إن دراسات متعددة، أثبتت أن على عاتق المعلم يقع 60% من نجاح العملية التعليمية، وأن له أثرًا قويًّا على تكيف التلاميذ المدرسي وتحصيلهم الدراسي. ويخضع المعلم في عمله لتأثير عوامل متعددة، ولعل أقواها حضورًا وفاعلية، عامل الإعداد المهني والثقافي، وعامل النظام الإداري الذي يحكم المؤسسة المدرسية.

رسالة المعلم

ولا شك أن رسالة كل معلم، أن يقدم الجديد في مجاله الفكري بشكل يطور القدرات الإبداعية والابتكارية لطلابه، أو لكل من يأتي باحثًا أو متعلمًا في مجال علمه، وأن يتخطى الطرق التقليدية التلقينية والجدلية، ويتبع الطرق الحيادية والموضوعية في تناول الأبحاث العلمية والدخول في المجالات النقدية، مع وضع العديد من الافتراضات العلمية واختبارها للتأكد من درجة مصداقيتها.

ومن البديهي أنه في عصر اقتصاد المعرفة الذي نعيشه، لا بد من تجديد كفايات المعلم وأدواره باعتباره الصديق الداعم والناقد، والقائد الفذ، والمبدع والمبتكر، والمحاور والمناقش، والمراقب والموجه للتعلم، والأنموذج والمستشار.. مثلما يتضمن الخصائص والمواصفات المتجددة للمعلم باعتباره متفردًا وغير نمطي، يعد اختلافه مع الآخرين مصدر ثراء معلوماتي له، كما أنه مسهل للتعلم وميسر له، وممارس فعلي للتفكير الناقد والتعلم الذاتي الشامل والمستدام.

وكما تشمل الكفايات والقدرات المطلوبة من المعلم في عصرنا، فهناك قدرات ومهارات أكاديمية عالية، وخصائص وجدانية راقية، إضافة إلى مهارات التحدي والإبداع والتميز، والقدرة على قيادة الصف والعدالة في الممارسات التدريسية والنمو المهني المستمر.

وبالتالي، على المعلم أن يكون مصدرًا للأفكار الجديدة والأصيلة، التي تنبع عادة من عمليات التفكير العقلية التي تؤدي إلى الكشف والاختراع، كالتأمل والتصور والتبصر والتنبؤ والحدس والتخمين.. وهي أفكار تحطم القوالب الموجودة، وتخرج عن المألوف والتقليدي، وتكسر النماذج الذهنية المفروضة. ويراد من هذه الأفكار المبتكرة، سلوك طرق أخرى غير الطرق الرئيسة التقليدية، وتؤدي إلى انفتاح على خبرات جديدة، ومباشرة أول خطوة نحو وضع خط فكري جديد وطرح بدائل مختلفة لمشكلة معروضة، وإيجاد ما يؤدي إلى أمور أخرى جديدة، ومعرفة العلاقات بين الأفكار.. إن مثل هذه الأفكار لا تولد من لا شيء، بل تعتمد في مكوناتها على مواد أولية موجودة في الطبيعة والبيئة، ويساعد المعلم على البحث عنها واكتشافها.

وكل هذا لا يمكن أن يتم إلا بتربية الإبداع، أي تمكين المعلم من الوصول إلى مرحلة الإبداع في الدور الذي يقوم به. وعلى الرغم من أن الإبداع نوع من التفكير المنظم الذي يمكن أن يتبعه أي فرد، فإن الإبداع كنتيجة لا يتأتى للجميع، فهو قد يتأتى للضعيف ويتعذر على القوي. فالإبداع نظرة إلى المألوف من زاوية غير مألوفة، ومعالجة فعّالة ومؤثرة للمعروف بطريقة غير مسبوقة، وإذا كان عصرنا هذا هو عصر الأقوياء الذين يفرضون إرادتهم على الضعفاء، فإن هذا العصر يمنح الضعفاء فرصة الإمساك بزمام القوة بعدة طرق من أهمها طريق الإبداع.

وضع المعلم في العصر الحاضر

إن مهنة المربي أو المعلم في مجتمعنا العربي لم تبلغ المكانة اللائقة بها، حيث إن المعلم لا يعتبر كاختصاصي من حيث امتلاك التقنيات والإبداع العلمي، وإنما مجرد مبلّغ لمعرفة في متناول الجميع، ويعبر عن هذا التصور الشائع، المثل الشهير “التعليم مهنة من لا مهنة له”. وقد ساهم في تثبيت هذا المشهد الخاطئ وانتشاره، التغاضي عن توظيف غير المؤهلين ولا المُدربين للاشتغال بتعليم الأطفال.

