إن المرتل لكتاب الله جل جلاله مطالب بفهمه حق الفهم وبتدبره حق التدبر، لإعادة إحياء الأمة بالقرآن، باعتباره حبل الله المتين وهداه المستقيم، المتضمن لنبأ من قبلنا، وخبر ما بعدنا وحكم ما بيننا، فمن تغافل عن المحددات والخصائص الموجود في آياته وسوَره وابتغى الهدى المعرفي والمنهاجي خارج سُورِه، أضله الله، ومن تركه بالجملة قصمه الله. فالتدبر المعرفي يكتسي بعدًا حضاريًّا يتمثل في إعادة قافلة الأمة إلى سكتها الصحيحة، وإخراجها من الزقاق المظلم والمنعرج الخطير الذي توجهت نحوه منذ قرون، وهذا يستدعي توبة منهاجية لإزالة ما علق بالمصطلحات القرآنية من أوهام، وتحريرها لتصبح منفتحة على مختلف الأنساق المعرفية ومهيمنة عليها. فما هي شروط الفهم التكاملي للقرآن الكريم؟ وما هي الأبعاد المعرفية والدلالات الحضارية للقراءة التدبرية؟

الفهم التكاملي والقراءة الجامعة: تدبر القرآن والتفكر في الكون

إن المطلوب من المتدبر قراءتين وليس قراءة واحدة فقط، فكما أمر الله عز وجل بتدبر القرآن بقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾(ص:29)، أمر بالتفكر والنظر في الكون في آيات عديدة: قال جل شأنه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الروم:21)، وقال عز وجل: ﴿أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ+ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ+ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ +وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾(الغاشية:17-20). إلى غير ذلك من الآيات التي تُرشدنا وتوجهنا إلى النظر والتفكر في الكون. وهاتان القراءتان ليستا من باب الفضائل وإنما من باب حمل الأمانة والقيام بواجب الاستخلاف والعمران، فإعمالهما معا يؤدي إلى بناء الإنسان والعمران وآنذاك تصبح المعيشة طيبة، وإهمالهما معا يؤدي إلى التدهور والتقهقر في جميع المستويات، وبذلك تصبح المعيشة ضنكا، أما الاقتصار على قراءة واحدة فقط فيجعل البناء مختل الأركان كما يجعل الفهم مجزءًا وغير متكامل.

ومن خلال هذه نستنتج أن المطلوب قراءتين: قراءة الوحي المسطور بترتيل وتدبر، وقراءة الكون بتأمل وتفكر، كما جاء في أوائل الآيات من سورة العلق، قال جل شأنه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ+ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ+ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ+ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ + عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾(العلق:1-5)، ولتحقيق هذا الفهم التكاملي والتدبر العميق القائم على الجمع بين القراءات لابد من شروط ينبغي تحققها، من بينها: عدم هيمنة قراءة على قراءة أخرى، كما ينبغي أن يستوعب القارئ إطلاقية الكون وإطلاقية القرآن. وبهذه الشروط يمكن التحقق من القول إن القرآن معادل موضوعي بالوعي للوجود الكوني وحركته.

القراءة التدبرية المعرفية واستكشاف السنن والقوانين الكونية

وردت لفظة “سنة” في القرآن الكريم في آيات عديدة، منها قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾(فاطر:43)، فهذه الآية المباركة وغيرها، تؤكد بأن الحياة البشرية تجري بمقتضى سنن أجراها الله في خلقه، وثبتها سبحانه وتعالى لتنظيم الحياة البشرية على نسق واضح؛ ليعرف الإنسان فيها خطواته، من أين مبتداه وإلى أين منتهاه؛ لكي يسير على هدى ولا يتخبط في سيره.

ومن خصائصها الاطراد والثبات وعدم التبدل، والربانية والإنسانية، وهي لا تحابي أحدا فمن أخذ بها –بغض النظر عن دينه- أعطته من عطائها وإمكانيتها التي من شأنها تغيير الأمم والمجتمعات من حالة الانحدار والتدهور إلى حالة الرقي والتطور، قال تعالى ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾(الإسراء:20)، ولا سبيل إلى معرفة هذه السنن الخادمة للإنسان والبانية للعمران إلا بالقراءة التدبرية المعرفية، التي لا تقف عند ظواهر الأشياء بل تنظر فيما وراءها لاستخلاص هذه القوانين، معتمدة في ذلك على المنهج التكاملي في استنباط المعرفة، وهكذا يتحقق الإدراك المعرفي للقرآن المجيد وللكون المديد بمنطق جدلي تفاعلي.

