يتم تعريف الحياة بشكل إبداعي على أنها مجموعة المشاعر والجواب الرئيس للأسئلة المتدوالة بين الناس “لم الحياة؟”  وما الغرض الأقصى من حياتنا؟ التعريف الذي أعجبني في هذا الصدد مع أنها لا تسع أي تعريفات ما وجدت في قصة قصيرة للكاتب الهندي فاراكادفو وذلك”الحياة حلم يراه الموتى”يتجلى فيه غموضها الأزلي والذي يعتبر عاملاً رئيسيًّا في إمكان التعقل والاختلاف في جانبها, هذا هو المعنى الجوهري للحياة.

إن مفهوم الحياة غرض يٌرمى ويقصد من قبل الفلاسفة والكتاب والشعراء وقد عالجوها بشكل مختلف جميل ونجحوا في توثيق وتعزيز مفهومها, مشوارنا في هذه المقالة إلى اكتشاف سر الحياة في ضوء الشعر المشهور “فلسفة الحياة” للكاتب الشهير إيليا أبو ماضي الشاعرالعربي اللبناني وأحد مؤسسي الرابطة القلمية ولد في لبنان عام 1889في عائلة بسيطة الحال  وكان قد أعجب بذكائه وعصاميته عالم البيان والإبداع ومن أبرز شعراء المهجر الذين تفرغوا للأدب والصحافة، وكان صاحب الأعمال الأدبية الزاهرة ومن بينها ديوان الخمائل وديوان تبر وتراب وديوان إيليا أبو ماضي وديوان تذكار الماضي وديوان الجداول وكانت مواضيع أشعاره “التفاؤل و الحب” يتميز شعره “فلسفة الحياة ” كسائر أشعاره  معنى ومبنى  وقلبًا وقالبًا.

الجانب المعنوي 

فلسفة الحياة لإيليا أبوماضي شعر فصيح يلامس الدخيلات ويتناول المواضيع مثل التفائل  والاستمتاع بالحياة ويجلب نماذج ممتازة لتحقيق المقصود. يبدأ الشعر بالدعوة إلى التفائل والتمتع بجمال الحياة والابتعاد عن التشاؤم 

” أَيُّهَذا الشاكي وَما بِكَ داء 

 كَيفَ تَغدو إِذا غَدَوتَ عَليلا”

إِنَّ شَرَّ الجُناةِ في الأَرضِ نَفسٌ

تَتَوَقّى قَبلَ الرَّحيلِ الرَّحيلا

 كأن هذه الأبيات نسيم يهب على مكسوري القلوب وشجي البلابل, تدعوا إلى الاستمتاع بلحظات الحياة ذات الفرح والحبور بغض النظر عن نوائبها وإلى اكتشاف الأحلام بدل الآلام وقبول المحاسن بدل المصائب 

وَالَّذي نَفسُهُ بِغَيرِ جَمالٍ

لا يَرى في الوُجودِ شَيئاً جَميلا

إن الجمال في القلوب يجعلنا نرى الجمال في الجميع في الوجود ويؤكد الدبلوماسية مع الحياة كفاكم هذا على سبيل المثال, خلف إيليا أبو ماضي في أشعاره معاني تسمو بالإنسان إلى مراتب السمو والجلال وصورًا رائعة مجنحة للتفاؤل. 

يبين الشاعر في الجانب التالي كيفية تطبيق سياسية الحياة بشكل أفضل بمثال طائر أدركت بفطرتها وبذاتها قيمة الحياة وهي تتغنى فوق الغصون والصقر قد ملك الجو عليها والصائدون السبيلا وقد رأت بعضها يؤخذ حيًّا والبعض يقضي قتيلاً  تتغنى وتحمل فوق جناحيها باقة من وردات الأمل وتعتز بنجواها وهي في عشها المحبك من الأشواك, يبدو أنها أيقونة التفاؤل وعبرة لمن كان له قلب

 تتغنّى وعمرها بعضُ عـــامٍ  

أفتبكي وقدْ تعيشُ طويــلا 

فاطلب اللّهوَ مثلما تطلُبُ 

الأطـــــــــيارُ عندَ الهجيرِ ظلاًّ ظليلا

الفكرة المهمة التي يتناولها الشاعر ويبينها بأبعاد فلسفية “أن الانسان هو نفسه المصدر الأول والأخير لسعادته وجمال قلبه, وإن في كيانه طاقة مغناطيسية تجذبه إلى التفاؤل والأمل والبعد عن التشاؤم وأن الخوف هو الحاجز الرئيسي الذي يمنع دروب السعادة والنجاح ويقتل مواهب الإنسان الداخلية, وأن هنا سرًّا عجيبًا تحفيزيًّا يكمن في كيان كل شيء, ويدفعه إلى الإتصاف بالسمات العليا والوصول الى طور الأحلام وأن التفاؤل يجعلنا نعيش ونتمنى وإن كنا على شفا حفرة من الموت والتشاؤم يجعلنا نقول لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا”.

ومن الجدير بالذكر, أن الشاعر قد لمس مشاعر القراء بنماذج  رائعة وخلف أفكارًا رشيقة تبني قصور البيان وملك القلوب بسحرية ألفاظه وتعابيره ودعا الجيل المتشائم إلى الوعي بحقيقة الحياة وطياتها, جميلة هي الكلمات التي تحض على العودة إلى الحياة من جديد والاستمتاع بها رغم  الحواجز والنوائب لأن الحياة تبقي توقيعها هكذا وتمضي …

فالحياة حديث ذو شجون, و بريد ذكريات وخواطر وهمهمات المشاعر, تتمايل القلوب إلى سرد حوادثها غالبًا وتشوق النفوس إلى معرفة غوامضها ويتجول الناس بقضهم وقضيضهم يطلبون معانيها وما في طياتها من الأسرار ولا يزال يكتنفها الضباب ويعتنقها الغموض  بعضهم ينشد أغانيها في تناغم وانسجام والبعض يرسم في جبينها كوابيس الظلام. ولقد ظل الإنسان في بحث عميق عن مخارج من الأحزان ومداخل إلى الأحلام  ومن هذا المنطلق يسير بين أمواج البحار ونسائم الأودية …

الجانب اللغوي 

تجدر الإشارة إلى أن الشعر ثري بعبارات رشيقة تشمل محسنات لفظية ومعنوية  طبيعية  ومجازات واستعارات وكنايات وتكرارات تعطي نغمة موسيقية جميلة وإليكم مثالاً “مطرًا يحيي السهولا : مجاز مرسل علاقته اعتبار ما سيكون , أخذته الهموم أخذًا وبيلاً: استعارة مكنية شبه الهموم بالمقاتل القوي, تطلب الأطيار عند الهجير ظلاً ظليلا: كناية عن الراحة والاستمتاع. تجد الشاعر يتبع أسلوبا فصيحًا جذابًا يراعي فيه معايير البلاغة  وأبعاد البديع والبيان والمعاني ووضوح الألفاظ وسهولتها وتشخيص الطبيعة والوحدة العضوية والتساهل في الاستخدام اللغوي.