يعج ميدان الذكاء الاصطناعي بالأسئلة الفلسفية، ليس فقط لأن هذا الميدان خطف الأنظار وحاز اهتمام الكثير، ولا لأنه كان نتاج ميادين مختلفة ضمت علم النفس والاجتماع والفلسفة والرياضيات والهندسة وغيرها، ولكن بدرجة أهم، لأن هذا الميدان يتعامل مع العقل ووظائفه ويتعامل مع ظاهرة الذكاء. وكل هذه الأشياء لم تحسم بعدُ، وما زال يحدوها الكثير من الغموض، وأسئلة عديدة حولها ما زالت تنتظر الإجابة. والقضايا الفلسفية في هذا الميدان عديدة، ومناقشتها لا تقل أهمية عن فروع الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته ونجاحاته. كما أنه من الصعب أن نسلط الضوء على كل القضايا، ولكننا سنحاول طرح أهمها في هذه المقالة ومنها: التفكير، الإبداع، الوعي، البديهة والعاطفة.

بخصوص قضية التفكير، يرى “عادل عبد النور” في كتابه “مدخل إلى عالم الذكاء الاصطناعي”، أن هذه القضية كانت سببًا في ظهور تياران رئيسيان، أحدهما يقول إن الحواسيب ليست ذكية بالقدر الذي تتفوق به على ذكاء الإنسان، بينما يذهب التيار الثاني إلى أن الحواسيب تفوقنا ذكاء وقدرة. ومن أبرز عناصر التيار الأول كان الناقد “هيبرت درايفوس” (Hubert Lederer Dreyfus) صاحب كتاب “ما لا تستطيع الحواسيب القيام به حتى الآن” (What Computers Can’t Do)، الذي نشره سنة ١٩٧٢، ثم أتبعه سنة ١٩٩٢ بكتاب آخر أسماه “ما زالت الحواسيب لا تستطيع القيام به” (What Computers Still Can’t Do)، وكان هذا الباحث يرى أن الآلات والحواسيب ليست ذكية، ومن المستحيل أن تكون ذكية حتى في المستقبل البعيد.

أما التيار الثاني فقد كان من أبرز عناصره “مارفن منسكي” (Marvin Lee Minsky)، وقد كان متفائلاً جدًّا عندما صرح في بداية ظهور الذكاء الاصطناعي، أنه خلال العشر سنوات المقبلة لن ترضى بنا الحواسيب حتى كحيوانات أليفة، وهذا معناه أنها ستتفوق علينا في الذكاء نحن معشر البشر الذي أوجدناها.

فعلى الرغم -إذن- من التطور الكبير الذي أبدعته أبحاث الذكاء الاصطناعي نحو إضفاء بعض من خصائص الذكاء على الحاسوب، “فإن الوقت لا يزال مبكرًا للقول بأن هنالك برامج ممكن أن تحاكي العقل البشري في أسلوبه في التفكير والإبداع. والنجاح الحالي الذي تشهده برامج الذكاء الاصطناعي، إنما هو تطوير لبرمجيات معينة متخصصة في مجالات تطبيقية محددة تتضمن فيها الآلة حصيلة خبرة بشرية في مجال من المجالات. فالذكاء الاصطناعي يهدف -إذن- إلى بناء آلة قادرة على محاكاة الذكاء البشري، باستخدام برمجيات متطورة يمكن أن تحاكي بعض أنماط التفكير الإنساني، ومع الوصول إلى البرنامج الصحيح، يأمل الباحثون محاكاة خاصيتي القابلية للتكيف (Adaptability)، والطلاقة (Fluently) التي تتميز بها عمليات التفكير الإنساني”.

أما بخصوص قضية الإبداع، أو بصيغة أخرى هل يمكن للحاسوب أن يبدع؛ أن يرسم أو أن يعزف الموسيقى أو أن يؤلّف الروايات وغيرها؟ فيرى الباحثون “أنه بالرغم من تفوق الحاسوب في ميادين متعددة كالمنطق والرياضيات وغيرهما، فإن هناك صعوبة في أن يصل إلى درجة الإبداع، ولكن رغم ذلك ظهرت بعض المحاولات الجادة لجعل الحواسيب مبدعة، لعل أكثرها إثارة كان هو برنامج AARON الذي يملك القدرة على رسم لوحات فنية جميلة ومتنوعة، وله القدرة حتى على الرسم التجريدي. ومما لا شك فيه أن هذا البرنامج الذي ظل تحت التطوير ٢٠ سنة كاملة، يقدم أعمالاً فنية مذهلة تصل إلى مستوى الفنانين البشريين”.

