كثيرون لا يستوعبون التغيرات المناخية للاحتباس الحراري، ولا يبدون مخاوفهم من التداعيات البيئية والحياتية على كوكبنا. وقد لا يهتمون بها ظانين أنهم في مأمن من أن تشملهم تأثيراتها، ولن تطالهم تداعياتها. لكن الواقع يدحض تلكم الظنون؛ فلقد أصبحت التحولات المناخية العالمية حقيقة ملموسة لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها أو الهروب من ملاحقاتها. فلم تبقَ أي قارة بمنأى عن “كوارث الاحتباس الحراري” التي قد تهدد الوجود البشري على الأرض. لذا أصبح لـ”الأمن المناخي” (Climate Security) قصب السبق في استيعاب وفهم مظاهر وأسباب التغيرات المناخية ومخاطرها المُحدقة بنا. وعلى جانب آخر، يساهم الذكاء الاصطناعي في احتواء تلكم الأضرار في إطار عمل الحكومات والأفراد، بكفاءة إستراتيجية للتصــدي للأزمـة العالمية.

منذ نحو عقدين، تم تحذير المجتمع الدولي من “أخطار جسيمة” تهدد بفناء ملايين البشر. موجات حر شديد، وأمطار غزيزة، وفيضانات مدمرة، وسيول عارمة، وعواصف عاتية، وأعاصير هائلة، وجفاف قاتل، وحرائق غابات واسعة أصابت مناطق مختلفة من العالم بصورة متكررة. آثار كارثية -غير مسبوقة وغير قابلة للرجوع- لتغيرات مناخية تتخطى أي أزمات أخرى، بل وتؤثر على كافة القطاعات البشرية والبيئية والصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لذا، وضعت قضية تغير المناخ على جدول أعمال مجلس الأمن الدولي الذي خلُص إلى أنه: “لا توجد منطقة محصنة في العالم ضد الكوارث المناخية، والآثار الأمنية لتداعياتها على مؤشرات السلامة الحضارية للدول”.

الاحتباس الحراري إنذار للبشرية

حبس حرارة الأرض وعدم تبددها، عملية حيوية تساعد في الحفاظ على بيئة مناسبة للحياة، وبدونها قد تتحول الأرض لكوكب متجمد غير صالح للسكن. لكن كثافة وتسارع وتيرة الأنشطة البشرية أدت إلى زيادة انبعاث “الغازات الدفيئة” (Greenhouse Gases) -تشمل ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وأكسيد النيتروجين، والكربون الهالوجيني- الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري (الفحم، والنفط ومشتقاته، والغاز الطبيعي)، وكثافة الأسمدة الكيمائية، وتحلل المواد العضوية، ضاعف -سلبًا- من تأثير الاحتباس الحراري. نعم، لقد سهّلت الصناعات والتجارات والزراعات، ووسائل النقل والمواصلات، وسبل السياحة والسفريات، حياة البشر، غير أن زيادة معدلات تلكم الغازات، أدت إلى تلوث شديد في الهواء، وارتفاع درجة حرارة كوكبنا وتسريع التغير المناخي.

وعلى جانب آخر، تؤدي الأنشطة البشرية التجارية (الجائرة) للاستغلال القسري للطبيعة، لإزالة مساحات واسعة من الأشجار والغابات (رئة العالم)؛ حيث تزايد معدلات تحلل الغطاء النباتي وقطع الأشجار غير القانوني (لصناعات الأثاث والورق ..إلخ)، وتمهيد مساحات للزراعة وتربية الحيوانات، وتنفيذ توسعات حضرية، وإنشاء بنى تحتية، وتكثيف الصناعات التعدينية، وحوادث الحرق/الإشعال غير المتعمد من أنشطة الطحن واللحام وشرر الآلات في المزارع، وإشعال النار في أنشطة التخييم ..إلخ. ومن المعلوم أن للغابات أهمية كبيرة، فلو غابت لغابت الحياة علي وجه المعمورة. فهي “مفاعل حيوي، ورئة البشرية الحقيقية”. فعملية “التمثيل الضوئي” في الأشجار والنباتات، تشكل أساس حياتنا. فمن امتصاص ضوء الشمس، وغاز ثاني أكسيد الكربون، والماء، وعناصر من التربة، ينتج طعام الإنسان والحيوان، وغاز الأكسجين اللازم لتنفسهما. فالغابات والنباتات الخضراء هي المستهلك الأول لغاز ثاني أكسيد للكربون (بنك كربون) بكميات هائلة، حيث يمتص هكتار واحد من الغابات، ما بين 220-280 كجم من هذا الغاز. وتستطيع مساحة 130 مليون هكتار امتصاص 660 مليون طن من الكربون سنويًّا. كما يمتص كيلوغرام واحد من ورق أشجار الغابات ما وزنه 120 كجم من غاز أول أكسيد الكربون السام. كما يساهم الاستخدام غير المستدام للأراضي والتربة والمياه والطاقة، من أجل إنتاج الغذاء في انبعاثات غازات الدفيئة، وتؤثر بدورها على موارد إنتاج الغذاء. ففي عام 2020 تعرض نحو 811 مليون شخص للجوع في العالم بزيادة 161 مليون عن عام 2019.

