بَكَيتُ على الشباب بِدَمْع عَيني  فَلَم يُغنِ البكاءُ ولا النَّحيبُ
فيـــا أسَفـــا أَسِفْـــتُ عـلى شبـــابٍ نَعاهُ الشيبُ والرأسُ الخَضِيبُ
عَـريتُ مـنَ الشبـاب وكـان غَضًّـا كما يَعرى منَ الورَق القَضيبُ
فيــــا ليــــتَ الشبــــابَ يعــودُ يومًــا فأُخبرهُ بما صنَع المَشيبُ

(أبو العتاهية الشاعر العباسي)

كثيرًا ما قرأنا بكائيات الأدباء على مرحلة الصبا والشباب، وذلك عندما دهمهم المشيب وأناخ عليهم بكلكله. فهل يستحق المشيب كل هذه البكائيات؟ وهل يستطيع الإنسان أن يجد حلولًا عملية لمواجهة هذه المرحلة، أو على الأقل يستعد لها بضعفها ومراراتها؟

لقد أسهم التقدم الطبي والإنجازات العلمية المتعاقبة في زيادة متوسط الأعمار المتوقع، وارتفاع نسبة كبار السن في كل من البلدان المتقدمة والنامية؛ فقد بلغ عدد سكان العالم الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فما فوق في عام 2020م نحو مليار شخص، وهو ما تضاعف من عام 1980م إلى عام 2020م. ومن المتوقع أنه بحلول عام 2050م، سيتضاعف عدد سكان العالم الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فما فوق (2.1 مليار). ومن المتوقع أن يتضاعف عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عامًا أو أكثر، ثلاث مرات بين عامي 2020م و2050م ليصل إلى 426 مليونًا.

الشيخوخة هي نتيجة للمسار الطبيعي للزمن، مما يؤدي إلى تغيرات فسيولوجية ونفسية واجتماعية. بالإضافة إلى التغيرات البيولوجية والفسيولوجية التي تحدث في الجسم، ومع تقدمنا في السن، نواجه عددًا متزايدًا من التغييرات الرئيسية في حياتنا، بما في ذلك التحولات المهنية والتقاعد، ومغادرة الأطفال للمنزل، وفقدان الأحباب، والتحديات الجسدية والصحية، وحتى فقدان الاستقلال. غالبًا ما تكون كيفية تعاملنا مع هذه التغييرات هي المفتاح لشيخوخة صحية. وللتكيف مع هذه التحديات، يعد التخطيط والإعداد أمرًا بالغ الأهمية.

إن الاستعداد للشيخوخة هو في الواقع استثمار للموارد، لمواجهة التحديات التي من المتوقع أن تحدث في الأعمار المتقدمة، وهذا يؤدي إلى زيادة نوعية الحياة والرفاهية في السنوات الأخيرة من الحياة. فقد أظهرت الدراسات الموسعة، التأثيرات الإيجابية للاستعداد للشيخوخة؛ أولئك الذين هم على استعداد للتغيرات المرتبطة بالشيخوخة يصبحون أقل قلقًا، وأقل اكتئابًا، ويعيشون في مستوى رفاهية أفضل. وفي الواقع، فإن أولئك المستعدين يتمتعون بصحة أفضل من الأفراد ذوي التخطيط الأقل.

لسوء الحظ، بالنسبة للكثيرين منا، فإن الشيخوخة من أسباب القلق والخوف.. كيف سأعتني بنفسي في وقت متأخر من الحياة؟ ماذا لو فقدت زوجي؟ ماذا سيحدث لعقلي؟ تنبع العديد من هذه المخاوف من المفاهيم الخاطئة الشائعة حول الشيخوخة، وهي التي ترقى في بعض الأحايين إلى حد الأساطير.

أساطير حول الشيخوخة الصحية

هناك عديد من الأساطير -أو بالأحرى الخرافات- يرددها البعض حول مرحلة الشيخوخة، ومنها:

أ- الشيخوخة تعني تدهور الصحة أو الإعاقة: والحقيقة، أن هناك بعض الأمراض التي تصبح أكثر شيوعًا مع تقدم السن، ومع ذلك فإن التقدم في السن لا يعني تلقائيًّا تدهور الصحة، أو أن حركة الإنسان ستقتصر على المشي أو الكرسي المتحرك. فكثير من كبار السن يتمتعون بصحة قوية، وغالبًا ما تكون أفضل من العديد من الشباب. ويمكن أن تساعد التدابير الوقائية، مثل الأكل الصحي، وممارسة الرياضة، وإدارة التوتر، في تقليل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، أو الإصابات في وقت لاحق من الحياة.