وبهذين المحددين –الجمع بين القراءتين والسنن والقوانين الكونية- وبمحددات أخرى يمكننا الكشف عنها انطلاقا من منهجية القرآن المعرفية يمكننا تقويم مسارنا الحضاري واستئناف البناء الإصلاحي والتجديدي، لتحقيق مقصد الاستخلاف وحفظ الأمانة وحملها كما كُلِّفنا، والخروج من الأزمات المهددة للإنسان والمخربة للعمران.

التدبر المعرفي للقرآن الكريم ودلالاته الحضارية

عندما أصبح التعامل مع القرآن الكريم تعاملا شكليا؛ من خلال قراءته في مناسبات الأحزان والعزاء، ووضعه في الرفوف، أو استعماله كتمائم توضع فوق صدور عارية، تحولت وظيفته من كتاب حياة إلى كتاب موت، ومن كتاب للأحياء إلى كتاب للأموات، ومن كتاب تحرك إلى كتاب تبرك، وبذلك انعدم تنزيله على الواقع والقلب معا.  لهذا نحتاج إلى تجديد الوعي بالقرآن الكريم ونتلوه حق التلاوة ونتدبره حق التدبر، حتى نستطيع الخروج من حالة الحمل الحماري، ومن المرتبة الحيوانية إلى حالة التلقي الإنساني والحمل الإنساني الذي يعتمد على حسن توظيف قوى الوعي وتهيئها لاستقبال أنوار القرآن العظيم، وبذلك لا نكون كالذين قال الله سبحانه في حقهم ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾(الأعراف:179)، فالأنعام تهتدي لطعامها وشرابها بشكل غريزي، أما الإنسان إذا عطّل قوى وعيه عن التدبر والتفكر صار دون مرتبة الأنعام ذات التوجه الغريزي.

فتدبر القرآن الكريم هو القادر على إعادة اتصالنا بالقرآن والتواصل معه من أجل النهوض والبناء الحضاري وتحقيق دور الاستخلاف على أحسن وجه وحمل الأمانة حق حملها، لأن القرآن الكريم يحمل بين ثناياه كل مقومات النهوض وجميع سبل التغيير وآليات الإصلاح، فمن تمسك به واتبع هداه فلا يضل ولا يشقى، ومن تخلى عن تدبره وأعرض عنه فإن له معيشة ضنكا، قال جل شأنه: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(البقرة:38) ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾(طه:124)

فالتدبر إذن ضروري لبنائنا الثقافي والحضاري، كما يُورِّث فينا عقلية نقدية تجعل القرآن الكريم مهيمنًا ومصدقًا على كل شيء، كما أن الجمع التوحيدي بين القراءات يفتح لنا أبوب المعرفة والعلم من بداية تاريخ البشرية، مع الاستمرار في العطاء، كما يفتح الآفاق على الزمان وعلى الإنسان وعلى التاريخ وعلى الإنسان.

فعلاج الأزمات لا يكون إلا بتدبر القرآن الكريم وفهمه، والعمل على الربط بين الناظم المنهجي لآيات الكتاب وللسنن والقوانين المبثوثة في هذا الكون، وفهم المشكلات والأزمات واستيعابها ثم تحويلها إلى أسئلة أو تساؤلات ثم نذهب بها لرحاب القرآن ملتمسين الحل لذلك المشكل أو لتلك الأزمة، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ”. فَقُلْتُ: مَا المَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ”[1].

ومن خلال تدبر القرآن الكريم تدبرًا معرفيا بالاعتماد على هذه المحددات –الجمع بين القراءتين، والسنن والقوانين الكونية، ومراعاة النسقية القرآنية- وفهم مشكلاتنا وصياغتها وتحويلها لأسئلة، ملتمسين الإجابة في القرآن، نكون عندئذ مستنطقين ومستشرين له ومثورين لآياته وعندها سوف يعيننا ويقدم لنا العلاج النافع وسبيل الخروج من الأزمة. لهذا قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: “مَنْ أَرَادَ الْعِلْمَ فَلْيُثَوِّرِ الْقُرْآنَ، فَإِنَّ فِيهِ عَلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ”[2].

