الغرس السِنِّي وإعادة التأهيل الفموي

أدّت محاولات الحفاظ على الأسنان الطبيعية إلى تطور الكثير من الطرق العلاجية المحافظة واللُّبّية وما حول السِّنية، وبقي الحفاظ على الأسنان الطبيعية الأسلوب المفضل في العمل، ونتج عن بعض أساليب المعالجة غير المناسبة إرهاق كبير في الحفاظ على الأسنان. واليوم نجد أن الاندماج العظمي أضحى طريقة مبشّرة لتعويض الأسنان، ولذلك فقد أصبح الحفاظ على الأسنان المشكوك بإنذارها غير ضروري كما في السابق، وهناك حالات تم فيها قلع أسنان ضعيفة مهددة بشكل انتقائي، وأحيانًا قلع أسنان سليمة، وذلك ضمن نظرة علاجية بديلة تعتمد على الاستعانة بالاندماج العظمي.

ويُعدّ الحفاظ على الأسنان الطبيعية مبدأً أساسيًّا في طب الأسنان، وفي سبيل ذلك يقوم الأطباء بقطع الذروة، وصنع الأوتاد والقلوب المعدنية، وإجراء الكثير من المعالجات اللُّبّية والترميمية وما حول السِّنية، وغيرها من الطرق التي طُوِّرت للحفاظ على الأسنان الطبيعية. واليوم نستطيع المحافظة على أسنان مشكوك بإنذارها “في البداية” لأعوام طويلة، لكن ينبغي قبل محاولة إنقاذ أي سن مشكوك الإنذار توضيح النقاط التالية:

1- هل تسيء المحافظة على السن إلى الأسنان المجاورة؟

2- هل يُعدّ هذا السن مهمًّا لإعادة تأهيل المريض؟

فمثلاً: يُعدّ الفك السفلي مهددًا من الناحية الترميمية أو حول السِّنية عندما تكون باقي أسنان الفك سليمة وغير متأثرة سلبًا بهذا السن، فينبغي إجراء كل ما يلزم للمحافظة عليه، حتى لو احتاج الأمر إلى جراحة حول سنيّة ومعالجة لُبّية بالإضافة إلى الترميم. لكن لو كان بهذا الفك سنٌّ أخير وكانت كافة الأسنان مفقودة، وكان قرار التعويض يقتضي إجراء تعويض جزئي متحرك، فيتم التفكير بقلع هذا السن وتمديد التعويض الجزئي سنًّا للأمام، وذلك لأن هذا السن لا يشكّل دعامة جيدة للتعويض الجزئي المتحرك، وسيفشل خلال وقت غير طويل، وسيضطر المريض لدفع تكاليف إضافية وهدر الكثير من الوقت للحصول على تعويض جديد.

ومحاولة إنقاذ هذا السن دون استعماله كدعامة للتعويض الجزئي المتحرك تهدف إلى المحافظة عليه لفترة طويلة، وتستدعي جراحة حول سنيّة وإجراءات ترميمية مختلفة، وهي أكثر تكلفة من قلع السن، ولن تغيّر من التعويض المتحرك الجزئي سواء في التصميم أو في الوظيفة. وهنا ينبغي أن يكون التفكير: هل نحافظ على هذا السن أم نقلعه؟ ويتعلق القرار هنا بالتكلفة، وبأسباب تدعم المحافظة على السن وأخرى تدعم قلعه.

التعويض المتحرك

إلا أن هناك خيارًا آخر في حالة الفك السفلي المهدد لُبّيًّا وترميميًّا وما حول سِنيّ مع فقد الأرجاء، وذلك دون اللجوء إلى التعويض المتحرك الجزئي، باستخدام الغرسات السنية المندمجة عظميًّا، بزرع غرستين مكان الرحى الأولى والثانية، مع إمكانية إنقاذ الفك بالمعالجات الضرورية لُبّيًّا وترميميًّا وما حول سِنيّ. ومع نجاح الغرسات المندمجة عظميًّا، والإنذار المشكوك فيه للفك السفلي الذي يحتاج إلى إطالة التاج والمعالجة اللُّبّية ووتد جذري وتاج، ينبغي إعادة النظر.

ويُطرح السؤال: هل من الذكاء المحافظة على هذا السن أم إضافته إلى الترميم المحمول على الغرسات؟ حيث إن فشل السن المرمم والمعالج بعد عدة سنوات، ثم تعويضه بغرسة سنية وتركيب جسر جديد من ثلاث قطع، كان يمكن تجنبه لو تم العمل منذ البداية بهذا التصور، مما يوفر على المريض الكثير من الوقت والمال.

