حراء (104).. قراءة معاصرة للقرآن والكون والإنسان

حراء (104).. من الوحي إلى الوعي
تطلّ مجلة حراء في عددها الجديد (104) بإصدار فكري وإنساني عميق، يعزّز حضور القرآن في الوعي المعاصر، ويواصل فتح آفاق التأمل في الإنسان والطبيعة والأخلاق، عبر باقة من الدراسات والمقالات التي تمزج بين الفكر، والعلم، والأدب، والتربية.

ويفتتح العدد بالمقال الرئيس للأستاذ فتح الله كولن بعنوان «القرآن – 2»، يؤكد فيه أن العالم يتجه – بوعي أو دون وعي – نحو عصر القرآن، مشيرًا إلى أن هذا الكتاب الإلهي بات يُقرأ اليوم بوصفه مفتاحًا لفهم الكون والحياة والإنسان. ويبرز المقال كيف يجد أهل العلم والحكمة في القرآن تفسيرًا دقيقًا لأسرار الوجود، وتنظيمًا متكاملاً للحياة القلبية والروحية والفكرية، ودليلاً عمليًّا للتعامل مع النعم الإلهية وتحقيق التوازن بين الإنسان ومحيطه، في إطار من الرحمة والعدل والشفقة.

وفي باب العلوم، يقدّم الأستاذ خلف أحمد محمود أبو زيد مقالاً بعنوان «إبداعات فنية من عالم الطير والحيوان»، يكشف فيه عن البعد الجمالي والإبداعي في عالم الكائنات، مبيّنًا أن الفن ليس حكرًا على الإنسان، بل تتجلّى ملامحه في العمارة والزخرفة والهندسة لدى الطيور والحيوانات، في صور بديعة تعكس عظمة الخالق وقدرته في مخلوقاته.

أما في باب القضايا الفكرية، فيتناول الدكتور محمد السقا عيد موضوع «الفراسة بين العلم والخرافة»، متتبعًا مسار هذا العلم عبر التاريخ، وكيف اختلط بالخرافة والتنجيم حتى فقد مصداقيته، ثم عاد في العصر الحديث بقراءة علمية قائمة على الملاحظة والتجربة، بعد تنقيته من الأوهام والأساطير.

وفي السياق البيئي، يكتب الدكتور صابر علي عبد الحليم مقالاً بعنوان «دور الأخلاق في حماية البيئة»، يبرز فيه أهمية الربط بين المعرفة العلمية والضمير الأخلاقي، مؤكدًا أن غياب البعد القيمي في تعامل الإنسان مع الموارد الطبيعية يؤدي إلى الإخلال بالتوازن البيئي، وأن ضبط السلوك وفق المنهج الإلهي هو أساس الاستدامة وحماية الكون.

وفي باب الأدب، يطرح الأستاذ محمود مصطفى حلمي تساؤلاً وجوديًّا عميقًا في مقاله «هل الانتظار زمن ضائع؟»، حيث يعيد الاعتبار لحالة الانتظار بوصفها مساحة إنسانية خصبة لتشكّل المعنى، لا فراغًا زمنيًّا، في عالم تحكمه السرعة والاستعجال.

كما يتضمن العدد في باب العلوم مقالاً للدكتور أحمد محمد القزعل بعنوان «الرؤى المنامية»، يتناول فيه الأحلام من منظور نفسي معاصر، بوصفها تعبيرًا عن العقل اللاواعي، مع الإشارة إلى اختلاف تفسيرها باختلاف المرجعيات الثقافية والدينية.

وفي محور فكري تحليلي، يناقش الأستاذ الدكتور عبد العظيم أحمد عبد العظيم مفهوم «المدينة الفاضلة» من خلال كتاب النور الخالد، مسلطًا الضوء على النموذج النبوي في بناء المجتمع الإنساني، وكيف جسّد الصحابة مثال الإيمان الناضج الذي تجاوز تصورات الفلاسفة عن الكمال.

ويضم العدد مقالاً للدكتور مصطفى محمود حنفي بعنوان «الترتيب الداخلي للنفس وحاجتنا إليه»، يلفت فيه إلى أن غياب الانسجام الداخلي بين العقل والقلب والروح هو أحد أبرز أزمات الإنسان المعاصر، مؤكدًا أن الطمأنينة الحقيقية لا تتحقق إلا بفهم السنن الإلهية والتدرج في تزكية النفس.

بهذا الزخم المعرفي والتنوع الموضوعي، يواصل العدد (104) من مجلة حراء رسالته في الجمع بين نور القرآن، وعمق الفكر، واتساع العلم، في سبيل بناء إنسان متوازن ووعي رشيد.