بـ- فقدان الذاكرة هو جزء لا مفر منه من الشيخوخة: صحيح أنه مع التقدم في العمر قد يلاحظ البعض أنه لا يتذكر الأشياء بنفس السهولة التي كانت عليها في الماضي، أو قد تبدأ الذكريات، في استغراق وقت أطول قليلًا لاسترجاعها، ومع ذلك، فإن فقدان الذاكرة بشكل كبير ليس نتيجة حتمية للشيخوخة، إذ يمكن القيام بتدريب الدماغ وتعلم مهارات جديدة في أي عمر.. وهناك عديد من الأشياء التي يمكن القيام بها للحفاظ على قوة الذاكرة.

جـ- لن تتمكن من تجربة أشياء جديدة في الشيخوخة: تعد هذه الخرافة إحدى الخرافات الأكثر ضررًا حول الشيخوخة، إذ قد يعتقد البعض أنه بعد سن معينة، لن يتمكن من تجربة أي شيء جديد، أو المساهمة في أشياء بعد الآن. والعكس هو الصحيح، فالبالغون في منتصف العمر وكبار السن، قادرون على تعلم أشياء جديدة، والنجاح في بيئات جديدة، بالإضافة إلى أنهم يتمتعون بالحكمة التي تأتي مع تجربة الحياة.

نصائح لشيخوخة جيدة

هناك بعض النصائح التي يمكن أن تساعد على التعامل مع التغييرات التي تصاحب عملية التقدم في السن، وتسهم في أن يعيش الإنسان في هذه المرحلة بشكل أفضل، ومنها:

1- تَعلَّمْ كيفية التعامل مع التغيير: مع تقدم الإنسان في العمر، ستكون هناك فترات من الفرح والتوتر، ومن المهم إيجاد طرق صحية للتعامل مع التحديات. ستساعد هذه القدرة على تحقيق أقصى استفادة من الأوقات الجيدة، والحفاظ على وجهة النظر عندما تكون الأوقات صعبة، فمن ذلك:

  • التركيز على الأشياء التي تُشعر بالامتنان؛ فكلما عاش الإنسان لفترة أطول خسر أكثر. ولكن عندما يُفْقَد الأشخاص والأشياء، تصبح الحياة أكثر قيمة. فعندما يتوقف الإنسان عن اعتبار الأشياء أمرًا مفروغًا منه، فإنه يقدر ويستمتع بما لديه أكثر.
  • الاعتراف والتعبير عن المشاعر؛ دفن المشاعر قد يؤدي إلى الغضب والاستياء والاكتئاب.. لا ينبغي للإنسان أن ينكر ما يمر به، عليه أن يبحث عن طرق صحية لمعالجة مشاعره، ربما من خلال التحدث مع صديق مقرب أو كتابة يومياته.
  • تقبُّل الأشياء التي لا يمكن تغييرها؛ في الحياة أشياء كثيرة خارجة عن سيطرتنا، بدلًا من التركيز عليها ينبغي التركيز على الأشياء التي يمكن التحكم فيها، مثل الطريقة التي نختارها للرد على المشكلات.
  • الحفاظ على الصحة من خلال الفكاهة والضحك واللعب؛ الضحك دواء قوي لكل من الجسم والعقل، فهو يساعد على البقاء متوازنًا وحيويًا ومبهجًا وصحيًّا في أي عمر، حيث يساعد حس الفكاهة الإنسانَ على اجتياز الأوقات الصعبة، والنظر خارج نفسه، والضحك على سخافات الحياة وتجاوز الصعوبات.