وارتباطًا بقضية إبداع الحاسوب وقدرته على ممارسة الفن، ظهرت مدرسة حديثة سميت بمدرسة “الفن التكنولوجي” (Technological Art)؛ فالآلة باستطاعتها الآن -حسب هذه المدرسة- أن تصنع الفن وتبدعه على نحو مباشر وبتعليمات محددة، أو من خلال برنامج محدد، حيث يمكن إنتاج لوحات تحاكي أعمال أشهر الفنانين، كأعمال “ليونردو دا فنشي” و”بيكاسو” أو ما تماثلها على الأقل. وهكذا أصبحت الآلات الإلكترونية قادرة على إيجاد الصور، ولم يعد الفنان هو وحده القادر على إنتاج الفن، وأصبح المتلقي أو المشاهد قادرًا على فعل ذلك أيضًا من خلال برامج وتعليمات معينة. فالحواسيب إذن أصبحت تملك إمكانات هائلة على تصميم الخطوط واختيار الألوان ومزجها، والقدرة على تغييرها بصورة فورية، كما أنها أصبحت تتميز في مجال الرسم بالمرونة التامة في تصغير الأشكال وتكبيرها وتجزيئها وإعادة تجميعها، وتحريكها ونقلها، وكذلك دمجها مع أشكال أخرى”.

أما بالنسبة لقضية الوعي فيمكن القول: إن “دراسة طرق عمل المخ البشري والخلايا العصبية المسؤولة عن الوعي، قد أدى إلى ظهور وتطور الشبكات العصبية الاصطناعية التي تنتج نوعًا من الوعي عند الآلات الذكية. فالشبكة العصبية الاصطناعية، هي نموذج يحاكي الشبكة العصبية الطبيعية، وتستخدم عددًا من الطرق الأساسية المستخدمة في النظم الطبيعية بمساعدة برمجيات المحاكاة وأسلوب المعالجة المتوازية. وتشمل طرق المعالجة المتوازية عناصر معالجة تسمى خلايا عصبية اصطناعية متصلة في شبكة معمارية، وهذه الخلايا الاصطناعية تناظر الخلايا العصبية الطبيعية، حيث تستقبل المدخلات التي تناظر النبضات الكهروكيميائية التي تستقبلها النهايات العصبية في الخلية الطبيعية من خلايا أخرى، والمخرجات من الخلية الاصطناعية تناظر الإشارات الخارجة من الخلية الطبيعية عن طريق الموصل الطرفي، وهذه المخرجات تكون عبارة عن إشارة صناعية يمكن تغيرها بطريقة تشابه تلك التي تحدث في نقطة المرور”.

وما وصلت إليه الدراسات اليوم في مقاربة مسألة وعي الآلات الذكية، “يعتمد على الفهم الحالي للشبكات العصبية الطبيعية، ونتيجة القصور في الفهم الكامل لطبيعة عمل المخ والعقل، فإن الحساب العصبي ما زال غير قادر على المحاكاة الكاملة للنظم الطبيعية. وقد ساهمت الشبكات العصبية الاصطناعية كثيرًا في الوصول إلى قدر معقول من المحاكاة نتيجة استخدامها لبعض خواص النظم الطبيعية، ولكن ما زال هنالك الكثير من البحث والدراسة، للوصول إلى آلة اصطناعية تشبه في وعيها وعي العقل البشري”.

ومن القضايا الفلسفية التي اشتغل عليها الباحثون أيضًا في مجال الذكاء الاصطناعي، قضية “البديهة”؛ فعلى الرغم من أنهم كانوا يدركون تمام الإدراك أنه من الضروري تغذية الآلات بكل المعلومات الأساسية والمعارف الضرورية، إلا أنهم لم يتوقعوا حجم ودائرة المعارف التي يمتلكها الإنسان حول نفسه وحول محيطه، والتي من الضروري برمجتها وإدخالها إلى “عقل” الآلات الذكية. “فإذا أردنا تغذية الآلة بمعلومة مثل “إن الولد في المدرسة”، يجب كذلك تغذيتها بمعلومات كثيرة أخرى مصاحبة مثل “إذا كان الولد في المدرسة فيده في المدرسة كذلك”، إلى غير ذلك من المعلومات المرتبطة بهذا النشاط. ومن هنا تجابهنا الكثير من الأسئلة، في مقدمتها: هل بوسع الإنسان تغذية هذه المعارف للحاسوب وهو نفسه لا يقدر على حصرها؟ حتى وإن تمكن من حصرها، على أي شكل يعرضها على الحاسوب؟ على شكل موسوعة أم على شكل منجد أم على شكل قوانين؟ وهل لكل المعارف قوانين؟ وكيف نتعامل مع الاستثناءات؟ عقبات كثيرة وصعبة تعترض الباحثين في هذا المجال، لكنهم يعيشون على أمل كبير في أن يتوصلوا إلى طريقة تجعل الآلات الذكية قادرة على التعلم وكسب المعارف، وبالتالي لن يكون هناك داع لتغذيتها بكل المعارف الإنسانية المتجددة”.

