الزكاة.. ووهْم التجديد

في ظل ما يعيشه العالم من أزمات اقتصادية وتفاقم للفجوات التنموية، بدأ يشيعُ نمطٌ من الطرح العاطفي لبعض المثقفين، يحاول فيه إعادة قراءة التشريعات المستقرة تحت دعوى الإصلاح والتجديد ومواكبة العصر.

ومن أبرز هذه الأطروحات المطالبة برفع نسبة زكاة المال من قدرها الثابت شرعا (2,5% ربع العشر (لأن يكون (20% الخُمس)، لما فيه من إغناء الفقير وسد حاجته بشكل أسرع وأوسع وأشمل، ولأن فريضة الزكاة التي شرعها الله لم تكن إلَّا نقطة التقاء بين الأغنياء والفقراء بعقد شراكة بين الغني والفقير.. وأن النسبة المقررة وهي (2.5%) ما هو إلا ابتلاء من فقهاء صرفوا الأمة عن وجهتها في هذا الصدد، وجعلوها مقدسة لا مساس بها، وأ،ها في الأصل نسبة غير صحيحة ولا هي عادلة، بل وليست تلك النسبة بالتي تؤدي الغرض المرجو من تلك الفريضة الإلهية.. فالنسبة التي قررها التشريع الإلهي هي ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فالمال مال الله، وهو من أعطاه للأغنياء بحكمة، وأمرهم بإعطاء نسبة للفقراء 20% من صافي أرباحهم، كلما تحقق ربح أو مكسب يتم استقطاع هذه النسبة.. إلخ.

غير أن هذا الطرح (العاطفي) ينطوي على خلل منهجي يغفل المقاصد الكلية للتكليف الإلهي، وأن رفع النسبة إلى 20% يؤدي إلى نتيجة هي عكس المقصود تمامًا: وهو الإفلاسُ وتآكلُ رؤوس الأموال، وجفافُ الموارد التي تغذي مصارف الزكاة..

وإليك بيان ذلك تفصيلاً في أربع نقاط:

أولاً: الاستناد الشرعي:

تستند نسبة ربع العشر (2.5%) في زكاة النقود وعروض التجارة إلى نصٍّ قطعيٍّ ثابتٍ في السُّنَّة النبوية الشريفة، وإجماع الأمة سلفًا خلفًا، وتواتر المسلمين الفعلي والتطبيقي عبر القرون إلى يوم الناس هذا..

1- روى الإمام البخاري في “الصحيح” عن أنس رضي الله عنه أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ : “هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ… وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ” والرقة هي الفضة.

2- وروى أبو داود في “السنن” بسنده: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ يَعْنِي فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ”.

3- وروى ابن ماجه في “السنن”: “أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، وَمِنْ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا”.

وقد أجمع العلماءُ واتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نِصَابَ الذَّهَبِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا تَمَّتْ فَفِيهَا رُبْعُ الْعُشْر..

إذن، لم يكن تحديد هذه النسبة من بلايا الفقهاء كما يدعي هؤلاء، ظنًّا منهم ووهمًا وجهلاً بأن هذه النسبة وردت من عنديات الفقهاء دون مستند شرعي.

ثانيًا: الخلط المنهجي بين طبيعة المال النامي وطبيعة الرِكاز:

الرِكاز (وهو الكنوز الموجودة في باطن الأرض): مالٌ يُعثر عليه الإنسان فجأة دون سابق جهد، أو استثمار لرأس مال، أو تعرّض لأي مخاطر. ولذا أوجب الشارع فيه الخُمس (20%) لعدم وجود كلفة إنتاجية، مع العلم أن هذا كان في السابق، والآن قيَّده ولي الأمر.

أمَّا المال النامي وعروض التجارة: مالٌ قائم على المخاطرة وإدارة الأعمال وتكاليف التشغيل، مما يُعرِّضه للربح والخسارة، فلما كانت كلفة إنتاجه وتنميته عالية، خفَّف الشرعُ الشريف النسبة إلى أدنى مستوياتها (ربع العشر – 2.5%)، مراعاةً لاستدامة النشاط الاقتصادي.

