إحياء الأرض الموات في الإسلام

مفهوم إحياء الأرض الموات

إحياء الموات: هو جعل الأرض الميتة التي لا مالك لها منتفعًا بها بوجه من وجوه الانتفاع، كالغرس أو الزرع. ودليل الإباحة ما ورد في صحيح البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه». فهذه دعوة إلى ملاك الأرض بزراعة ما يملكون من أراضٍ، وهذه الدعوة بعمومها تشمل الحاكم، على اعتبار ملكيته المجازية لأموال الدولة؛ فهو ناظر على أراضي الأمة ومطالب بتنميتها، وهذا تحفيز كبير للعمل في الأرض بزرعها وغرسها.

مشروعية إحياء الموات في السنة النبوية

والأصل في مشروعية إحياء الموات أحاديث نبوية شريفة، منها ما ورد في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ». قال الإمام الترمذي: “هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول أحمد وإسحاق؛ قالوا: له أن يُحيي الأرض بغير إذن السلطان، وقال بعضهم: ليس له أن يحييها إلا بإذن السلطان، والقول الأول أصح”، وقد قضى به عمر رضي الله عنه في خلافته.

الحكمة من تشريع إحياء الموات

وقد شرعت السنة النبوية الشريفة إحياء الموات لجملة من الحكم، منها السعي في الأرض وعمارة سائر أجزائها، وهذا الربط بين ذلّ الأرض وطلب الرزق مقصود؛ حتى يندفع الناس إلى استخراج الطيبات والخيرات ببث الحياة في داثر الأرض، وهذا المعنى يتحقق بامتثال التوجيه النبوي الشريف الوارد في سنن الترمذي: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَوَافِي مِنْهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ». وقد امتثل سلف هذه الأمة لهذه التوجيهات وغيرها، فراحوا يعمرون الأرض، فأول ما يحققه المسلم بإحيائه الأرض هو امتثال أمر ربه وطاعة نبيه ﷺ، ونيل الأجر والثواب عن هذا العمل.

الإقطاع ودوره في عمارة الأرض

وقد كان الرسول ﷺ يقطع الأرض الموات لمن يسأله ذلك، مهما كانت القطعة كبيرة، إذا رأى أنه قادر على عمارتها، وربما عمد إلى فعل ذلك دون مسألة من أحد؛ ليتألف قلوب أقوام، أو يثيبهم على ما قدموه للدولة الفتية من البذل والعطاء، والنتيجة في كل الأحوال هي حصول المنفعة العامة بإعمار الأرض الخربة. وحين نتتبع الآثار الواردة عن النبي ﷺ في هذا الباب، نلاحظ أن الإقطاع ليس دائمًا على صورة واحدة؛ فأحيانًا ينصرف إلى الأرض الموات، وأحيانًا إلى الأرض العامرة والمعادن، وربما انصرف إلى المرافق، ومن الطبيعي أن يختلف الحكم باختلاف نوع الإقطاع.

الحِمَى وأثره في إدارة الموارد

ويرتبط بمصطلح (إحياء الموات) مصطلح (الحِمَى)؛ والحِمَى هو منع الحاكم الناس من إحياء موات أو رعي حشائش؛ ليختص به غيرهم. فالحمى بهذا المعنى هو أن يحوز الإمام أرضًا مواتًا، ثم يمنع عموم الناس من إحيائها، وبذلك يتوفر فيها الكلأ، فترعاه أنعام مخصوصة وتُمنع غيرها، ويحدد الإمام هذا الحمى بمعالم تدل عليه، كإحاطته بجدار أو سياج.

لقد كان الحمى يوفر لخزينة الدولة أموالاً طائلة، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبين، حين يُعترض عليه في أمر الحمى، أن مصلحة الأمة هي التي تُلزمه ذلك. أخرج أبو عبيد في كتابه “الأموال”: «أتى أعرابي عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام، علام تحميها؟ قال: فأطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه، وكان إذا كربه أمر فتل شاربه ونفخ، فلما رأى الأعرابي ما به جعل يردد ذلك، فقال عمر: المال مال الله، والعباد عباد الله، والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبرًا في شبر».

