أوضحت تقديرات منظمة الأمم المتحدة في عام 2021، أن نسبة 71% من سكان العالم الذين تتراوح أعمارهم بين 15-24 يستخدمون الإنترنت، مقارنة بـ57% من جميع الفئات العمرية الأخرى. وتوضح تقارير منظمة اليونيسف أن في بعض البلدان يكون معدل استخدام الإنترنت بين الأطفال دون 15سنة، مماثلاً للمعدل عند البالغين فوق 25 سنة. وهذه الإحصاءات تظهر مدى توافر وانتشار الهواتف الذكية في أيدي الأطفال، والتي كرست كما يشير التقرير “ثقافةَ غرفة النوم”، حيث صار الوصول للإنترنت بالنسبة لكثير من الأطفال أمرًا أسهل وفرديًّا بصورة أكبر عن الماضي، وصاروا أقلّ خضوعًا للإشراف من قبل الكبار. لقد صار الأطفال يمثلون نسبة ثلث مستخدمي الإنترنت في العالم، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم مع الوقت، خصوصًا أن جائحة كوفيد-19 أدت أيضًا إلى إقبال مزيد من الأطفال على شبكة الإنترنت لاستكمال تعليمهم، بعد أن تم فرض قيود على فصول المدارس، وبدأ الأطفال في التعلم عبر الإنترنت، وهو الأمر الذي زاد من خطر التعرض للمحتوى الضار والعناصر التي تشكل تهديدًا.

وفي دراسة أجراها مركز بيو الأمريكي (PEW) في عام 2020 على عينة مكونة من 3640 من الآباء بالولايات المتحدة الأمريكية، أكدت نسبة 66% من هؤلاء الآباء أن تربية الأبناء قد صارت أكثر صعوبة مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والمخاطر التي يتعرض لها الأبناء، واحتياجهم إلى اللجوء إلى الطبيب النفسي لتدارك الآثار النفسية لاستخدام الأطفال للتكنولوجيا بوجه عام، وأن ما نسبته 71% من الآباء قد أقروا بقلقهم الشديد من قضاء أطفالهم ممن في أعمار أقل من 12 سنة لأوقات كبيرة أمام شاشات الإنترنت.

وتسمح معظم مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة، مثل الفيسبوك، ويوتيوب، وتويتر، بالاشتراك في حساباتها المختلفة بداية من عمر 13 عامًا، وذلك في ظل إدراك هذه المواقع للمخاطر التي يتعرض لها الأطفال في هذه السن الصغيرة من استخدامهم مواقع التواصل الاجتماعي.

وتوصلت دراسة بريطانية أجريت عام 2018، إلى أن كثيرًا من الأطفال -وأحيانًا أسرهم- يلجأون للكذب والتحايل على الحد الأدنى للسن الرسمية للتسجيل في مواقع التواصل الاجتماعي خصوصًا موقع الفيسبوك. وأن أكثر من نصف الأطفال، قد استخدموا شبكة اجتماعية على الإنترنت قبل سن العاشرة.

وقد أسهمت الهواتف الذكية في سهولة تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وإتاحتها للكثيرين حتى وصلت إلى درجة الإدمان والانغماس، وشكلت حالات من الاكتئاب والانعزالية لدى الأطفال، والإيذاء النفسي والجسدي، وخلق فجوة بين العالم الحقيقي الذي يعيشه الطفل والعالم الافتراضي. وقد تحدث المشكلات نتيجة بعض الحسابات الوهمية في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ينتحل صاحبها شخصية أخرى ويغرر بالآخرين. وفي الجزء الآتي سياسات الحماية التي تتبعها أشهر مواقع التواصل الاجتماعي.

موقع يوتيوب

يحدد موقع يوتيوب سياسته إزاء تعريض الأطفال للخطر، حيث لا تبدي سياسة موقع يوتيوب أي مرونة عندما تتعلق المخالفة بمحتوى جنسي يتضمن قاصرين، مما سيؤدي فورًا إلى تعليق الحساب، وفى حال احتواء مقطع الفيديو على مشاهد جنسية تضم أطفالاً، فإن فريق الموقع يقوم بإبلاغ المركز الوطني للأطفال المفقودين والمستغلين، الذي يتعاون بدوره مع الهيئات العالمية المعنية بإنفاذ القوانين.