2- ابحثْ عن المعنى والفرح: أحد العناصر الرئيسية في وصفة الشيخوخة الصحية، هو القدرة المستمرة على إيجاد المعنى والمتعة في الحياة. مع التقدم في العمر تتغير الحياة ويفقد الإنسان تدريجيًّا الأشياء التي كانت تشغل وقته سابقًا وتعطي هدفًا لحياته، على سبيل المثال، قد تتغير وظيفته، أو قد يتقاعد، أو قد يغادر الأولاد المنزل، أو قد ينتقل الأصدقاء وأفراد العائلة الآخرون بعيدًا.. ولكن هذا ليس الوقت المناسب للتوقف عن المضي قدمًا؛ يمكن أن تكون الحياة اللاحقة وقتًا لمغامرات جديدة ومثيرة إذا سمحت بذلك.

كل شخص لديه طرق مختلفة لتجربة المعنى والفرح، وقد تتغير الأنشطة التي يستمتع الإنسان بها بمرور الوقت. على كل حال، فإن تخصيص الوقت لتغذية الروح لن يضيع أبدًا. إذا لم تكن متأكدًا من أين تبدأ، فيمكن تجربة بعضٍ من هذه الاقتراحات:

أ- اختر هواية مهملة منذ فترة طويلة أو جرب هواية جديدة.

بـ- تعلم شيئًا جديدًا، مثل لغة أجنبية، أو رياضة جديدة. إن تعلُّم أنشطة جديدة، لا يضيف معنى وبهجة للحياة فحسب، بل يمكن أن يساعد أيضًا في الحفاظ على صحة الدماغ ومنع التدهور العقلي.

جـ- انخرط في المجتمع، حاول حضور حدث محلي أو التطوع من أجل قضية مهمة بالنسبة لك. إن المعنى والغرض الذي تجده في مساعدة الآخرين، سوف يثري حياتك ويوسعها.

د- سافر إلى مكان جديد أو اذهب في رحلة نهاية الأسبوع إلى مكان لم تزره من قبل.

هـ- اقض بعض الوقت في الطبيعة، قم بنزهة سيرًا على الأقدام وسط المناظر الطبيعية الخلابة، أو اذهب لصيد الأسماك أو التخييم.

و- اكتب مذكراتك أو مسرحية عن تجارب حياتك.

الاحتمالات لا حصر لها، الشيء المهم هو العثور على الأنشطة ذات المغزى والممتعة بالنسبة لك.

3- ابق على اتصال: من المهم إيجاد طرق للتواصل مع الآخرين، فإلى جانب ممارسة التمارين الرياضية بانتظام، يمكن أن يكون للبقاء اجتماعيًّا، التأثير الأكبر على صحتك مع تقدمك في العمر. إن وجود مجموعة من الأشخاص يمكنك اللجوء إليهم للحصول على الرفقة والدعم مع تقدمك في العمر، يعدُّ حاجزًا ضد الوحدة والاكتئاب والإعاقة والمصاعب والخسارة.

تواصَلْ بانتظام مع الأصدقاء والعائلة، واقضِ وقتًا مع الأشخاص الذين تستمتع بهم، والذين يجعلونك تشعر بالتفاؤل.. قد يكون جارًا تحب ممارسة الرياضة معه، أو موعد غداء مع صديق قديم، أو التسوق مع أطفالك، أو اللعب مع أحفادك.. حتى لو لم تكن قريبًا، اتصل أو أرسل بريدًا إلكترونيًّا بشكل متكرر، للحفاظ على علاقاتك الجديدة.

ابذل جهدًا لتكوين صداقات جديدة.. فعندما تفقد أشخاصًا في دائرتك، من الضروري إجراء اتصالات جديدة حتى لا تتدهور حياتك الاجتماعية.. اجعلها نقطة لتكوين صداقات مع الأشخاص الأصغر منك سنًّا، يمكن للأصدقاء الأصغر سنًّا أن يعيدوا نشاطك ويساعدوك على رؤية الحياة من منظور جديد.

4- كن نشيطًا وعزز الحيوية: لا تقع في فخ الأسطورة القائلة “إن التقدم في السن، يعني تلقائيًّا أنك لن تشعر بحالة جيدة بعد الآن”. صحيح أن الشيخوخة تنطوي على تغييرات جسدية، ولكن لا يعني ذلك بالضرورة عدم الراحة والإعاقة، مع أنه لا يمكن تجنب كل الأمراض أو الآلام، فإن العديد من التحديات الجسدية المرتبطة بالشيخوخة يمكن التغلب عليها أو تخفيفها بشكل كبير، من خلال ممارسة الرياضة وتناول الطعام بشكل صحيح والعناية بنفسك.