هناك تصور جديد لتخطيط المعالجة ناتج عن نجاح الاندماج العظمي، يشكّل تحديًا لبعض المعتقدات الحالية القائلة بالحفاظ على الأسنان الطبيعية مهما كان الثمن، وفي بعض الحالات المتطرفة نعرض مثلاً حالات جرى فيها قلع أسنان طبيعية سليمة.

ولفهم هذا التصور، نقول إنه في حالات إعادة التأهيل الفموي التعويضي، فإن قلع السن لا يتعلق فقط بحالة السن نفسه، بل بنجاح كامل التعويض والتأهيل المنشود وديمومته (الوظيفية والجمالية والمادية) بالنسبة للمريض. ويؤثر التركيز على السن وحده أثناء تخطيط معالجة تأهيلية صناعية شاملة بشكل سلبي على النتيجة النهائية للعمل.

عندما يتم اختيار التعويض الثابت المحمول على الغرسات كأسلوب للمعالجة، يتم تقرير مصير الأسنان المتبقية، وقد وُجد في التجارب القديمة التي حافظت على سن أو أسنان طبيعية تحت التعويض الثابت المحمول على الغرسات أن هذه الأسنان تهدد التعويض، حيث إن دعم السن الطبيعي بالمقارنة مع دعم الغرسات المندمجة عظميًّا مشكوك فيه. وإذا كان بالإمكان وضع عدد مناسب من الغرسات لحمل التعويض الثابت وكأن الأسنان الطبيعية غير موجودة، أي إن وجود الأسنان لن يقلل من عدد الغرسات المزروعة، أو إن وجود الأسنان سيعيق وضع الغرسات في أماكنها المناسبة أو سيضطر إلى وضعها في أماكن لن تكون فيها ناجحة كما لو كانت في أماكنها المثالية.

الغرسات المندمجة

إن إنجاز التعويض على الغرسات والأسنان المتبقية قد يعيق التصميم المناسب أو يسيء إلى العناية الفموية، وقد يكون وجود الأسنان مرتبطًا فقط بالتشجيع النفسي للمريض، أو ضروريًّا لتعويض مؤقت فحسب. لذلك فإن المحافظة على هذه الأسنان المتبقية في حالة التعويض الثابت المرتكز على الغرسات تُعدّ مضاد استطباب، وبذلك يكون استطباب القلع – سواء كان السن سليمًا أم لا – مرتبطًا بالنتيجة النهائية للعمل، وليس بحالة السن نفسه.

ويبدو أن من أهم عوامل نجاح التعويضات المحمولة على الغرسات إمكانية توزيع الغرسات على كامل القوس الفكي، وكلما ازداد انحناء القوس ازدادت المسافة بين الغرسات الأمامية والخلفية. وتفيد هذه المسافة في توزيع الحمل بشكل ثلاثي، وتقليل تأثير العزم ضمن النظام المحمول على الغرسات. ومن المعروف أن الغرسات المندمجة عظميًّا وبنيتها الفوقية تتحمل الضغوط بشكل أفضل، وعندما تؤثر القوى الضاغطة العمودية والأفقية على الترميم المحمول على الغرسات، فإن هذه القوى تنتقل إلى النظام الداعم لها.

تتمثل الحالات التي تبرر القلع في الأسنان الأمامية العلوية في:
أولاً: سوء حالة السن (ترميميًّا أو لُبّيًّا أو حول سِني).
ثانيًا: سوء وضعه.

أما الحالة الأخيرة فقد تستدعي قلع سن سليم لصالح إعادة التأهيل الشامل، ولا ضرورة هنا للمحافظة على السن حتى لو كان سليمًا إذا كان يعيق الوصول إلى حل ترميمي مقبول.

إن النتيجة النهائية لإعادة التأهيل الفموي أهم من سن واحد، وقرار قلع سن لا يتعلق فقط بحالة هذا السن وصحته، بل بمدى ضرورته لإنجاح خطة التأهيل المطلوبة. ولا يختلف هذا عن قلع سن متبقٍ في الفك السفلي في سبيل إنجاز تعويض سني ثابت محمول على الغرسات للوصول إلى نتيجة تعويضية مثالية، كما لا يختلف عن قلع الأنياب اليافعة في سياق المعالجة التقويمية.

وفي حالة اتخاذ قرار قلع سن سليم لأسباب جمالية، فمن المهم إعداد طبعات تشخيصية لدراسة جميع البدائل؛ فعلى سبيل المثال، في حالة اختلاف الخط الأوسط بسبب أحد الأسنان يمكن تعديله بإجراءات تقويمية، وفي حالات التغيرات البسيطة يمكن إجراء التعديل بالإجراءات التعويضية. ويجب دائمًا البحث عن البدائل الممكنة وتطبيقها، أما القلع فيُتيح الوصول إلى دعم ثلاثي لا يمكن تحقيقه في وجود الأسنان المتبقية.

