يعشق جسم الإنسان النظام؛ فعندما يبدأ الجسم بالاستعداد للاستيقاظ مبكرًا، كأن يكون في الخامسة صباحًا، فإنه يفرز الهرمونات المناسبة لهذا التوقيت. وحتى إذا فاتت ذروة تركيز هذه الهرمونات، ونام الشخص فترة أطول، فلن يحصل على النشاط اللازم خلال النهار. وإذا تغيَّر إيقاع الحياة، فإن الجسم يحتاج إلى إعادة ضبط إيقاعاته الحيوية.
ويرتبط النوم والتثاؤب نهارًا أثناء العمل ارتباطًا وثيقًا، إذ يجعلان الجسم بحاجة إلى إعادة ضبط إيقاعاته الحيوية. وغالبًا ما يكون التثاؤب محاولة من الجسم لإيقاظ نفسه ومقاومة النعاس أثناء النهار، خاصة عندما يكون مرتبطًا بالدوخة النفسية، التي قد تكون ناتجة عن أمراض معينة أو عن خصوصية نمط الحياة. ويُعد التثاؤب عرضًا تقليديًّا للنعاس المفرط الناتج عن أسباب متعددة، منها قلة النوم، والملل، أو اضطرابات النوم، مثل انقطاع النفس أثناء النوم.
كما أن التثاؤب المستمر قد يشير إلى مشكلات صحية خفية تستدعي استشارة الطبيب لتحديد أسبابها. وإذا كان التثاؤب مفرطًا، وغير مبرر، ويتعارض مع الروتين اليومي للشخص، ويصاحبه تعب شديد، فإنه يستوجب استشارة طبية لتشخيص السبب الجذري وعلاجه.
إن بعض المشكلات الصحية التي يعاني منها الإنسان تؤدي إلى الشعور بالدوار النفسي والنعاس أثناء النهار، ومن ذلك نقص الحديد، وهو عنصر ضروري للعديد من العمليات الأيضية التي تجري في الجسم. فقد يكون مؤشر الهيموجلوبين طبيعيًّا، ومع ذلك يعاني الشخص من نقص الحديد الكامن، مما يجعل الدماغ غير قادر على التعامل بكفاءة مع الأعباء الذهنية.
ويُعد نقص الفيتامينات، ولا سيما فيتامين (د) المعروف بفيتامين الشمس، من الأسباب المهمة أيضًا، خاصة لدى الأشخاص الذين يقضون أوقاتًا طويلة في أماكن مغلقة لا تتعرض للأشعة فوق البنفسجية. فهذا الفيتامين يصنعه الجسم عند التعرض لأشعة الشمس، وهو ضروري لصحة العظام والأسنان، إذ يساعد على امتصاص الكالسيوم والفوسفور، كما يمكن الحصول عليه من بعض الأطعمة المدعمة والمكملات الغذائية. ولهذا فهو مهم للحفاظ على النشاط وتقوية المناعة.
كذلك يؤدي الإجهاد المزمن، واستنزاف احتياطيات الغدد الكظرية والجهاز العصبي، مع مرور الوقت، إلى النعاس، والدوخة النفسية، والضعف العام، والاكتئاب.
ومن الأسباب الأخرى التي قد تؤدي إلى النعاس أثناء النهار: نقص هرمون الغدة الدرقية، والأمراض المعدية الخفية، فضلاً عن بعض الأمراض الروماتيزمية، والأورام، والأمراض العصبية النادرة.
فإذا لاحظ الشخص أنه يتثاءب باستمرار خلال النهار، وأصبح يفكر في تناول القهوة أو الشاي ليستعيد يقظته ونشاطه خلال فترة ما بعد الظهر أثناء العمل، فقد تكون هذه العلامات مؤشرًا خطيرًا على نقص شديد في النوم، وهو ما قد يعرضه لمخاطر صحية وجسدية على المدى الطويل، وفقًا لدراسة جديدة صادرة عن الأكاديمية الأمريكية لطب النوم.