يحدد الخطاب التربوي السائد دور المعلمين في تعليم التلاميذ، بتلقينهم المعارف الجاهزة وإدماجهم داخل جماعة الفصل بفرض قواعد ومعايير السلوك. والمعلمون يجب أن يكونوا قدوة لتلاميذهم بسلوكهم وانضباطهم؛ يتعلم فيهم التلاميذ أن النجاح يعني التمثيل الباطني للتبعية والانقياد للمؤسسة المدرسية ولتقاليدها، ولا مجال لإصدار أحكام أو إعمال للفكر أو التحليل والإبداع والابتكار.. وتحقيق هذا لا يوجب تكوينًا عاليًا للمعلم، لأن إطار الحياة في السياق التقليدي مرسوم بدقة ووضوح، وجميع المعلمين قادرون على أداء هذا الدور الذي تعلموه منذ طفولتهم في الأسرة والمدرسة.

هذه المؤسسات الفرعية جعلتهم يتمثلون المنظومة التربوية، وأعدتهم بطريقة محكمة لأداء هذا الدور، ولهذا ليس غريبًا أن نجد في مدارسنا رجالاً ونساء يتولون تعليم أبنائنا دون سابق تدريب أو تأهيل. ومن الآفات السيئة هنا، اكتفاء المعلمين بما حصلوا عليه من تعليم في المدارس ومراكز التكوين، وعدم حرصهم على متابعة المستجدات العلمية، مما يجمد إمكاناتهم العلمية والفكرية والمهنية عند الحد الذي بدأوا فيه.. كما أن القوانين والضوابط الإدارية، لا تحفّز المعلم ولا تشجعه على خوض التجربة والبحث والمبادرة الذاتية في تطوير العملية التعليمية وتحسين وتحديث أجوائها.

أهمية التكوين المستمر والمتجدد

إن التعليم نشاط اجتماعي ثقافي التشابك فيه المؤثرات المتباينة، وتتداخل العوامل المختلفة لتؤثر فيه وتطبعه. فكل العوائق التي تواجه العملية التعليمية تكون متشابكة ومتقاطعة ومترابطة فيما بينها، لا يمكن التصدي لها إلا بالعمل على حل المشكلات وقهر الصعوبات والعوائق.. ومن هنا يدرك علماء التربية، أن التكوين المتين والمستمر للعاملين في حقل التعليم -وخاصة المعلم- يؤدي بالضرورة إلى تكييف وتحسين مهاراتهم وكفاءاتهم، وضعف مؤهلات المعلمين ينتج عنه تخلف دراسي لدى التلاميذ يصعب إصلاحه.

إن تكوين المعلمين تكوينًا مستمرًا، يجدد معرفتهم ويثري خبرتهم، ولذلك فإعداد المعلم يحتاج إلى مدة زمنية كافية ومستوى أكاديمي رفيع لأسباب كثيرة، منها اللحاق بمصادر المعرفة العالمية وحاجة المعلمين إلى المزيد منها، والتكيف مع متطلبات التجدد التربوي والثورة المعلوماتية.

تربية الإبداع

لا بد من “تربية الإبداع”، ذلك النوع من التربية الذي يقوم على صناعة لدى الناشئة والراشدين على حد سواء، كوسيلة فعالة لمواجهة التحديات العلمية والتقنية التي تواجهها بلادنا العربية، وردم الفجوة الفنية والعلمية والإدارية بيننا وبين العالم المتقدم الذي تتكاثر فيه المعلومات والأفكار بشكل يفوق الوصف، ولممارسة “تربية الإبداع” التي تهتم بتنمية المعلومات والمعارف والمهارات والقيم التي تضمن الإنتاج الإبداعي، لا بد من دراسة أربعة عناصر أساسية لهذا النوع الفريد والمتميز من التربية، والذي ينبغي أن يتوافر في شخص المعلم الذي نريد إعداده وتكوينه، ليقوم بمهمة التعليم على أعلى مستوى مهني ممكن.