بقي في ختام هذه السطور، أن نتحدث عن قضية العاطفة، وهي من بين القضايا الفلسفية التي جابهت علماء الذكاء الاصطناعي. “فقد يكون سعي الإنسان إلى صنع آلات ذكية، له مبررات يتفق عليها الكثير، لكن سعيه إلى صنع آلات لها عاطفة يعترض عليه البعض؛ وذلك بسبب النظرة الغربية الكلاسيكية التي كانت تهزأ من العاطفة، حيث كانت تعتبرها سببًا للفوضى وخطرًا على المنطق والعقلانية. فإذا كانت العاطفة كثيرًا ما تدفع الإنسان إلى اتخاذ قرارات غير معقولة، فلماذا نسعى إلى إضفائها على الآلة؟ إن العاملين في مجال الآلات الذكية والعاطفة، يرون أن هناك على الأقل أربعة أسباب تجعل وجود آلة بعاطفة ضرورة، وهي: ١- تسهيل البحوث والتجارب في ميدان العاطفة البشرية وعلم النفس، عن طريق المحاكاة عوضًا عن التجارب على الإنسان. ٢- جعل الإنسان الآلي أكثر نجاحًا وفاعلية في المحيط الاجتماعي. ٣- جعل التعامل بين الآلات ممكنًا وناجحًا، لأنه سيصبح من الممكن لهذه الآلات أن تتفاهم. ٤- العاطفة تعطي للآلة إمكانية التعرف على الإنسان والمحيط الذي تعيش فيه”.

من هنا يسعى علماء الذكاء الاصطناعي إلى صنع آلات قادرة على “فهم المشاعر والتعبير عنها، وامتلاك تقييم إيجابي للذات.. آلات قادرة على فهم الطريقة التي يشعر بها الآخرون، وقادرة على إقامة علاقات ناضجة ومسؤولة دون الاعتماد على الآخرين.. آلات تتصف بالتفاؤل والمرونة والواقعية والنجاح في حل المشكلات، والقدرة على البرهنة على الأفكار والآراء بوضوح، والتعامل مع الضغوط دون فقدان التحكم”.

في الختام يتبين لنا، أن “منتجات” الذكاء الاصطناعي ستكون أكثر قوة وذكاء منا -على ما يبدو- قبل نهاية القرن الحالي في كل شيء تقريبًا؛ ستكون هذه الآلات قادرة على برمجة نفسها بنفسها، واستيعاب كمّيات ضخمة من المعلومات الجديدة، والتفكير بطريقة سنكون نحن -صنّاع هذه الآلات- قادرين بالكاد على تخيلها، ستكون قادرة على فعل ذلك في كل ثانية من كل يوم، ستكون أسرع منا وأكثر اجتهادًا. وهذه الأمور كلها تثير اليوم مخاوف الباحثين الذين انقسموا إلى طرفين بخصوص هذه “المنتجات” الذكية واستعمالاتها؛ فمنهم من يرى أن مستقبلنا سيكون رائعًا في ظلها، ومنهم من يرى أنها ستقضي على التواجد الإنساني وتسيطر على العالم.. ففي توصيات المؤتمر الدولي الثالث لتقنيات المعلومات والاتصالات في التعليم والتدريب، المنعقد في الخرطوم شهر مارس من العام الماضي، أكد المؤتمرون على أن العلماء في اتجاه التطور في مجال الذكاء الاصطناعي انقسموا إلى قسمين؛ قسم يرى أن هذه الآلات الذكية ستصل في النهاية إلى تحطيم حياة الإنسان والسيطرة على العالم، وتصل إلى مرحلة من التطور يصعب معها على الإنسان التحكم فيها، وقسم آخر لا يري في الأمر خطورة، بل بالعكس يتطلع على مستقبل فيه من الرفاهية الشيء الكثير لما ستوفره الآلات الذكية من يسر في أغلب مجالات الحياة، فقط علينا أن نبرمجها لخدمة الإنسانية وأن نزوّدها بالقيم النبيلة.

(*) كاتب وأكاديمي متخصص في الفكر الإسلامي / المغرب.

المراجع

(١) مدخل إلى عالم الذكاء الاصطناعي، عادل عبد النور بن عبد النور، مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى ٢٠٠٥.

(٢) استخدام الحاسوب في تنمية التفكير الابتكاري، عبد الهادي محمد، دار الفكر عمان، الطبعة الأولى ٢٠٠٢.

(٣) الروبوت: ميكانيكية الإدراك ومرئيات في الصناعات الحديثة، إبراهيم عبد الله القلاف، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، البحرين ١٩٩٩.

(٤) تصنيف الفنون العربية والإسلامية: دراسة تحليلية نقدية، سيد أحمد بخيت علي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، الطبعة الأولى ٢٠١١.

(٥) الحاسوب في إدارة الأعمال، الصيرفي محمد عبد الفتاح، دار قنديل للنشر والتوزيع، عمان، الطبعة الأولى ٢٠٠٣.

(٦) الذكاء الصناعي: دليل النظم الذكية، سرور علي، دار المريخ للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى ٢٠٠٥.

(٧) القدرة الاجتماعية العاطفية لأطفال ما قبل المدرسة وعلاقتها بالذكاء والنضج، شبيب حسين أحمد، المجلة المصرية للدراسات النفسية، العدد الأول، أكتوبر ١٩٩١.

(٨) الذكاء العاطفي للمدير الناجح، نصيف غسان، شعاع للنشر والتوزيع، حلب، سورية، الطبعة الأولى ٢٠٠٦.