المرأة والعلم في الإسلام

من المعلوم أن العلم أساس تطور المجتمعات ورقيها، والمرأة والرجل يشتركان في واجب عمارة الأرض، وتحقيق العمران المعرفي.

وبالعلم يعرف العالم من الجاهل لذلك ورد في القرآن الكريم آيات عديدة تحث على العلم وتكرِّم العلم والعلماء:

يقول تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18)، ويقول تعالى: ﴿َوقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه: 11)

وهذه الآية أوردها الإمام البخـاري في صحيحه في بـاب فضـل العلم في أول كتاب العلم وشرحها الحافظ ابن حجر رحمه الله بقوله :”وَاضِحُ الدَّلَالَةِ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَلَبِ الِازْدِيَادِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مِنَ الْعِلْمِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يُفِيدُ مَعْرِفَةَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ أَمْرِ دينه فِي عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، وَالْعِلْمُ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِأَمْرِهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنِ النَّقَائِصِ.”[1]

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُور﴾ (فاطر: 28)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (الزمر:9). وكذلك ورد في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحث على فضل العلم وطلبه سواء للرجل أو للمرأة منها: عن معاوية رضي الله عنه قال: “سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ”(رواه البخاري)

وقال أيضًا في حديث رواه أبو موسى رضي الله عنه قَالَ صلى الله عليه وسلم: “مَثَلُ مَا بعثني اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ، أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هي قِيعَانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بعثني اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ” (رواه البخاري).

وعن تعليم المرأة على وجه الخصوص ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عن أبي بردة عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه. ورجل عنده أمة فأدبها فأحسنن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران” (رواه البخاري).

وإنّ الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام، هو حديث كذلك عن مكانة المرأة قبل الإسلام الذي كان ينظر فيه للمرأة بتلك النظرة الدونية؛ الشيء الذي جعلها مهمشة ومعرضة لكل أنواع التحقير والعبودية. والتي تتجلى فيما يلي:

– أنها متاع من الأمتعة التي يمتلكونها مثل الأموال والبهائم.

– تحرم من التعلم والتعليم.

– تحرم من الميراث، ويرون أن ليس لها حق في الإرث وكانوا يقولون: لا يرثنا إلا من يحمل السيف ويحمي البيضة.

– لم يكن للمرأة على زوجها أي حق، وليس للطلاق عدد محدود، وليس لتعدد الزوجات عدد معين.

وكانوا يعتبرون البنات عيبا ومنقصة، قال الله تعالى ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل:58/59).

وكذلك كانوا يكرهون البنات ويدفنونهن في التراب أحياء خشية العار كما يزعمون، وقد ذمهم الله بذلك وأنكر عليهم فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ (التكوير: 8/9).

أما مكانة المرأة في الإسلام فقد تميزت بإعادة الاعتبار للمرأة بتكريمها ومنحها حقوقها ومكانتها داخل المجتمع الإسلامي ومن مظاهر تكريم المرأة في الإسلام:

أولاً: إجازة تعليم المرأة جميع العلوم النافعة كالرجل سواء بسواء ففي الحديث قال عليه الصلاة والسلام: “طلب العلم فريضة على كل مسلم”  (رواه البخاري)، وكلمة المسلم هي على التعميم ليس على التخصيص فالمقصود كل من كان مسلمًا رجلاً كان أو امرأة.

ثانيًا: خصّص النبي -صلّى الله عليه وسلّم- للنساء يومًا خاصًّا بهنّ؛ ليعلمهن به أمور الدين.

ثالثًا: أوصى النبي -عليه الصلاة والسلام- بالنساء خيرًا، في آخر وصاياه يوم حجة الوداع، فقال: “استوصُوا بالنِّساءِ خيرًا” (رواه البخاري).

ومن هنا عنيت المرأة في الإسلام بمكانة مرموقة ومنزلة عالية، باعتبارها نصف المجتمع فهي الأم والزوجة والبنت والأخت؛ كما أنها المربية والمعلمة والحاضنة. مخرجة الرجال ومربية الأجيال ومعلمة النساء، ومنشئة القادة ،والعلماء، والدعاة. فاهتم الإسلام بحسن تربيتها وتعليمها وأعاد لها كرامتها واعتبارها وحدد لها مكانها الحقيقي في المجتمع كإنسان له مكانته ودوره في الحياة لتكون عنصرًا فعالاً في نهوض الأمة وتقدمها ورقيها.

ومن مظاهر تكريم واهتمام النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة علميا:

تعليم النساء ووعظهن

النساء شقائق الرجال في التكليف فالواجب تعليمهن وتعلمهن وأول من علمهن وأقر على طلب تعليمهن هو النبي صلى الله عليه وسلم، روى الإمام البخاري في صحيحه: “حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: “خَرَجَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ وَالخَاتَمَ، وَبِلاَلٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ”، قال ابن بطال في شرحه لهذا الحديث “أنه يجب على الإمام افتقاد أمور رعيته، وتعليمهم ووعظهم، الرجال والنساء في ذلك سواء”.

وقال ابن حجر: “تعليم الأهل ليس مختصًا بأهلهن، بل ذلك مندوب للإمام الأعظم ومن ينوب عنه، واستفيد الوعظ من قوله “فوعظهن”، واستفيد التعليم من قوله “وأمرهن بالصدقة””[2].

نستخلص من خلال ما ثم ذكره عدة فوائد منها:

– اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالمجال العلمي عامة وبتعليم المرأة خاصة، جعل المرأة متهيئة لتلقي العلم وكذلك تبليغه ونشره، بعدما كان العلم رذيلة في حق المرأة وفق تقاليد وعادات الحضارات القديمة قبل مجيء الإسلام.

– الإقرار أن المرأة لا تقل مسؤولية عن الرجل أمام الله، لذلك كان صلّى الله عليه وسلّم حريصًا كل الحرص على إيصال العلم للنساء والرجال على السواء؛ وهذا يتجلى في قول ابن عباس في الحديث أعلاه “فظن أنه لم يسمع فوعظهن وأمرهن بالصدقة”.

– إفراد مجالس العلم والخير خاصة بهن: بعيدًا عن مجالس الرجال للسؤال عن أمور الدين؛ وفي هذا يقول ابن بطال: “وفيه: سؤال النساء عن أمر دينهن، وجواز كلامهن مع الرجال في ذلك، فيما لهن الحاجة إليه. وقد أُخِذَ العلم عن أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم، وعن غيرهن من نساء السلف.”[3]


[1] – فتح الباري لابن حجر، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة

[2] – فتح الباري، باب عظة الإمام النساء

[3] – شرح صحيح البخاري لابن بطال، كتاب العلم، باب هل يجعل للنساء يوم على حدة من العلم