ويقول رئيس الجمعية الأمريكية لطب النوم، الدكتور إريك أولسون، وهو طبيب متخصص في طب النوم بمدينة روتشستر بولاية مينيسوتا، إن النعاس يمثل مشكلة صحية خطيرة لها عواقب جسيمة. وأشار الخبراء إلى أن عدم الحصول على قسط كافٍ من النوم ليلاً، يتراوح بين سبع وثماني ساعات على الأقل، يرتبط بتطور أو تفاقم مرض السكري، والاكتئاب، فضلاً عن زيادة معدلات الإصابة بأمراض القلب والكلى، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، والسكتة الدماغية.
خطورة خدار النوم والغفوة أثناء العمل
يقول البروفيسور أولسون في إحدى دراساته: “مع إصابة ثلث البالغين في الولايات المتحدة بالنعاس المفرط، لا يمكن التقليل من أهمية التدخلات التي تساعد على التعرف إلى هذه الحالة، وتقييمها، وعلاجها”. وأكد أن كثيرًا من الناس يتجاهلون علامات النعاس، مثل الغفوة أثناء اجتماعات العمل، ويعتبرونها أمرًا عابرًا، في حين أنها قد تكون علامة على نقص خطير في النوم.
وقد أثبتت الدراسة أن الجسم يقوم بأمور غريبة عندما يعاني من الحرمان المستمر من النوم، بما في ذلك مقاومة التثاؤب وإرسال إشارات توحي بأنه تأقلم مع قلة النوم.
وفي المقابل، أوضحت الدكتورة إنديرا جوروبهاجافاتولا، عضو مجلس إدارة الجمعية الأمريكية لطب النوم، أن هذه الإشارات بعيدة كل البعد عن الحقيقة. وأضافت: “عندما نجري اختبارات فعلية لقياس كفاءة وظائف الدماغ، مثل سرعة رد الفعل، والقدرة على التذكر، واختبارات الذاكرة، والتنسيق الحركي، نجد أن الأشخاص يرتكبون بالفعل كثيرًا من الأخطاء”.
وشدد العلماء على أن الدماغ قد يدخل في نوبات نوم قصيرة جدًّا، تستغرق ثانيتين أو ثلاثًا أو حتى عشر ثوانٍ، ثم يعود إلى اليقظة فجأة دون أن يدرك الشخص حدوث ذلك. وقد يكون هذا الأمر بالغ الخطورة أثناء القيادة أو عند أداء أي عمل يتطلب مستوى عاليًا من السلامة والانتباه. لذا، إذا شعر الشخص بأنه على وشك النوم، فعليه أن ينتبه؛ لأن ذلك مؤشر واضح على أن القيادة لم تعد آمنة.
كيف تعرف أن النعاس وصل إلى مرحلة الخطر؟
يمكن قياس ذلك باستخدام مقاييس متعددة، من أشهرها مقياس إبورث للنعاس، كما أوضحت الدكتورة جوروبهاجافاتولا.
ويتضمن هذا المقياس أسئلة تقيس مدى احتمالية النوم في مواقف مختلفة، مثل: الجلوس بهدوء بعد تناول الغداء من دون تناول الكحول، أو الاستلقاء في فترة ما بعد الظهر، أو الجلوس دون نشاط في مكان عام، أو أثناء القراءة، أو أثناء الحديث مع شخص آخر، أو خلال ركوب سيارة لمدة ساعة، أو عند التوقف لبضع دقائق أثناء القيادة، أو أثناء مشاهدة التلفزيون.
كما توجد أسباب أخرى قد تسهم في اضطرابات النوم، مثل انقطاع النفس أثناء النوم، والأرق، ومتلازمة تململ الساقين، واضطرابات النوم المرتبطة بالإيقاع اليومي، إضافة إلى حالات الألم المزمن وبعض الأدوية، وهي أسباب يمكن لأخصائي طب النوم تشخيصها واستبعادها.
