هل السمع في القرآن أكثر من مجرد حاسة؟
كم مرة سمعنا كلماتٍ لم تُغيِّر فينا شيئًا؟
وكم مرة بدَّلت كلمةٌ واحدةٌ مسار حياة إنسان؟
إن هذه المفارقة تكشف أن السمع ليس مجرد عملية فيزيائية تنتقل فيها الموجات الصوتية من الهواء إلى الأذن، بل هو تجربة إنسانية معقدة تتجاوز حدود الحاسة إلى فضاء الوعي، والذاكرة، والانفعال، والإرادة. ولهذا لم يكن غريبًا أن يحظى السمع بمكانة خاصة في الخطاب القرآني، وأن يقترن مرارًا بالقلب والفؤاد، حتى بدا وكأن القرآن يرسم طريقًا يبدأ بالأذن، لكنه لا يكتمل إلا إذا بلغ القلب.
إن الإنسان يعيش في عالم يغمره الضجيج؛ أصواتٌ لا تنقطع، ورسائلُ لا تتوقف، وصورٌ تتزاحم، لكن كثرة المسموع لا تعني بالضرورة كثرة الفهم. فبين أن يسمع الإنسان، وأن يُصغي، ثم يَعِي، ثم يستجيب، مسافةٌ لا تُقاس بالأمتار، وإنما تُقاس بقدرة القلب على التلقي.
ولعل هذا ما يفسر أن القرآن الكريم لا يكتفي بذكر السمع باعتباره نعمةً من نعم الله، بل يجعله، في مواضع كثيرة، مدخلاً إلى المعرفة، ومسؤوليةً أخلاقيةً يُحاسَب الإنسان عليها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾(الإسراء: 36).
إن ترتيب هذه الأدوات الثلاث يلفت الانتباه؛ فالسمع يسبق البصر، ثم يأتي الفؤاد، في بناء قرآني متكرر يستحق التأمل. وقد رأى الإمام الطبري أن السمع أول أبواب العلم التي ينتفع بها الإنسان (الطبري، جامع البيان، ج17، ص236)، بينما أشار ابن كثير إلى أن تقديمه يعكس مكانته في تلقي الخطاب والتعليم (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج4، ص592).
غير أن قيمة هذا الترتيب لا تكمن في إثبات سبق علمي، وإنما في توجيه النظر إلى أن المعرفة ليست فعلاً آليًّا، بل رحلة تبدأ بالحواس، ولا تكتمل إلا حين تتحول إلى وعي وإدراك.
ولعل هذا ما يجعل الخطاب القرآني يفرق بين السماع والاستماع؛ فليس كل من سمع قد استجاب، وليس كل من وصلت إليه الكلمات قد وعاها. يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾(الزمر: 18).
إن الاستماع هنا ليس مجرد استقبال للصوت، بل هو فعل اختيار وتمييز. إنه انتقال من الحاسة إلى العقل، ومن العقل إلى القلب، ومن القلب إلى السلوك.
ومن المثير للتأمل أن علوم الأعصاب الحديثة، بعد قرون طويلة، بدأت تكشف أن رحلة الصوت داخل الإنسان لا تنتهي عند الأذن. فالإشارات السمعية تمر عبر شبكة واسعة من المراكز العصبية، تتداخل فيها الذاكرة، والانفعال، والانتباه، واتخاذ القرار. ولم يعد الدماغ يُنظر إليه بوصفه جهازًا يستقبل المعلومات فحسب، بل بوصفه منظومةً تعيد بناء الخبرة الإنسانية كلها في ضوء ما يسمعه الإنسان وما عاشه من قبل.
غير أن هذه الاكتشافات، على أهميتها، لا ينبغي أن تدفعنا إلى قراءة القرآن باعتباره كتابًا في التشريح العصبي. فالقرآن لم ينزل ليشرح بنية الدماغ، وإنما ليهدي الإنسان إلى ما يصلح قلبه، ويوقظ فيه القدرة على التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر.
وهنا تظهر قيمة التوازن المنهجي في العلاقة بين الوحي والعلم؛ فالعلم يفسر كيف تنتقل الإشارة السمعية، أما الوحي فيجيب عن سؤال: لماذا ينبغي للإنسان أن يحسن الإصغاء، وأن يجعل مما يسمعه سبيلاً إلى الهداية لا إلى الغفلة؟
ومن أجمل ما يلفت النظر أن القرآن لا يصف القلوب بالقسوة لأنها لا تسمع، بل لأنها لا تفقه، قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾(الأعراف: 179).
فالآية لا تتحدث عن عجز الحاسة، وإنما عن تعطل الوظيفة. فالأذن تؤدي مهمتها، لكن القلب لا يستجيب، وكأن المشكلة ليست في وصول الصوت، وإنما في غياب القابلية الداخلية لتلقي معناه.
وفي زمن تتكاثر فيه المعلومات بصورة غير مسبوقة، ربما أصبحت هذه الإشارة القرآنية أكثر حضورًا من أي وقت مضى؛ فليست أزمة الإنسان المعاصر أنه لا يسمع، بل إنه يسمع كثيرًا، ويصغي قليلاً، ويفقه أقل.
إن الحضارة لا تُبنى بوفرة الأصوات، وإنما بجودة الإصغاء؛ إصغاء الإنسان إلى الحقيقة، وإلى ضميره، وإلى نداء الوحي، وإلى سنن الله في الكون والحياة.
ولذلك فإن التأمل في العلاقة بين السمع والقلب ليس دعوةً إلى البحث عن إعجاز علمي جديد، بقدر ما هو دعوة إلى إعادة اكتشاف الإنسان نفسه. فالإنسان لا يصبح أكثر إنسانية بما يسمعه، وإنما بما يسمح لذلك السماع أن يصنعه في داخله.
ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي يحملها الخطاب القرآني؛ وهي أن المعرفة ليست تراكمًا للمعلومات، بل تحولاً في القلب، وأن أعظم ما يميز الإنسان ليس امتلاكه لحاسة السمع، وإنما امتلاكه قلبًا يستطيع أن يسمع.
فإذا كان العلم يواصل اكتشاف المسارات العصبية التي تعبرها الأصوات داخل الدماغ، فإن الوحي يذكرنا على الدوام بأن هناك مسارًا آخر، لا ترصده أجهزة التصوير، ولا تقيسه المختبرات، لكنه هو الذي يصنع حقيقة الإنسان: المسافة بين الأذن والقلب.
وهذه المسافة هي التي تحدد، في النهاية، ما إذا كان الصوت سيبقى مجرد ذبذبات عابرة، أم سيغدو نورًا يهدي، وحكمةً تبني، وإيمانًا يحيي القلب.