على‭ ‬المعلم‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مصدرًا‭ ‬للأفكار‭ ‬الجديدة‭ ‬والأصيلة‭ ‬التي‭ ‬تنبع‭ ‬عادة‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬التفكير‭ ‬العقلية‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الكشف‭ ‬والاختراع،‭  ‬وهي‭ ‬أفكار‭ ‬تحطم‭ ‬القوالب‭ ‬الموجودة،‭ ‬وتخرج‭ ‬عن‭ ‬المألوف‭ ‬والتقليدي،‭ ‬وتكسر‭ ‬النماذج‭ ‬الذهنية‭ ‬المفروضة‭.‬

1-سمات الشخصية المبدعة: فهناك سمات وخصائص اتفق الباحثون على توفرها في الشخص ليوصف بأنه مبدع، إضافة إلى ضرورة توفر البيئة والمناخ والظروف المواتية للإبداع.. وتندرج هذه الخصائص والسمات تحت مجالين، هما المجال المعرفي، والمجال الوجداني. ويمكن إيجاز ما حدده الباحثون من خصائص وسمات المبدعين في التالي:

الطلاقة: قدرة الفرد على الإنتاج المنوّع. المرونة: قدرة الفرد على التطبيق والتقسيم إلى فئات. الأصالة: قدرة الفرد على تقديم النادر من الأفكار والأشياء. التفاصيل: قدرة الفرد على التوسع في العرض والشرح والتحليل. الانفتاح: قدرة الفرد على التحدي وعدم الخوف من الخوض في غير المألوف. إيجاد النظام: قدرة الفرد على إيجاد النظام من الفوضى. المخاطرة: قدرة الفرد على تحمل المسئولية وتحليه بالشجاعة. ثم حب الاستطلاع، وحب الاستقلال، والخيال الواسع.

2-معايير الإبداع: الإنتاج الإبداعي لن يظهر في جميع الأعمال نظرية أو تطبيقية، مادية أو معنوية، عملية أو فنية كما يظهر في جميع مجالات الحياة، ومن خلال الأفراد والجماعات.. وليتصف الإنتاج بالإبداع، لا بد من عرضه على ثلاثة معايير يمكن تسميتها بمعايير العمل الإبداعي، وهي:

الجدة: أي جدة الفكرة أو التصميم أو الاستعمال أو المظهر الفني، بشرط التلاؤم مع تطورات العصر.

الأصالة: لا بد للعمل المبتكر أن يكون أصيلاً من حيث استفادته من موارد البيئة وإمكاناتها ومراعاة الظروف المحيطة، وأن يكون قليل التكلفة ممكن التطبيق، ولا بد أن يكون العمل من إنتاج المبدع نفسه وأن يكون واقعيًّا.

القيمة: يكون العمل الإبداعي ذا قيمة؛ إذا تقبله الآخرون واتصف بقلة المجازفة، وإذا كان قابلاً للإنتاج مرة أخرى. وكلما كانت استعمالاته متعددة زادت قيمته، وإذا حقق مصلحة اجتماعية ملموسة وأثرًا إيجابيًّا.

وعامة، فعملية الإبداع -بمراحلها المختلفة- تتحقق إذا كانت البيئة التربوية موفرة لجميع الإمكانيات والقدرات والأجواء التي تمكّن الفرد من القيام بجملة من النشاطات التالية: تحديد أبعاد المشكلة، التركيز على أكثر عناصر الموقف ارتباطًا، إعادة صياغة المشكلة، إدراك العلاقات الجديدة بين عناصر المشكلة، إعادة تنظيم الخبرات، إصدار العديد من الحلول المرتبط بالمشكلة، الوصول إلى حلول جديدة غير روتينة للمشكلة.

وسائل تربية الإبداع

وهناك كثير من الوسائل التي تؤدي إلى تربية الإبداع، ومن أهمها:

أولا: الإبداع عن طريق توليد الأفكار ذاتيًّا على انفراد، وقد يتم ذلك عن طريق:

أ- استخدام لغات التفكير: فهناك سبع لغات يمكن للفرد استعمال أي منها لتوليد الأفكار ذاتيًّا، وهي:

اللغة البصرية: وتستعمل فيها الصور والمجسمات والمناظر ذات الأبعاد المختلفة والرسوم التوضيحية والبيانية. واللغة الحرفية: وتستعمل فيها الكلمات والوصف والتعليمات. واللغة العددية أو الرقمية: وتستعمل فيها الأعداد والعمليات الحسابية والجبرية. واللغة التسلسية: وفيها يتم تسلسل الوقت والأحداث والتطورات. واللغة العاطفية: ويتم خلالها توظيف المشاعر والأحاسيس والانفعالات. واللغة المنطقية: وتقوم على التحليل والاختبار والاستقراء والاستنتاج والدليل والأحكام. واللغة الفكرية: وتقوم على استعمال الفلسفات والنظريات والأساليب البيانية وتشبيهات المجاز.

بـ- استخدام البحث عن البدائل المتشابهة والبدائل المضادة والبدائل المألوفة وغير المألوفة. 

