ترى.. كم أمضى الإنسان من الوقت في معرفة أسرار جسده فيزيائيًّا؟

لقد أصبح اليوم جسد المرء شفافًا بفضل الاكتشافات الفيزيائية الحديثة التي أصبحت عيونا ثاقبة للأطباء، تعطيهم صورًا دقيقة واضحة عما أصاب الجسد من مرض وتحديد مكانه، فمع تقدم التقنيات العلمية في المجـالات التشخيصية، أصبح علاج المرضى يعتمد –بشكل كبير- على تلك الآلات والأجهزة التقنية الحديثة التي تتجسس على الجسم البشري، فتقوم بتصويره والنفاذ إلى داخل أعماقه.. فماذا عن هذه الجواسيس؟ افتُتِح في مكتبة الإسكندرية المؤتمر الدولي للأشعة الذي نظمته كلية الطب، والذي استمر أربعة أيام، شارك في جلساته وندواته خبراء وأساتذة الطب بالجامعات المصرية والعربية والأجنبية، وتم مناقشة 45 بحثًا جديدًا للأشعة وعلاقتها بطب الطوارئ والطب الحرج، ودورها في معالجة هذه الحالات، والجديد في مجال الموجات فوق الصوتية والصبغات التي يمكن أن تستخدم فيها، والرنين المغناطيسي، والأشعة المقطعية بالحاسب الآلي.. وكانت الندوة العامة والرئيسة للمؤتمر قد دارت حول الطرق المُثلى لفحص حالات الطوارئ وعلاجها بالتقنيات الحديثة ومدى إمكانية الحد من أخطار الإشعاعات المستخدمة..

وإذا كان في دنيا الطب أجهزة معاونة كتلك التي تقوم بتحليل الدم، أو البول، أو غيرهما لمساعدة الطبيب في تشخيص المرض، ومعرفة أبعاده الخفية داخل الجسم البشري من خلال نتائج تلك التحليلات، فإن هناك أجهزة أخرى مثل رسام القلب الكهربائي، ورسام المخ، ومناظير الجهاز الهضمي وغيرها، وكلها جواسيس نافعة تساعد الجسم على تحصين نفسه ضد مضاعفات المرض، لكن هناك جواسيس تعد قديمة جدًّا في مجال التجسس الطبي، ومنها التصوير الإشعاعي.

هذا التصوير الإشعاعي بما يحويه من أشعة اكس لا يكاد اليوم يمت بصلة إلى ما كان عليه قبل عشرة أو عشرين عامًا بفضل التقنيات الحديثة التي أدخلت عليه كالمسبار “القسطرة” أو “الراديو سينما”، فالأول كناية عن أنبوب دقيق يبلغ قطره قياس الشعرة، ويستخدم بإدخاله إلى الأوعية الدموية الكبيرة كالوريد أو شريان الساق مثلاً، حيث يسمح بحقن مادة ما في الدورة الدموية، تبدو بعدها أبعد الشرايين -كشرايين الدماغ أو القلب.. الخ- واضحة تمامًا على أجهزة التصوير الشعاعي، ومن شأن هذا المسبار أن يستخدم لحقن الأوعية في داخل ورم سرطاني.. فهو يمثل هنا لقاء التشخيص والعلاج معًا، أما التقنية الثانية فهي تسمح ليس فقط بدراسة الصور الثابتة، ولكن أيضًا تلك الأعضاء التي تحيا وتعمل وتخفق تحت أنظار المصور الشعاعي.

أهم وأول جاسوس طبي في رأينا هو الأشعة السينية أو أشعة رونتجن (X Ray)، التي لعبت دور المخبر السري المهم بالنسبة للطبيب طوال عقود كثيرة من الزمن، حيث كانت تتسلل إلى أماكن لا تراها العين المجردة، فتجمع الأدلة الجنائية، والصور الدامغة عن المرض الذي أصاب جسم الإنسان، وهذه الأشعة ظاهرة توالدية لها علاقة وطيدة بالأشعة الضوئية، رغم قلة حدوثها على سطح الأرض، لكنها تنتج في المختبرات بتقنيات آلية ومتطورة، وقد سميت باسم (X Ray) لأن مكتشفها كان في بادئ الأمر يجهل طبيعة هذه الأشعة وكنهها، لذا أطلق عليها اسم الأشعة المجهولة، وعادة يطلق الغرب حرف (x) اللاتيني على كل ما هو مجهول، كما نطلق نحن العرب حرف (س) على المجهول، ولذا سماها العرب بالأشعة “السينية “