كما يتيح الموقع خاصية الإبلاغ عن أي نشاط يعرِّض الأطفال للخطر، عن طريق الإشارة إلى الفيديو بأنه يعرض محتوى جنسيًّا غير ملائم يضم أطفالاً قاصرين، أو رفع تقرير للموقع حول إساءة الاستخدام، وفى حال تبين وجود طفل يتعرض للخطر فإن الموقع يساعد على إعداد التحريات عن المحتوى المشبوه وتنفيذ القانون عندما تقتضي الحاجة.

لكن الموقع يشير صراحة، إلى أنه قد يسمح بعرض مقطع فيديو يحتوي على مشاهد عُري أو محتويات جنسية إذا كان هدفه الأساسي وثائقي أو تعليمي أو فني أو علمي، وإذا كان هناك مبرر لمحتواه المصور، حيث يمكن أن يكون نشر فيلم وثائقي عن مرض سرطان الثدي لائقًا، ولكن من غير اللائق نشر مقاطع خارج السياق من الفيلم الوثائقي نفسه.

موقع الفيسبوك

يتيح الموقع الإبلاغ عن استخدام طفل دون السن القانونية، ويشير الموقع إلى أنه إذا لم يتم إثبات أن عمر الطفل الذي تم الإبلاغ عنه دون سن الثالثة عشر، فسيتعذر على الموقع اتخاذ إجراء بشأن هذا الحساب. ويحدد الموقع شروط حماية الخصوصية ومنها عدم الإساءة إلى شخص أو ترهيبه أو مضايقته، وعدم نشر أي محتوى يتضمن أسلوبًا عدوانيًّا أو مهددًا أو إباحيًّا، أو يحرض على العنف أو يتضمن عريًّا أو ينطوي على صور عنف غير مبرر، حيث يقوم الموقع بإزالة أي محتوى يهدد أو يحث على الاستغلال أو العنف الجنسي للقصر.

وقد أطلق الفيسبوك في نهاية عام 2016 بوابة جديدة تحمل اسم “بوابة الآباء”، تهدف إلى مساعدة الأسر على حماية أطفالهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتم تزويدها بعدد من الفيديوهات والنصائح لإرشاد الآباء والأمهات حول طرق المحافظة على سلامة أطفالهم على شبكة الإنترنت، ونصائح الخبراء بأكثر من 55 لغة. وتتنوع النصائح لتشمل قواعد الأمان والسلامة، والأوقات المناسبة لاستخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي، ومركز منع المضايقات يضم النصائح والإرشادات، لتجنب المضايقات التي يتعرض لها المراهقون والآباء وطرق التعامل معها وحلها.

لكن المستخدم للفيسبوك وغيره، يجد أن الكثير من المستخدمين لا يدركون معايير الإبلاغ عن هذه الانتهاكات أو سياسات حماية الأطفال. والممارسة الفعلية تكشف عن عدم تطبيق هذه المعايير بصرامة من جانب إدارة الموقع، الذي بات يستخدمه أكثر من ملياري شخص حول العالم، مما يجعل من الصعوبة خضوعها للمراقبة الدقيقة، وحذف المخالفات التي يرتكبها المستخدمون بالسرعة اللازمة، ويبقى الحل لدى الأسر، بمبادرة الإبلاغ عن وجود انتهاكات وترشيد استخدام أطفالهم لمواقع التواصل الاجتماعي.

وقد اختلفت نتائج الدراسات حول استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيراتها على الأطفال، فهناك دراسات تشير إلى فائدة مواقع التواصل الاجتماعي في تنمية القدرة على البحث والاستكشاف لدى الأطفال، ومتابعة تكنولوجيا العصر والتكيف معها، وقضاء وقت الفراغ، وإشباع الهوايات، وسهولة التواصل مع الأصدقاء، والتفاعل مع الآخرين ذوي الاهتمامات المشتركة، وتحسين التحصيل الدراسي، وتنمية روح الإبداع والتطوع، كما صارت مواقع التواصل الاجتماعي، وسيلة تعلم وترفيه، وأهم مصدر للحصول على الأخبار حول العالم.