ويؤكد الخبراء أيضًا أن بعض سلوكيات نمط الحياة قد تسهم في النعاس المزمن؛ فالإفراط في تناول الكافيين، وتعاطي الكحول قبل النوم، ونقص النشاط البدني أو الإفراط فيه، إلى جانب العادات السيئة أثناء النوم، مثل النوم في غرفة شديدة الإضاءة، أو شديدة البرودة، أو شديدة الحرارة، أو كثيرة الضوضاء، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في تنظيم النوم وجودته، وفي مدى شعور الإنسان بالنشاط والانتعاش عند الاستيقاظ.
إن الغفوة النهارية، وارتباطها بالنعاس المفرط والتثاؤب، كلها ظواهر مترابطة؛ إذ يمثل التثاؤب إشارة يطلقها الجسم لإيقاظ نفسه عند الشعور بالنعاس الناتج عن نقص النوم أو الإرهاق. وتعمل الغفوة القصيرة بوصفها منشطًا طبيعيًّا يعيد للجسم يقظته، إلا أنه إذا بلغ النعاس درجة تستدعي غفوات متكررة رغم الحصول على نوم ليلي كافٍ، فقد يكون ذلك مؤشرًا على اضطرابات نوم خطيرة، مثل الخدار (النوم القهري)، وهو اضطراب عصبي مزمن يسبب نعاسًا مفرطًا خلال النهار، ونوبات نوم مفاجئة لا يمكن السيطرة عليها، وقد يصاحبه ضعف عضلي مفاجئ، وشلل النوم، وهلوسات النوم، نتيجة نقص مادة الأوريكسين (الهيبوكريتين) في الدماغ، وهي المادة المسؤولة عن تنظيم اليقظة. ويؤدي هذا النقص إلى دخول الشخص في مرحلة نوم حركة العين السريعة (REM) حتى أثناء الاستيقاظ أو عند الإصابة بانقطاع النفس أثناء النوم، فتغدو الغفوة محاولة لتخفيف الأعراض، لا علاجًا لها.
وقد يكون النعاس المفرط أثناء النهار ناجمًا عن اضطرابات عضوية وعصبية متعددة، وليس نتيجة الكسل أو قلة النشاط، بل بسبب خلل في وظائف الدماغ. ويؤدي نقص الناقل العصبي الهيبوكريتين إلى سهولة الشعور بالنعاس وسرعة الدخول في النوم؛ إذ يصبح الدماغ غير قادر على تنظيم دورة النوم بصورة طبيعية، وقد يصل الأمر إلى النوم أثناء القيادة أو الدراسة. ويشيع هذا الاضطراب لدى الأطفال والمراهقين.
التعايش مع مرض النوم القهري
إن ظهور بعض الأعراض، مثل عدم القدرة على تحريك الأطراف رغم بقاء العينين مفتوحتين وقادرتين على الرؤية، أو حدوث هلوسات عند النوم أو الاستيقاظ، أو سماع أصوات غير موجودة، أو الإصابة بضعف مفاجئ في عضلات الأطراف، خاصة عند الضحك أو الانفعال الشديد، يستوجب مراجعة الطبيب. ويمكن تشخيص الخدار من خلال اختبارات النوم والنعاس، التي تتيح الوصول إلى تشخيص دقيق، ومن ثم تقديم العلاج المناسب.
وتبدأ خطوات التشخيص بأخذ التاريخ المرضي للمريض، ثم متابعة عادات النوم لمدة تتراوح بين أسبوع وأسبوعين باستخدام مفكرة أو سجل للنوم، لمعرفة مواعيد النوم والاستيقاظ، ومدى انتظامها، وحساب كفاءة النوم بصورة دقيقة.
بعد ذلك يُجرى اختبار النوم الليلي داخل مختبر النوم، في بيئة تحاكي المنزل قدر الإمكان، حيث تُسجل عدة مؤشرات، منها: تخطيط كهربائية الدماغ، والتنفس، ومستويات الأكسجين في الدم، وغيرها من المؤشرات التي تساعد على الكشف عن اضطرابات النوم، بما فيها انقطاع النفس أثناء النوم، الذي كثيرًا ما يتزامن مع الشخير، وقد يكون أحد الأسباب الرئيسة للنعاس المفرط أثناء النهار.