لقد أصبحت الأرض “أكثر دفئا”، وطغت ظاهرة الاحترار العالمي (Global Warming)؛ حيث ارتفع متوسط درجة الحرارة السطحية بمقدار 1,5 درجة مئوية عمّا كان قبل الثورة الصناعية. ولا مناص من العمل الدولي للوفاء بأهداف “اتفاق باريس”، وإبقاء الاحترار العالمي لهذا القرن أقل من درجتين مئويتين. وكان من أعراض هذا الاحترار العالمي، تغيرات سريعة وواسعة النطاق في الغلاف الجوي، والمحيطات، والغلاف الجليدي، والمحيط الحيوي. فقد تآكلت طبقة الأوزون، وازداد معدل “حموضة” المحيطات (بذوبان ثاني أكسيد الكربون في مياه البحار، يتحول لحمض الكربونيك) وخطورة ذلك على الحياة البحرية. ويشار لفضل المحيطات بمساهمتها بامتصاص نحو 26٪ من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، مما يقلل من خطورة المشكلة.

وتوقعت “الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ”، أن المحيط المتجمد الشمالي (القطب الشمالي) سيكون خاليًا فعليًّا من الجليد البحري الصيفي بحلول عام 2050. فقد ساهم ذوبان الجليد في الأنهار الجليدية العالمية والصفائح الجليدية الكبيرة (غرينلاند وأنتاركتيكا)، في ارتفاع مستوى سطح البحار والمحيطات. وذلك عبر “التمدد الحراري” لمياهها، حيث تأخذ مساحة أكبر مع ارتفاع درجة حرارتها، وقد ارتفع مستوى سطح البحر العالمي ما بين 1901-2010 حوالي 19 سم. ولقد غمرت المياه بعض المناطق، بينما تعاني مناطق أخرى من جفاف شديد، مما شكل عدم توازن وتوافر موارد مياه كافية للمعيشة. وبسبب هذه التغيرات المناخية القاسية فُقدَ كثير من مظاهر التنوع الحيوي؛ فهاجرت كثير من الحيوانات والطيور والأسماك من مواطنها إلى بيئات تستطيع العيش فيها، مما قد يعرضها -مع أنواع نباتية كثيرة- لخطر الانقراض.

لذا، فإن الكوكب في حاجة ماسة إلى خفض الغازات الدفيئة بنسبة 45٪ بحلول عام 2030 للوصول إلى “الحياد الكربوني” بحلول منتصف القرن. وإذا فشل هذا المسار -بارتفاع درجة حرارة الأرض خمس درجات مئوية عام 2100- ستحدث آثار كونية كارثية ومدمرة. إن ظاهرة الاحتباس الحراري وتداعياتها المناخية، “صنيعة بشرية” تسببت في اضطرابات مناخية وبيئية، وأضرار صحية ونفسية واجتماعية، وتهجير قسري، وانعدام “الأمن الغذائي”.