من المعروف أن هناك ظاهرة فيزيائية تعرف باسم الظاهرة الكهروضوئية، وهي ظاهرة إمكان إعطاء إلكترونات المادة الصلبة، طاقة حركية عن طريق إسقاط كمات (فوتونات) من الضوء عليها، فتحرر هذه الإلكترونات وتنطلق في الفراغ معطية تيارًا كهربائيًّا من خلال أنبوب مفرغ يعرف باسم “الخلية الكهروضوئية”. فهل يمكن حدوث عكس هذه الظاهرة؟ بمعنى آخر هل يمكن للإلكترونات ذات طاقة حركية معينة أن تعطي كمات من الضوء؟ هذا ما اكتشفه العالم الفيزيائي “رونتجن” الذي ولد عام 1845 م. في مدينة لينيب ببروسيا (ألمانيا الغربية الآن) ودرس في هولندا وسويسرا، وتقلد عدة وظائف في التدريس بعدد من الجامعات الألمانية، حتى أصبح أستاذًا للفيزياء في (وبر زبرج)، وفي الثامن من نوفمبر عام 1895م، لاحظ رونتجن أن لوحًا من الورق المطلي بمادة (بلاتينوسيانيد الباريوم) قد توهج عندما أوقد بالقرب منه أنبوب أشعة المهبط (أنبوب شاشة التليفزيون الحالية) وقد كان اللوح مغطى كليًّا بالكرتون الأسود المعتم.

وفي أنبوب أشعة المهبط تنطلق الإلكترونات من المهبط معجلة بمجال كهربائي في فراغ الأنبوب فتصطدم تلك الإلكترونات بالنهاية الأخرى للأنبوب، مما يُنتج تولد أشعة غريبة مخترقة الكرتون المعتم، وتنفذ إلى اللوح المطلي بمادة (البلاتنيوسيانيد الباريوم)، فتؤدي إلى توجهه، لذا بدأ رونتجن يدرس هذه الأشعة الجديدة المجهولة الكنية والطبيعة، فأطلق عليها اسم أشعة اكس.

من الجدير بالذكر أن رونتجن هو أول حائز لجائزة نوبل في الفيزياء، وكان ذلك عام 1901 م. وقد رفض طوال حياته أن ينتفع ماليًّا من بحوثه فمات فقيرًا عام 1923 م. ومنذ أن نشر رونتجن بحثه بدأت الدراسات تنشط في بحث طبيعة هذه الأشعة واستعمالها حتى أصبحت بالصورة التي نعرفها اليوم من خلال الصور الفوتوغرافية لعظام الإنسان وجسمه، حيث تخترق هذه الأشعة جلد الإنسان ولحمه ودمه فتظهر تلك العظام واضحة جلية على الألواح الفوتوغرافية، وذلك لضعف قوة اختراق الأشعة السينية لعظام الإنسان.

ويقاس معدل التعرض للإشعاع أو الجرعة الممتصة منها في وحدة الزمن، بوحدة الرونتجن / ساعة، والأشعة السينية التي تنتج رونتجًا واحدًا في الهواء، وتسمى تلك الجرعة من الإشعاع المؤين -الذي يسبب امتصاص تلك الطاقة- بالرونتجن الفيزيائي، وهذه الوحدة غير محددة تمامًا بسبب تغير تركيب الجسم البشري، إلا أن هناك وحدة محددة تسمى جرعة الإشعاع الممتص، ويسميها الفيزيائيون (رادRAD ) وهي الأحرف الأولى لمصطلح العلمي (Radiation Absorbed Dose) وهذه الوحدة تساوي مائة أرج (والأرج وحدة مصغرة من وحدات الطاقة، والجول = 10 أُس 7 أرج) من الطاقة الممتصة / جرام من أي مادة، و”الميللي راد” هو جزء الراد .