المريض شبه الأدرد

كانت الفكرة السائدة في الماضي هي منع حدوث مرض الدرد – وهو تسمية شعبية قديمة لخرافة اعتقدت أن ديدانًا صغيرة تسبب تسوس الأسنان، بينما الحقيقة العلمية أن التسوس سببه البكتيريا التي تنتج الأحماض وتؤدي إلى تآكل السن، وتظهر أعراض “الدودة” (الألم والتسوس) نتيجة لهذه البكتيريا والالتهابات، وليس لوجود ديدان حقيقية داخل السن – في أي من الفكين بأي وسيلة، خصوصًا في الفك السفلي حيث يعاني كثير من المرضى من استعمال الصفائح الجزئية الكاملة. وكان عدم الارتياح والضعف الوظيفي، بالإضافة إلى الامتصاص المتزايد للعظم السنخي، يهدد نجاح التعويض الكامل في الفك السفلي.

لذلك كان الحفاظ على سن أو سنين (غالبًا الأنياب السفلية) وسيلة لتحسين الجهاز السفلي في كثير من الجوانب، فالأسنان المتبقية السليمة والثابتة تفيد كدعائم للجهاز المتحرك، ويكون التعويض مريحًا وفعالاً وظيفيًّا، إلا أنه يجب ألا تتحمل هذه الأسنان إجهادًا كبيرًا.

أما عندما تكون الأنياب معرضة للخطر، خصوصًا بفعل الإصابات حول السنية، فإن هذه الدعامات يمكن أن تُستخدم في تثبيت الصفائح الكاملة المغطية بعد إجراء قطع تاجي وتحسين العلاقة بين التاج والجذر، مما يؤدي إلى تحسين ثبات واستقرار الجهاز السفلي وتقديم دعم إضافي. ومن أهم العوامل أن وجود هذه الدعامات الطبيعية تحت الجهاز الجزئي المتحرك أو المغطى يحافظ على العظم السنخي، وهو ما يمثل أهم ميزة للمحافظة على الأسنان المتبقية في الفك السفلي عندما يكون ذلك ممكنًا من الناحية المادية، رغم أن بعض الباحثين يعارضون هذا التوجه. وكانت الصفائح السفلية المغطية في الفك السفلي مناسبة دائمًا أكثر من الصفيحة الكاملة.

وفي الآونة الأخيرة، تم توثيق العديد من النجاحات للغرسات السنية المندمجة عظميًا لدى المرضى، وقد كشفت الدراسات التي استغرقت خمسة عشر عامًا حول معالجة مرضى الدرد بتعويضات ثابتة محمولة على الغرسات السنية أن نسبة النجاح بلغت 91% في الفك السفلي و81% في الفك العلوي، وهي نسبة تفوق ما كان مطلوبًا سابقًا (في مؤتمر هارفارد) والذي حدده بـ 75% بعد خمس سنوات.

وكان من اللافت للنظر الارتياح الجيد للمريض والأداء الوظيفي المتميز في التعويضات الثابتة المحمولة على الغرسات، مما لا يدع مجالاً للشك في أن المعالجة بالغرسات تُعد الحل الأكثر فعالية في حالة الفك السفلي الأدرد.

وعلى الطبيب أن يحدد مخططًا علاجيًّا يمثل الحل الأنسب الذي يقدمه طب الأسنان في حالات وجود عدد قليل من الأسنان المتبقية في الفك السفلي. ويُعد استخدام الأسنان المتبقية كدعامات لتعويض متحرك أو صفيحة مغطية خيارًا جيدًا مقارنة بالصفيحة الكاملة السفلية، إلا أن التعويض الثابت المحمول على الغرسات السنية يقدّم أعلى مستوى من الراحة والكفاءة الوظيفية على المدى الطويل.

مراجع:
Prathapachandran, Jayachandran؛ Suresh, Neethu. “Management of peri-implantitis”. Dental Research Journal (2022).
Lang, Niklaus P. (2025). Clinical Periodontology and Implant Dentistry. Wiley. www.efp.org
Fransson, Christer؛ Wennström, Jan؛ Berglundh, Tord (2025). “Clinical characteristics at implants with a history of progressive bone loss”. Clinical Oral Implants Research.
Schwarz, Frank؛ Derks, Jan؛ Monje, Alberto؛ Wang, Hom-Lay (2023). “Peri-implantitis”. Journal of Clinical Periodontology.