لماذا الأمن المناخي؟

عبر التاريخ كان شغلُ البشر، حماية أنفسهم من المخاطر البيئية. تبدَّل الوضع الآن، ليُصبح همُّهم الأكبر حماية البيئة من تغول البشر. لقد أسفر تملك الطبيعة إلى إسراف في قهرها، واستنزاف مواردها لتحقيق أقصى عوائد مادية. لذا، يعتبر الأمن المناخي جزءًا من الأمن البيئي والغذائي والمائي. فتغير المناخ، محفز لتدهور موارد المياه العذبة، وندرة أو انعدام الأمن الغذائي، وعامل ضغط على النظام البيئي، ويعيد تشكيل الخريطة الإنتاجية للغذاء بشكل غير متوازن، مما قد يفاقم ندرة الغذاء والمياه والطاقة في مناطق كثيرة. وساهم تغير المناخ في تفاقم هجرات السكان -داخليًّا وخارجيًّا- العشوائية وغير القانونية. كل هذا وغيره، أصبح يؤثر سلبًا على قدرات المجتمعات التكيفية، وتضاؤل فرص نموها، وزعزعة استقرارها وتأكلها، وأعمال غير شرعية، ومخاطر أمنية أخرى لا حصر لها. لذا، تعين إدخال مفهوم “الأمن” كعنصر محوري للتعامل مع الاحتباس الحراري وتغيراته المناخية. وقد تتيح حلقة “التغذية المرتدة” للبشر والمجتمعات، التكيف مع الوضع المتغير وتخفيف الضغط المناخي عبر الإستراتيجيات والآليات التقنية والــذكاء الاصطناعــي.

ما دور الــذكاء الاصطناعــي؟

للــذكاء الاصطناعــي قدرات كبيرة كامنة في جمع وتحليل البيانات الضخمة للمساعدة في الأمن المناخي. ومن أبرز مساهماته قدرته على التنبؤ السريع والدقيق باحتمالات وشدة الظواهر الجوية، كالأعاصير المدارية، وحرائق الغابات والجفاف، وكذلك التنبؤ بشكل أفضل، بارتفاع مستوى سطح البحر وسخونة الغلاف الجوي. كما يسهم في إدارة وتنظيم تدفّق اللاجئين بعد وقوع كارثة مناخية شديدة، وصولًا إلى السيطرة على الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية. ويمكن لأجهزة تنقية الهواء الذكية، تسجيل جودة الهواء لحظة بلحظة، والعمل على زيادة كفاءة المرشحات الهوائية. كما ترسل تحذيرات للأشخاص الذين يعيشون في المدن والمناطق الحضرية حول مستويات ومصادر التلوث بشكل سريع ودقيق. حيث يمكن تحليل بيانات المركبات والطائرات، وأجهزة الرادار والكاميرات، للحد من تلوث الهواء. ويمكن له أيضًا، تقوية شبكة الكهرباء، إذ يستخدمه مختبر المسرع الوطني (SLAC) التابع لوزارة الطاقة الأميركية، لتحديد نقاط الضعف في شبكة الكهرباء في كاليفورنيا وتقويتها قبل وقوع أي أعطال.

ويمكنه تحسين طرق توليد الطاقة المتجددة، ونشر العدّادات الذكية لجمع ومراقبة وتحليل وتحسين طرق استخدام الطاقة داخل المباني، وتتبّع مصادر التلوث. ويوصي بالحدّ من مستويات الضباب الدخاني عبر إغلاق محطات الطاقة ..إلخ. كما يراقب مشكلة إزالة الغابات، ويحافظ على التنوع الحيوي واكتشاف التغيرات في استخدام الأراضي، ومراقبة الغطاء النباتي. ويعمل على إنقاذ الحياة البرية عبر تحديد أماكن الصيد غير المشروع للأنواع المهددة بالانقراض. كما يراقب الأنواع الدخيلة التي تهدد المناطق، كالمحميات الطبيعية.

لقد أصبح صنع المزيد باستخدام موارد أقل، حاجة ضرورية وشائعة في الزراعة، حيث يبحث المزارعون عن طرق مضاعفة محاصيلهم مع الحد من ملوثات البيئة. وتوجد مزارع داخلية وعمودية ذكية وكثيفة وتجارية وصديقة للبيئة. وتدعم التقنيات الذكية، توقيت الزراعة المثالية، ومراقبة صحة المحاصيل، وتشخيص أمراضها، وتحديد علاجاتها، وكيفية وضع التسميد بكميات أقل، والتوقّع المبكر لفترات الجفاف، وترشيد استعمال المياه، مع الحفاظ على منسوب المياه الجوفية.

وختامًا، تلعب الحكومات دورًا مهمًّا في الحد من انبعاثات الكربون عبر سن القوانين واللوائح الفعّالة كفرض ضريبة الكربون على المصانع والمؤسسات المعنية. مع إيجاد مصادر طاقة بديلة ومتجددة، والتقليل من استعمال المركبات. ومن الممارسات الفردية، إعادة التدوير، وترشيد مكيفات الهواء، واستخدام المصابيح والأجهزة الموفرة للطاقة، وإطفاء الأجهزة غير المستخدمة، وزراعة الأشجار.. مع نشر الوعي بالممارسات السليمة التي تحمينا وتحمي كوكبنا.