فهذه القراءة المعرفية تفتح الآفاق للمتدبر لاكتشاف مكنون الكتاب، كما تمكن الإنسانية من الاهتداء بهداية الكتاب الحكيم؛ وضبط عقولها ومعارفها ومسيرتها الثقافية والحضارية بضوابطه وموازينه فتتحرك في ظل هديه وهيمنته من منطق الظاهرة الكونية والتجربة الإنسانية، والسنن الإلهية والقواعد الكونية والاجتماعية في منهج قرآني يجعل حركتها منسجمة مع الغيب منفتحة على آفاقه، منطلقة في عمق التجارب العلمية والنهايات الفلسفية باتجاه عالمية الهدى الخالص والدين الحق، المحتم ظهوره على الدين كله، ولو كره الكافرون، وقصر الجامدون، وانحرف المعاندون.

وهذه الأسس والمحددات التي تُستكشف من خلال تدبر القرآن المجيد والتفاعل معه هي الكفيلة بتحقيق الفاعلية العمرانية وإخراج الإنسانية من أزماتها، وتقويم مسارها الحضاري وتحديد وجهتها، وعندئذ يصبح القرآن الكريم كتاب هداية، ودليل استخلاف، وسبيل خلاص ومنطلق عمران.

إن المطلوب من الإنسان هو الجمع بين قراءة الوحي وقراءة الكون، جمعا جدليا قائما على التفاعل عن طريق الاتصال مع القرآن والتواصل مع الكون، فالقراءتان تتضافران وتتعاضدان لتشكلان الرؤية القرآنية المعرفية الحضارية، التي بها يهتدي الإنسان المستخلف لحمل الأمانة حق حملها، وانطلاقا من محدد الجمع التكاملي بين القراءتين تم اكتشاف محدد آخر يوجهنا القرآن الكريم للعمل بمقتضاه، وهو محدد السنن والقوانين الكونية الفاعلة والمتحكمة في الوجود، فعلى أساسها تبنى الحضارات أو تنهار، وتم استنتاج أن عدم تفعيل المسلمين لهذه السنن أو إغفالهم عن استنباطها من خلال تدبر القرآن والنظر في سير الماضين كان ولا يزال هو سبب تخلفهم، وأن تقدم غيرهم كان بسبب إعمالهم لهذه النواميس وتفعيلها في واقعهم، لأنها لا تحابي أحدا بغض النظر عن دينه أو انتمائه.

وعلى هذا الاعتبار فإن التدبر أوسع دلالة من حصره في استنباط المواعظ والأحكام الفقهية الجزئية من أدلتها التفصيلية، بل يتضمن كل ذلك وزيادة، أي تتمثل في التعامل معه تعاملا معرفيا باعتباره كتاب هداية واستخلاف، بحيث يكون المصدر المنشئ والمُولّد للمعارف، وبذلك يتم تجاوز قراءة القرآن بواسطة تفسير أو غيره، لأن التدبر -كما تم بيان ذلك- فرض على جميع أصناف الناس بخلاف عملية التفسير والتأويل والاستنباط والفقه، المحصورة في فئة معينة.

ومن ثم فإن تدبر القرآن الكريم تدبرا معرفيا، انطلاقا من مراعاة النسقية القرآنية، وباعتباره معادلا موضوعيا للوجود الكوني وحركته، عن طريق الجمع بين قراءة الكتاب المسطور قراءة استنطاقية تثويرية متدبرة، وقراءة الكون المنشور قراءة تحليلية سننية علمية، نستطيع تجاوز تلك القراءت العضينية، إلى قراءة قائمة على منهج تكاملي توحيدي يهدف إلى اكتشاف القوانين الفاعلة في التاريخ، والسنن الإلهية الحاكمة للكون والإنسان، وللثقافات والحضارات، بغية تحقيق الفاعلية العمرانية وإخراج الإنسانية من أزماتها، وتقويم مسارها الحضاري وتحديد وجهتها.


[1] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب فضائل القرآن (6/125)( 30007)، والدارمي في سننه، باب فضل من قرأ القرآن (4/2098)( 3374)، والترمذي في سننه، باب ما جاء في فضل القرآن (5/172)( 2906)، والبزار في مسنده (3/71)( 836)، ومحمد المخلص في المخلصيات (3/61)( 1996 )، والبيهقي في شعب الإيمان، باب تعظيم القرآن (3/335)( 1788)، ويحيى الشجري في ترتيب الأمالي الخميسية (1/120)( 461).

[2] أخرجه المروزي في مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر، باب ثواب القراءة بالليل (1/173)، والبيهقي في شعب الإيمان، باب تعلم القرآن (3/347)( 1808)، والطبراني في المعجم الكبير (9/135)( 8664) و(9/135)( 8665) و(9/136)( 8666).