وثمة نوع آخر من الإشعاع وهو فوتونات أشعة جاما، فإنها لو مرت خلال كروموزوم كامل، فإنها لا تسبب أي تكسر أو تشوه في هذا الكروموزوم (الحامل للعوامل الوراثية)، والمعروف أن أيًّا من إشعاعات ألفا أوبيتا تؤدي إلى تفكيك الماء بتأثير الأشعة، والمقصود هنا ماء الخلية الحية، مما يؤدي إلى وفاتها بعد أن تعجز عن أداء وظائفها المعتادة بسبب التغير الطارئ على تركيبها الكيماوي. ويتضح تأثير الإشعاع التخريبي على الخلايا الحية بأشكال شتى، منها النقص في معدل الانقسام الخلوي، لذا فإن الخلية لا تؤدي إلا إلى عدد محدود من الانقسامات خلال فترة حياتها، ومنها التشوه الخلوي الذي يؤدي إلى اضطراب مسلسل التطور الطبيعي، مما يؤدي إلى نشوء نمط في سياق تطور جديد مغاير لنوعه الأصلي كما في حالة تكون خلايا سرطانية، هذا وإن الخلايا الأكثر حساسية للإشعاع هي تلك التي في طور الانقسام فعلاً.

ومن الأساليب الطبية الجديدة التي فرضت نفسها في التشخيص الطبي أو المعالجة، ما سمي بالطب النووي (Nuclear medicine) حتى أصبح من التخصصات الطبية المهمة وقد توافرت له تقنيات على درجة كبيرة من التقدم والتطور العلمي، وقد تم في المؤتمر مناقشة هذا النوع الجديد من التشخيص والعلاج الذي شاع استخدام النظائر المشعة فيه لعدد من العناصر، مما أتاح الفرصة للأطباء في العديد من المراكز الصحية والمستشفيات بمختلف أحجامها ومستوياتها، بالإطلاع على معلومات أكثر دقة وتفصيلاً في مجال تركيب الأنسجة والأعضاء المختلفة في الجسم.

ويختلف الكشف باستعمال النظائر المشعة عن التصوير الشعاعي السيني التقليدي من حيث استعمال مقادير ضئيلة جدًّا من الإشعاع، ويستند استخدام النظائر المشعة في التشخيص الطبي إلى حقيقة علمية مهمة هي أن النظير المشع يتمتع بالخصائص الكيميائية ذاتها للنظير المستقر الأساسي للعنصر، حيث يقوم النظير المشع للعنصر بالتفكك إلى أن يتحول إلى عنصر آخر مستقر هو الأرجون، فالفرق بين ذرات العنصر المستقر ونظائرها غير المستقرة، يكمن في اختلاف عدد النيوترونات الموجودة داخل النواة إلى جانب البروتونات ذات الشحنة الموجبة، ولذلك يتبع النظير المستقر المسار نفسه في الجسم ويتركز في عضو محدد من الجسم، فعنصر اليود مثلاً يتجمع في الغدة الدرقية، وإذا ما حقن الجسم عن طريق الوريد بنظير اليود 131 المشع، فإن هذا العنصر سيسلك النهج ذاته، ويتركز في الغدة الدرقية، وبقياس الإشعاعات المنبعثة منه في هذا العضو ودراسة طريقة توزيعه في نسيج الغدة يستطيع المتخصصون معرفة الكثير عن حالة الغدة الصحية، كمدى فعاليتها في تأدية وظيفتها، وأوجه الخلل والقصور الذي أصابها، وغير ذلك من الحقائق التشخيصية.

أما عن الفرق المهم بين الأشعة السينية والنظائر المشعة فهو أن الإشعاع في حالة الأشعة السينية ينبعث من الجهاز المستعمل في التصوير صوب الجسم فيخترق أنسجته المختلفة التي تمتص الإشعاع لدرجة التباين في كثافة كل نسيج منها، ويظهر ذلك جليًّا على لوح التصوير أو شاشة العرض، بينما الذي يحدث عندما تستعمل النظائر المشعة في التشخيص هو حقن المادة المشعة في الجسم عن طريق الوريد لتسري في الدم وتتركز في الموضع الذي تلجأ إلى التجمع فيه عادة، حيث تقوم أنسجة الجسم المتنوعة وأعضاؤه العديدة باجتذاب عناصر معينة إليها من دون الأخرى، وهذه تعتبر من المعجزات المدهشة التي يتميز بها الجسم الحي، والتي لولاها ما كان من الممكن إجراء أي تشخيص بهذه الوسيلة.

المراجع

Sutton D. A. Textbook of Radiology and Imaging .4th ed. Vol. 1. Edinburgh: Churchill Livingstone

  1. Burman K. D. Thyroid Cancer I. Endocrinol Clin

Aron D C, Tyrrell J B, Fitzgerald P A, Findling J W, Forsham P H . Cushing’s syndrome: Problem in Diagnosis. Medicine (USA) 1998  

  • Utiger R D. Therapy of Hypothyroidism. When are Changes Needed? N Engl J.