ولضمان دقة النتائج، ينبغي أن يكون المريض قد نام في الليلة السابقة للفحص مدة لا تقل عن ست إلى سبع ساعات. ثم يُجرى خلال النهار اختبار كمون النوم المتعدد، حيث يُطلب من المريض أخذ خمس قيلولات، يفصل بين كل منها ساعتان، داخل مختبر النوم. ويُقاس الزمن الذي يستغرقه المريض حتى يدخل في النوم بعد إطفاء الأنوار؛ فإذا كان متوسط زمن الدخول في النوم أقل من ثماني دقائق، مع حدوث نوم حركة العين السريعة في قيلولتين على الأقل، عُدَّ ذلك مؤشرًا على نعاس غير طبيعي، مع احتمال الإصابة بالخدار. أما إذا كان زمن الدخول في النوم أقل من خمس دقائق، فتُعد الحالة شديدة.
وتتمثل الطريقة الأساسية للعلاج في السيطرة على الأعراض، حتى لا تصبح شديدة أو تؤثر في حياة المريض، وذلك باستخدام الأدوية المنشطة لزيادة اليقظة، على أن يكون استعمالها تحت إشراف طبي. ويشمل العلاج أيضًا تعديل نمط الحياة، من خلال تنظيم مواعيد النوم، وإدراج قيلولات قصيرة خلال النهار للتقليل من النعاس، والامتناع عن شرب الكحول والتدخين، وتجنب الأنشطة التي قد تشكل خطرًا عند ظهور الأعراض، مثل قيادة السيارات أو تشغيل الآلات. كما ينبغي مراقبة أي أعراض غير طبيعية تطرأ على الجسم، ومراجعة الطبيب عند حدوثها.
وتتمثل الأعراض الرئيسة للخدار في: النعاس المفرط أثناء النهار، وضعف أو ارتخاء العضلات، وتشتت الذهن، وتهيؤات اليقظة، وشلل النوم الجزئي أو الكلي لعضلات الهيكل العظمي في بداية النوم أو عند الاستيقاظ. وقد يحدث الخدار أحيانًا من دون ضعف عضلي، أو قد يكون مصحوبًا بواحد أو أكثر من هذه الأعراض. كما قد يعاني المريض من أعراض ثانوية، مثل الاكتئاب، ونقص الطاقة، وضعف الذاكرة.
ويقول الدكتور شاند: “لا يتوافر حتى الآن علاج شافٍ للخدار، إلا أن اتباع نمط حياة صحي، يتضمن الحصول على قسط كافٍ من النوم يتراوح بين سبع وثماني ساعات يوميًّا، والالتزام بمواعيد نوم منتظمة، وأخذ قيلولات قصيرة خلال النهار، يمكن أن يساعد في التخفيف من الأعراض، إلى جانب تجنب تغيير مواعيد العمل قدر الإمكان”.
وتجدر الإشارة إلى أن الخدار يصيب شخصًا واحدًا تقريبًا من كل ألفي شخص حول العالم، ويعاني نحو 70% من المرضى من الخمود العضلي (ضعف العضلات المفاجئ)، كما تتساوى معدلات الإصابة بين الرجال والنساء.
وتشير أغلب الدراسات إلى أن متوسط سن الإصابة بالخدار يتراوح بين العشرين والثلاثين عامًا، وأن احتمالية الإصابة الوراثية تبلغ نحو 25-31% لدى التوائم المتطابقة، بينما تتراوح بين 1 و2% لدى الأقارب من الدرجة الأولى.
المراجع:
1- Shift Work Disorder Symptoms | National Sleep Foundation.
2- Liira J، Verbeek JH، Costa G، Driscoll TR، Sallinen M، Isotalo LK، Ruotsalainen JH (2024). Pharmacological interventions for sleepiness and sleep disturbances caused by shift work. The Cochrane Database of Systematic Reviews.
3- Lee ML، Howard ME، Horrey WJ، Liang Y، Anderson C، Shreeve MS، O’Brien CS، Czeisler CA (2016). High risk of near-crash driving events following night-shift work. Proceedings of the National Academy of Sciences of the United States of America.


