الزهايمر: لصّ الذاكرة ومشوِّه الملامح

لم تعد الأشياء كما ينبغي أن تكون. البيوت مأهولة بالأجساد، لكنها خاوية من الدفء، كأن الأرواح غادرتها وبقيت الجدران شاهدة على فراغ لا يُرى. الساعات تمضي ثقيلة، لا تترك أثرًا في الوعي، والوجوه تمرّ قريبة جدًّا، قريبة إلى حدّ الألم، لكنها بلا أسماء ولا روابط. الأصوات مألوفة، لكن معانيها تتبخر قبل أن تستقر في العقل، والأيام تتكرر كصفحات بيضاء، بلا بداية ولا نهاية. هناك خلل صامت في الداخل، شيء لا يُرى لكنه يعمل بإصرار لا يلين، كآلة قديمة لا تتوقف. الوعي يختلّ كما تختل الإشارة في جهاز مهترئ، فتتقطع الصور، وتشوه التفاصيل، ويصبح الزمن غريبًا لا رفيقًا. يذوب اليقين ببطء، وتتحول الحياة إلى مشهد ضبابي بلا تعريف، بلا ملامح… بلا ذاكرة.

من أنا؟
أنا المقيم في الفجوات بين الذكريات، في المساحات التي كانت يومًا عامرة بالوجوه والضحكات والحكايات. لست طارئًا ولا حادثًا عابرًا، بل حضور ثقيل يتسلل بصمت. أنا الزهايمر، سارق الذكريات ومبدل الشخصيات، الاسم الذي ترتجف له القلوب قبل أن تُدرك معناه. لا أحب أن يُنطق اسمي، لأن مجرد ذكره كفيل بزرع الخوف في النفوس. يصفونني بالمرض، لكنني لا أتصرف كغيري؛ فأنا لا أهاجم الجسد ولا أترك كدمات ظاهرة، بل أبدأ من العمق، من حيث تُصاغ الهوية ويُبنى المعنى. أدخل الذاكرة دون ضجيج، وأشرع في نزعها ورقةً ورقة، بلا استعجال. لا أقتل سريعًا، بل أُبقي الإنسان حيًّا وهو يشاهد نفسه تتفكك، عاجزًا عن الإمساك بما يتساقط منه. أزحف ببطء وببرود، حتى أُغطي كل شيء.

كيف أبدأ؟
أدخل خفيفًا، كخطأ بسيط لا يلفت الانتباه. اسم يُنسى على سبيل السهو، موعد يضيع وسط الزحام، كلمة تقف على طرف اللسان ولا تُقال. يضحكون، ويبررون الأمر بأنه نسيان طبيعي، علامة عابرة من علامات العمر. لا يعلمون أنني بدأت عملي بالفعل. لا أقتحم الذاكرة دفعة واحدة، بل أفرغها كما يُفرَّغ المكان من الهواء، ببطء لا يُلاحظ. أبدأ بالصغير والهامشي، ثم أتسلل إلى الأهم والأعمق. أشوّش التفاصيل، أربك التسلسل، وأزرع الشك في ما كان يقينًا، ثم أمدّ يدي إلى الوجوه، والروائح، والقصص التي شكّلت حياة كاملة. أنا لا أحب العنف ولا الضجيج، بل أفضّل الانهيار البطيء الذي لا يُقاوم.

ذاكرة من دخان
لا شيء يختفي فجأة حين أكون حاضرًا، فكل شيء يذوب تدريجيًّا. مفاتيح تضيع، وأماكن مألوفة تتحول إلى متاهات بلا إشارات، وأسماء تتبخر كما يتبخر البخار في الهواء. ثم أصل إلى العمق، إلى ما كان يُعرّف الإنسان بذاته: ضحكة الابن، صورة الحبيبة، رائحة القهوة في بيت الأم. لا أحرق الذكريات، بل أحولها إلى ضباب لا يُمسك ولا يُستعاد. حين أمرّ، تصبح الذاكرة بلا لون، وتتحول الحكايات إلى شظايا بلا بداية ولا نهاية. كل شيء يبدو مألوفًا وغريبًا في آن واحد. وحين أزور العقل لا أتركه كما كان، بل أتركه أخفّ، فارغًا، هشًّا.