كراء الأرض الزراعية

ويرتبط بمصطلح (إحياء الموات) كذلك مصطلح (الكراء)، وكراء الأرض الزراعية: أن يملك الرجل منفعة الأرض بما يبذله من مال عوضًا لصاحبها.

وقد وردت عدة نصوص تبين مشروعية هذا العقد، منها ما روي عن رافع بن خديج قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة»، وقال: «إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض فهو يزرعها، ورجل مُنح أرضًا فهو يزرع ما مُنح، ورجل استكرى أرضًا بذهب أو فضة». فالحديث نص صريح على أن الأرض إنما يزرعها أحد ثلاثة: إما صاحبها؛ لأنه يتصرف في ملكه، أو من وُهبت له لينتفع بها، أو من يملك منفعتها بعوض معلوم.

ويزيد أبو داود المسألة وضوحًا؛ حيث روى بسنده إلى حنظلة بن قيس الأنصاري قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس بها؛ إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ بما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع؛ فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا؛ فلذلك زُجر عنه، فأما بشيء مضمون معلوم فلا بأس به.

وروى مسلم في صحيحه عن الصحابي ثابت بن الضحاك أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: «لا بأس بها». فالحديث الشريف ينص على جواز المؤاجرة ولا يرى بها بأسًا، وهو نص عام يدل على مشروعية الكراء ما دام عوض المنفعة معلومًا لا غرر فيه.

وقد عقد عبد الرزاق الصنعاني بابًا لتأجير الأراضي، ذكر فيه عن ابن المسيب وسالم بن عبد الله وإبراهيم النخعي أنهم كانوا لا يرون بكراء الأرض بأسًا ويكرون أرضهم. وعن ابن عباس أنه كان يقول: «إن خير ما أنتم صانعون في الأرض البيضاء أن تكروا الأرض البيضاء بالذهب والفضة». وفي مصنف عبد الرزاق عن حماد بن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا: لا بأس بكراء الأرض البيضاء، وعن إبراهيم النخعي أنه استأجر أرضًا بيضاء إلى أجل معلوم بذهب. وسُئل ابن عمر عن كراء الأرض فقال: «أرضي وبعيري سواء».

ويقول أبو يوسف في كتاب “الخراج”: «أحسن ما سمعنا أن كراء الأرض جائز مستقيم، وهو عندي بمنزلة مال المضاربة؛ فقد يدفع الرجل إلى الرجل المال مضاربة بالنصف أو الثلث فيجوز مثل هذا، وهو مجهول، وليس فيه خلاف بين العلماء، فكذلك الأرض عندي بمنزلة المضاربة للأرض البيضاء ذات النخل والشجر سواء».

المراجع:

ابن حجر (أحمد بن علي أبو الفضل العسقلاني الشافعي.. {773ـ 852})، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي, محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.

أبو عبيد (القاسم بن سلام، ت224هـ)، الأموال، تحقيق: خليل هراس، دار الفكر، القاهرة، 1395هـ.

أبو يوسف (يعقوب بن إبراهيم، ت: 182هـ)، الخراج، تحقيق: د. محمد إبراهيم البنا، دار الاعتصام، القاهرة، 1981.

عبد الرزاق (أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني {126ـ211})، مصنف عبد الرزاق، المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1403هـ.

عبد العظيم أحمد عبد العظيم: الإسلام والبيئة، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، 1999.

عبد العظيم أحمد عبد العظيم: عمارة الأرض، مكتبة الإسراء، الإسكندرية، 2018.

الماوردي (علي بن محمد بن حبيب البصري، ت 450هـ/1058م)، “الأحكام السلطانية والولايات الدينية”، دار الكتب العلمية، بيروت، 1398هـ /1978م.