جـ- استخدام لعبة البدائل والاحتمالات والاختيارات المتعددة.

د- إعادة الوصف والنظر في الموضوع أو المشكلة من وجهة نظر الآخرين في أثناء القيام بالعمل الإبداعي، واستعمال السؤال: ماذا لو؟ كيف يمكن؟

هـ- استعمل طريقة “Scamper”، وتتكون من عشر خطوات ابتكرها “بوب ابتل”، وهي: بدّل، أضف، عدّل، شكّل، كبّر، صغّر، اِحذف، اِقلب، أعد ترتيب، استخدمات أخرى.

ثانيًا: الإبداع عن طريق توليد الأفكار مع الآخرين: إن استعمال الحوار والمناقشة مع الآخرين، وإثارة الأسئلة المألوفة وغير المألوفة، والأسئلة المضادة في أثناء عملية الإنتاج الإبداعي، جزء مهم من هذه الأساليب، ويمكن أن نعرض لطريقين منها هي التالية:

العصف الذهني (Brain Storming): وهو لقاء مجموعة من الأفراد يزيد عددهم على عشرة ولا يقل عن ستة، لمناقشة موضوع معين معروف لديهم مسبقًا. وتتاح لهم مناقشة الموضوع بحرية دون توجيه أو نقد، ويسود الجلسة روح الدعابة والمتعة وتجنب الاستهزاء بأصحاب الأفكار الغريبة.. ولذلك تقوم هذه الطريقة على تجنب النقد، وإطلاق حرية الأفكار، وطلب المزيد من الأفكار دومًا، والبناء على أفكار الآخرين وتطويرها.

العصف الكتابي (Brain Writing): وتعتمد على الكتابة لا على الحديث، وتقسم المجموعة إلى مجموعات لا تزيد على ستة أشخاص يجلسون على طاولة واحدة، ويعمل كل فرد ورقة مكتوبًا عليها عنوان الموضوع الذي سيتم التفكير فيه، ثم يطلب من كل مشترك كتابة فقرة واحدة على الورقة، يتلو ذلك تبادل المشتركين الأوراق ثم تعديل ومواءمة أفكارهم.

أخلاقيات المعلم

إن حركة التربية المعاصرة بما تتخذه من إستراتيجيات وتوجهات، وبما ترنو إليه من توقعات وآفاق؛ لتؤكد أن مجال التربية ميدان إبداع بقدر ما هو ميدان تحد واختبار، يضع إنسانية المرء على المحك وأخلاقياته كذلك. إن التربية يجب أن تكون قادرة بأدبياتها ومؤسساتها، على إلقاء الضوء وتأكيد أهمية السلوك الأخلاقي المهني؛ ضمانًا لاستمرار قدرة العاملين في المجال على دعم مؤسساتهم، وتفعيل دورها في ظل أزمات اقتصادية أو ظروف محلية معوقة.

إن الموقف الأخلاقي المتميز للمعلم من الأهمية بمكان، وبخاصة في مواقف اتخاذ القرار في مواجهة الآباء والزملاء ومواقف الأزمة والصراع، والاضطراب وقلب الأحوال وتبديل الصواب والخطأ، مع مراعاة المساواة والعدالة في تطبيق المبادئ والأخلاقيات بصدق وشجاعة والتزام.

ويشير “ييمان” (Yeaman) (2005م) إلى دور المعتقدات الدينية كأصول ثابتة تنطلق منها أخلاقيات المهنة، ويظل لها في ذات الوقت بُعد ثقافي اجتماعي يفسح المجال لتنويعات تتجاوز الدساتير واللوائح، وتضع في الاعتبار الآخر الذي يتعامل معه صاحب المهنة. 

لكن علماء التربية والمتخصصين في أدبيات المجال، يجمعون على أن مسألة النسبية أو الذاتية، غير واردة مطلقًا في إطار تحديد أخلاقيات مهنة المعلم، كما أن المعلم ليس حرًّا ليسلك كما يشاء طالما قبِل أن يكون تربويًّا مهنيًّا وملتزمًا بأخلاقيات المهنة.

إن وعي المعلم وإدراكه للأخلاقيات التي تحكم ممارسته، هو شغله الشاغل في قلبه وخلفيته وتفكيره، وهو يزاول مهنته وبصورة تلقايئة طبيعية وإن لم يحركه الانشغال بما هو صواب أو خطأ، فلأن ذلك قضية قد سبق وأن ترسخت في ذهنه، وأصبح مسلّمًا الالتزام بها. 

(*) كاتب وباحث وأكاديمي / مصر.