كيف يشعر بي من أصيبه؟
في البدء، يقاومني من أصيبه. يشعر أن شيئًا ما ينكسر داخله، أن خللاً غامضًا بدأ يعبث بوعيه. يحاول التمسك بالأسماء، وبالماضي، وبنفسه كما عرفها. يراجع الأحداث، يكرر الأسئلة، ويختبر ذاكرته مرارًا. لكنني أسرع منه دائمًا. أسبقه بخطوة، وأجعله غريبًا في عالم كان يومًا بيته الآمن. ومع الوقت، يتعب. يتوقف عن المقاومة، ويجلس يراقب نفسه وهي تتلاشى قطعةً قطعة. يرى الفقد بعينيه ولا يستطيع منعه، وهذا أقسى ما أفعله: أن أجعله شاهدًا حيًّا على غيابه التدريجي.

ماذا عن من حوله؟
من حوله هم ضحاياي أيضًا، وربما أشد ألمًا. أن ينظر إليك من تحب ولا يعرفك، أن تناديه باسمك فيسألك ببرود: من أنت؟ هذا وجع لا يُحتمل. أنا لا أمحو شخصًا واحدًا فحسب، بل أفكك عائلة كاملة، وأقطع خيوط الذاكرة التي كانت تجمعهم. أحوّل الأحبة إلى غرباء، وأبني بينهم جدارًا كثيفًا من الضباب. يحاولون الوصول إليه فلا يستطيعون، ويزدادون وحدة وعجزًا. لا أحد يخرج سالمًا من وجودي، فالألم يتقاسمه الجميع.

هل عندي لحظات رحمة؟
أحيانًا، أترك ومضة. لحظة صفاء عابرة، اسم يُقال فجأة، أو وجه يُستعاد لثوانٍ قليلة. لحظات قصيرة لكنها كفيلة بإبكاء الجميع، لأنها تعيد الأمل قبل أن أسحبه من جديد. لا أطيل هذه اللحظات، بل أتركها تمر كغيمة سريعة، ثم أعود وأغلق الأبواب. رحمتي لا تدوم، وإن أعطيتُ، أعطيتُ قليلاً، كمن يلمّح ولا يهب.

هل لي نهاية؟
نعم، لي نهاية، لكنها ليست رحيمة. حين أفرغ الذاكرة تمامًا، وحين يصبح الإنسان بلا تعريف، بلا اسم، بلا زمن، بلا ملامح، ينتهي دوري. عندها لا يعود لي ما أفعله، فأترك الجسد يرحل، وقد رحل صاحبه من قبل مرات عديدة في داخله. أنا لا أُعجّل الموت، بل أمارسه على مراحل، وأجعل الرحيل عملية طويلة يشهدها الجميع.

كلمة أخيرة
أنا الزهايمر. آتي بلا إذن، وأرحل بعد أن أُفرغ كل شيء. قد تحاولون تأخيري، وقد تنجحون لبعض الوقت، لكنني صبور، والزمن حليفي. ومع ذلك، هناك قوة لا أستطيع محوها: رحمة الله. فالذاكرة قد تُمحى، لكن الروح لا تُصاب بالخرف، وما أفسده في الوعي يبقى محفوظًا في علم الله، لا يضيع ولا يُنسى. صحيح قد أطفئ الذكريات، لكنني لا أطفئ الأمل، وفي عتمتي يبقى نور خافت، يكفي ليُبقي الإنسان إنسانًا.

نصيحتي لكم:
لا تتركوا من ابتليتهم وحدهم، ولا تجعلوا النسيان يسرق إنسانيتكم معهم. اصبروا، وكونوا لهم ذاكرة بديلة، وأمانًا ثابتًا، فكل لحظة تقضونها معهم حياة كاملة تُمنح من جديد. وإن نسوكم، فمحبتكم لا تُنسى، لأنها وحدها ما يبقى حين يضيع كل شيء.