أما الآثار السلبية فتوزع إلى عدة مخاطر، أبرزها التعلق بشخصيات ونجوم وأحداث وألعاب وهمية لا تمت للواقع بأي صلة، إلى جانب التعرض لمخاطر السمنة، واضطراب النوم، والتعرض للمضايقات مثل التنمر، والرسائل الجنسية العنيفة، والملاحقة السيبرية (أي المضايقة عبر الإنترنت) من أشخاص غرباء، بما يثير القلق العميق من آثارها على الأطفال. وقد يطلع قراصنة الإنترنت على أدق الأسرار الشخصية للأسر والطفل.

إن زيادة معدلات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لدى بعض الأطفال، أثرت سلبًا على محيطهم التفاعلي الأسري، وعلاقتهم وجهًا لوجه داخل المنزل، وتحصيلهم الأكاديمي، بل صارت التفاعلات عبر الفيسبوك بديلاً للتفاعل الاجتماعي المباشر وجهًا لوجه، مما قد يؤدي إليه في النهاية إلى مشكلات اجتماعية ونفسية على الفرد.

وقد أظهرت إحدى الدراسات أن تسعة من كل عشرة أطفال، ينشرون صورهم بأنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي، أو يستخدمون أسماءهم الحقيقية في ملفاتهم الشخصية، كما أن ثمانية من كل عشرة أطفال يكشفون عن هوياتهم الشخصية؛ سواء تاريخ الميلاد أو اسم المدرسة أو البلدة التي يعيشون فيها، مما يجعل هؤلاء الأطفال هدفًا سهلاً للمتطفلين وقراصنة الإنترنت.

تعامُل الأسرة مع مواقع التواصل الاجتماعي

لقد صارت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من عصرنا الحالي ومتغيراته، ولا يمكن منعها أو حجبها، ولكن ينبغي على الأسرة تنشئة أطفالها على مجموعة من الضوابط والقواعد لحمايتهم من أخطارها، وفي نفس الوقت الاستفادة من المزايا التي تتيحها تلك المواقع. فلم يعد بإمكان الآباء حماية أطفالهم بمجرد الحد من دخولهم على الإنترنت، بل يحتاج الآباء إلى الحفاظ على حوار مفتوح، وتشجيع الأطفال على تبادل الخبرات الجديدة والسيئة عبر شبكة الإنترنت، والتحدث بصراحة وبشكل مباشر عن المخاطر التي قد يواجهونها عبر الإنترنت دون خداعهم، والتفاعل مع الأطفال بدلاً من محاولة السيطرة عليهم ووضع القيود والعراقيل التي لن تجدي، والتأكد من مراعاة الالتزام بمعايير الأمان المطبقة بمواقع التواصل الاجتماعي، التي تتيح للكبار اختيار خاصية المحتوى المقيد حسب العمر لمنع تعرض الأطفال لأي محتوى جنسي أو عنيف لا يتوافق مع أعمارهم.

كما أن هناك حاجة إلى توعية الطفل بأدوات حماية الخصوصية، وكيفية الحفاظ على بياناته الشخصية وأسراره التكنولوجية، وعدم الإفصاح عنها على العموم سواء ما يتعلق منها بالصور أو المعلومات التي تخصه أو ترتبط بأسرته وأصدقائه.

فالحوار البناء مع الأطفال حول المحتوى الذي يشاهدونه ويتابعونه، سيصير ضرورة حتمية لكل أسرة، كذلك التوافق حول توقيت استخدام الطفل لمواقع التواصل الاجتماعي ومدته بما لا يؤثر على تفاعله الواقعي مع أسرته وأصدقائه في العالم الحقيقي بدلاً من العالم الافتراضي.

ويبقى الأساس، هو الحرية والثقة المتبادلة بين الأسرة والطفل، ومشاركة أولياء الأمور لأطفالهم، خلال عملية تصفح واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي وشرح الأخطار والتوعية بها.