي، ولقد حض الشارع الكريم على ذلك في قوله تعالى: ]واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ( (آل عمران: 103) ولهذا السبب تَرَصّد أعداء الأمة بها من خلال تفكيك هذا البناء، مستعينين ومستخدمين تلك الوسائل الإعلامية لتشويه هذا الدين وإظهاره بما ليس فيه، فلا يعني بُعد البعض عن الدين أو أفعال البعض وتصرفاتهم أن هذا هو الدين، ولذا يتوجب أن يواجه هذا الإعلام بإعلام صحيح موضحًا وسطية وقيم هذا الدين وأخلاقه وأن يكون داعيًا إليه. إن أفراد المجتمع الإسلامي يُدركون بما تراكم لديهم من معلومات عن الدين الإسلامي، راسخة في معتقداتهم؛ بأن هذا الدين هو السبيل الذي يكفل لهم تحقيق ما ينشدونه من ارتقاء وما يرجونه من وحدة وتماسك، يدركون بأن هناك مشترك واحد يربط بين بني البشر جميعًا؛ ألا وهو مشترك “الأخوة الإنسانية”، يُوقنون بأن هذا الدين أَتى للناس كافة؛ يحمي الجميع، ويحافظ على حق الجميع؛ أيًّا كان مذهبه أو عرقه، فتأصيل معنى الأخوة في خلق هذا الدين إنما هو بمثابة أحد أهم ركائزه ودعائمه. ومن هذا المنطلق يكمن للمؤسسة الدينية والمؤسسات الدعوية الإعلامية والتثقيفية بكافة أشكالها؛ أكبر الأثر في نشر ذلك وتوضيحه، وتوضيح ما حضت عليه هذه الشريعة من نشر لتلك المبادئ الوسطية السامية، وإبلاغها للناس جميعًا.

ختامــــــــــــــــــــًا:

ينبغي تناول ظاهرة الفُرقة والتطرف من منظور إنساني عام، يسعى إلى التأمل في عوامله المشتركة فيما بين الناس على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم، وإرساء مفهوم التعايش السلمي بين الناس جميعًا، وتأصيل ضوابط للاعتدال بما يقتضي من ترسيخ لمعنى الإنسانية في عقيدة الفرد والحرص على العمل من أجله في شتى مناحي حياته، مع ذاته ومع الآخرين، بل وحتى مع الشجر والدواب، فالإسلام دين وضع ضوابط إنسانية في التعامل مع كل شيء، حتى في الحروب هناك ضوابط إنسانية إسلامية لا ينبغي تجاوزها طبقًا لخلق وآداب تلك الشريعة السمحاء. ولقد أرسى المجتمع الإسلامي مبادئًا وقيمًا سامية عند تعامله مع المخالفين، سواء في الدين أو في غيره، والتي شكلت معايير حضارية وأخلاقية للتعايش الديني كامنة في نفس أبنائه، إن الأخلاق الإسلامية; هي تلك المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني، والتي نزل بها الوحي من قبل الحق تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم لتنظيم حياة الإنسان، وتنظيم علاقته مع الآخرين؛ على نحو موصل إلى تلك الغاية السامية التي من أجلها خُلق، ولها وُجد في هذا العالم؛ وهي عمارة الأرض على الوجه الأكمل. فالأخلاق والقيم الكريمة التي شرعها المولى عز وجل في آيات الذكر الحكيم، وأوضحتها السنة النبوية المطهرة؛ بمثابة الطريق إلى صيانة وصياغة المجتمع المسلم كي يكون ويظل على مر العصور أُنْمُوذَجًا عمليًّا للناس جميعًا بسماحته ووسطيته؛ فينشر بتلك الوسطية قيم ومبادئ; العدل، والرحمة، والسلام في العالم أجمع. إن ما تسعى إليه المجتمعات من بناء أمة في شكلها الحضاري والإنساني في أبهى صورها على مر العصور، وفي أجل وأوضح مفاهيم الإنسانية، يكمن في اتباع وتبني ما حضت عليه الشريعة الإسلامية من قيم وأخلاق، ولذا يجب على المؤسسات الدينية والتثقيفية والإعلامية أن تركز على تعليم أبناء المجتمع قيم هذا الدين، وتأصيلها في معتقداتهم، والتركيز على ذلك في مرحلة البناء الفكري من خلال المؤسسة التعليمية الأولية، كذلك تَبَنّي آلية مؤسسية لتثقيف الأسرة حول تلك القيم والمفاهيم الأخلاقية؛ وبذلك تَحْصُل التنشئة المتكاملة للفرد منذ الصغر لما لهذه المرحلة من الأهمية القصوى في البناء الفكري والنفسي والعقائدي عند الإنسان؛ فينتج عن ذلك مجتمع قوي بوحدة أفراده وتماسكهم؛ حتى وإن اختلفت مذاهبهم وتفرقت أفكارهم، إن شعار الأمة الإسلامية يجب أن يكون على الدوم “تعالوا نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه”. إن الاتصال الإنساني فطرة فطر الله الناس عليها منذ النشأة الأولى، فقد كان التكليف الأول الذي أمر الله به آدم عليه السلام بعد خلقه؛ هو مهمة البلاغ والتوضيح والإفهام، ومن هنا نقف على الأهمية البالغة للمؤسسة الإعلامية؛ فالإعلام بصوره المعاصرة يعد سلاحًا خطيرًا في هذا الصراع الأخلاقي والقيمي؛ لا سيما بعد أن توافرت له وسائل متطورة؛ لها القدرة على الوصول إلى أيِّ مجتمع; أفراده وجماعاته؛ بكل سهولة ويسر. إننا نعيش واقعًا غابت فيه القدرة الرقابية على هذا الانفتاح التكنولوجي الذي بات غازيًا مغتصبًا لكل بيت ولكل مجتمع، ولا يحترم دينه وقيمه، أو أعرافه؛ حتى وصل إلى أن انتهك حرمة المجتمعات وهتك براءة أطفالها، وفَرَغَّ عقول أبنائها؛ وعليه فإنه ينبغي على هذه المؤسسات التربوية بمختلف أشكالها الإعلامية؛ وكذلك دور الثقافة المجتمعية؛ من وضع آليات، واستراتيجيات؛ يكون من شأنها زيادة هذه الثقافة الدينية، وترسيخها في أذهان أبناء المجتمع، مع وضع آلية رقابية عليه، هذا إلى جانب الدور الأساسي الذي يقوم به المسجد؛ والذي هو المؤسسة الأولى في بناء الفرد والمجتمع; من التثقيف والتوعية والإرشاد، وتوضيح الصحيح من المغلوط للأفكار والآراء…