ثالثًا: الفرق بين النسبتين بالحسابات الرياضية:

لبيان المآل والأثر لتطبيق نسبة 20% مقارنة بنسبة 2.5%، نضع نموذجًا ماليًّا لمشروع استثماري يبدأ مثلاً برأس مال قدره مليون جنيه، ويحقق ربحًا سنويًّا بمتوسط نسبة 8%، في فترة زمنية تقدَّر بـ (5) سنوات:

ففي ظل النسبة الشرعية :(2.5%)

في السنة الأولى: ينمو المال إلى 1,080,000، فتُقتطع منه زكاة قدرها 27,000

ويبدأ السنة الثانية برأس مال قدره 1,053,000.

في السنة الخامسة: يصل أصل المال إلى 1,294,619  (أي يحصل نماء نحو 29.5%)، بينما ترتفع حصيلة الزكاة السنوية إلى 33,195.

فالنتيجة: استمرار المشروع، وتوسع الانتاج، ونمو متصاعد في حقوق الفقراء على المدى الطويل.

بينما في ظل النسبة :(20%)

في السنة الأولى: ينمو المال إلى 1,080,000، وتُقتطع منه زكاة قدرها 216,000، ويبدأ السنة الثانية بمبلغ منكمش قدره 864,000.

وفي السنة الخامسة: ينخفض أصل المال إلى  481,470(تآكل أكثر من 51% من رأس المال رغم تحقيقه أرباحًا سنوية)، وتنخفض حصيلة الزكاة السنوية من 216,000 إلى 120,368  تنخفض بنسبة 44%.

والنتيجة: إفلاس المؤسسة الاستثمارية، وتسريح العمالة، وقلة موارد الزكاة في السنوات التالية.

فالقراءة المنهجية لفقه الزكاة تبيِّن أن الشرع الشريف وازن بدقة بالغة بين حقَّين: حق الفقير في الكفاية والإيواء، وحق المال في النماء والبقاء: ففرض 20% على أصل المال وليس على الأرباح فقط يتحول عمليًّا إلى مصادرة متدرجة للملكية، مما يدفع رؤوس الأموال إلى الاتجاه للأسواق الموازية أو الاكتناز لتفادي الاستنزاف، مَّما ينتهي بنتيجة عكسية تُلحق الضرر بالفقير والغني.

رابعًا: إعطاء الفقير وسدِّ حاجاته ليس مقصورًا على الزكاة فقط:

لم يقتصر الشرع الشريف على الزكاة فقط لإغناء الفقير، بل فتح أبوابًا أخرى تكافلية تُكمل هذا الدور دون المساس بالثوابت؛ منها:

1- الصدقات والتطوع: وهي باب مفتوح دون نسبة أو حدِّ لمن أراد نفع الفقراء بماله.

2- الحقوق المالية المفروضة عند النوازل: يجوز لولي الأمر أو الحاكم الشرعي فرض ضرائب أو كفالات استثنائية على أغنياء المسلمين في حالات الأزمات الطارئة (خارج نطاق اسم الزكاة).

3- الأوقاف والصدقات الجارية: وهي الأداة التنموية الأكثر استدامة لإغناء الفقراء وتمويل المرافق العامة ونحو ذلك.

فالشرع لم يجعل رعاية الفقير محصورة في فريضة الزكاة وحدها، بل جعل الزكاة هي الحد الأدنى الدائم، وفتح إلى جوارها أبوابًا واسعة.

وعلى ذلك: فحكمة الشريعة في تحديد نسبة 2.5% لزكاة المال تكمن في صناعة شريان مالي دائم ومتجدد. وتُمثل توازنًا دقيقًا بين حق الفقير في الحصول على كفايته، وحق المال في التنمية والبقاء. وأن العاطفة المجردة والقراءة السطحية التي تنادي بمضاعفة نسبة الزكاة ظنًّا أن فيها نفعًا عاجلاً للفقير، تغفل عن حقيقة أن قَطْعَ شجرة الاستثمار يمنع ثمارها مستقبلاً. فالزكاة الشرعية ليست ضريبة استنزافية، بل هي أداة تنموية تضمن تدفق رأس المال، وتفتح آفاق العمل، وتحفظ للفقير حقه الدائم في مال الأغنياء.