(تأملات قرآنية)

قال القوي العزيز جل جلاله:

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا).

(قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) (سورة مريم:16-21).

بعد أن ذكر الحق عز وجل قصة زكريا عليه السلام، وكيف أنه وهبه رغم كبره وعقم زوجته ولدًا زكيًّا طاهرًا مباركًا، ذكر قصة سيدتنا الطاهرة النقية الصفية البتول ولية الله تعالى مريم العذراء عليها السلام، وكيف وهبها الله تعالى سيدنا المسيح عليه السلام رغم غياب الأب!

فرغم غياب الأب، تكفلت وتكلفت عناية الله بمريم المقدسة. وهنا يذكر الله عباده بقهريته وقدرته وأنه يفعل في ملكه ما شاء، فهو صاحب العظمة السلطان..

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾

سليلة سلسلة بيت الطهر والنقاء في بني إسرائيل، نجد في كتاب الله قصة ولادة أمها لها في سورة آل عمران، وكيف نذرتها محررة، لخدمة مسجد بيت المقدس، (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) (سورة آل عمران:37).

خادمة بيت الله ودعوته، مقبولة، حسنة النبات..

نشأت في تبتل وانقطاع لله عز وجل، دائمة العبادات والطاعات والقربات، سيدة جليلة عظيمة لم تلوث قلبها بمخالطة الفتانين والخائضين وأهل الغفلات..

اختصها إله الأرض والسماوات بالكرامات بعد طول مدة تلك المجاهدات: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).

كانت تأتيها أرزاق الفصول في غير وقتها، جلت قدرة الله..

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ)

خلد الله تعالى ذكرها في الصالحين، لأن النسيان طبع بني الإنسانْ، لأن الجحود طبع بني الإنسانْ، واذكر!!

ذكرها ربها عز وجل باسمها العلم المفرد دلالة على شرف منزلتها ورفعتها عنده..

(انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًا)

أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وأصل الانتباذ يقال للطرح والمباعدة..

(فَاتّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَابًا)

أي: استترت منهم وتوارت، سبحان الله!

(فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) يعني جبرائيل عليه السلام.

(قَالَتْ إِنّيَ أَعُوذُ بِالرّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا)

خاطبته إن كنت تخاف الله تذكيرًا له بالله، دفعت عن نفسها بالله، فخوفته بالله أولاً!

حكمة وأي حكمة، يقول ساداتنا أهل المعنى والمعرفة بالله العظيم،

لما تعلقت إرادة الله تعالى بحكمة وحجة أن يخرج من مريم روحه وكلمته،

(انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًا)

تركتهم وذهبت لائذة بشرق المسجد!

والشرق مطلع الأنوار والأسرار، أما المغرب فمرتبط بأفول النور، فالشياطين تنتشر ساعة الغروب!

لذلك أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم:

كفوا صبيانكم!!

كفوا صبيانكم!!