إن العناية بجسمك، لها فوائد هائلة ستساعدك على البقاء نشطًا، وشحذ ذاكرتك، وتعزيز جهاز المناعة لديك، وإدارة المشكلات الصحية، وزيادة طاقتك.. ومما يساعد على ذلك:

  • الحفاظ على نظام غذائي متوازن: فمع التقدم في العمر، قد تتغير علاقة الجسم بالطعام، إذ قد يؤثر انخفاض التمثيل الغذائي، والتغيرات في التذوق والرائحة، وبطء عملية الهضم على الشهية.. ولكن في هذه المرحلة يصبح الأكل الصحي مهمًّا للحفاظ على طاقة الإنسان وصحته، أكثر من أي وقت مضى.
  • الحصول على قسط وافر من النوم: يشكو العديد من البالغين من مشاكل في النوم مع تقدمهم في السن، بما في ذلك الأرق والنعاس أثناء النهار، والاستيقاظ المتكرر أثناء الليل.. لكن التقدم في السن لا يؤدي تلقائيًّا إلى مشاكل في النوم، فتطوير عادات نوم صحية مع التقدم في العمر، يمكن أن يساعد على ضمان الحصول على قسط كافٍ من النوم الجيد كل ليلة.

5- حافظ على عقلك حادًّا: كلما كنت أكثر نشاطًا واجتماعيًّا، وكلما استخدمت عقلك وشحذته، زادت الفوائد التي ستحصل عليها. هذا صحيح بشكل خاص إذا لم تعد حياتك المهنية تمثل تحديًا لك، أو إذا تقاعدت من العمل تمامًا.

ابحث عن شيء تستمتع به، وتحدَّ عقلك من خلال تجربة أشكال جديدة، أو زيادة مدى جودة قيامك بنشاط ما.. إذا كنت تحب الكلمات المتقاطعة فانتقل إلى سلسلة كلمات متقاطعة أكثر تحديًا، أو جرب لعبة كلمات جديدة، وإذا كنت تحب الطهي، فجرب نوعًا مختلفًا تمامًا من الطعام.

نوّع عاداتك.. ليس عليك حل الكلمات المتقاطعة أو الألغاز المعقدة، للحفاظ على قوة ذاكرتك، حاول أن تعمل في شيء جديد كل يوم، سواء كان ذلك من خلال اتخاذ طريق مختلف للعمل، أو متجر البقالة، أو تنظيف أسنانك بيد مختلفة.. يمكن أن يساعد تغيير عاداتك في إنشاء مسارات جديدة في الدماغ.

تناول موضوعًا جديدًا تمامًا.. يعد تناول موضوع جديد، طريقة رائعة لمواصلة التعلم.. هل أردت دائمًا تعلّم لغة مختلفة؟ تعلّم مهارات الكمبيوتر الجديدة؟ هناك عديد من الفصول الدراسية غير المكلفة التي تسمح لك بدراسة موضوعات جديدة.

إن الحياة نعمة عظيمة، وهي أعظم الفرص على الإطلاق. وفي التصور الإسلامي يعتبر زيادة عمر الإنسان فرصة له لتجديد توبته، والإكثار من الأعمال الصالحة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا يتمنَّينَّ أحدُكم الموتَ، ولا يدعُ به من قَبْل أن يأتيَهُ، إنه إذا مات انْقطعَ عمَلُه، وإنه لا يَزيدُ المؤمنَ عُمرُه إلا خيرًا” (رواه مسلم). وكثيرًا ما قرأنا في الصحف عن مسنين قد أتقنوا أكثر من لغة، أو أتموا حفظ القرآن في هذه المرحلة.. فقد نقلت الصحف خبرًا عن سيدة سعودية ثمانينية كفيفة، استطاعت أن تحفظ القرآن الكريم كاملًا رغم أميَّتها، وتم تكريمها في حفل كبير.

المراجع:

(١) https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC9448489/

(٢) https://www.helpguide.org/articles/alzheimers-dementia-aging/staying-healthy-as-you-age.htm

(٣) https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/ageing-and-health.

(٤) https://www.hiamag.com