مع قلة فرص العمل المتاحة في الوطن العربي وارتفاع تكاليف المعيشة فيه يلجأ الكثيرون من خريجي الجامعات العربية إلى الهجرة لدول الغرب، وسرعان ما ينبهر هذا الطائر المهاجر بالجو العام الغربي القائم على تيسير سبل المعيشة وتحقيق مستوى عالٍ من راحة الإنسان ورفاهيته. وهذا -بلا شك- انبهار له مبرراته؛ فالمجتمع الغربي قد نجح بالفعل في التفاعل مع معطيات العلم وتطبيقاته، وانعكس ذلك على الصورة العامة للغرب بما يوحي بأنه يعيش حضارة لا مثيل لها في الشرق. لكن مما ليس له مبرر أن يتجرد العربي المهاجر من هويته ويتمرد على أهله ووطنه ظنًا منه أن التأخر الشرقي حصيلة ثقافة الشرق ومنهجه وتراثه، وأن التقدم الغربي حصيلة ثقافة الغرب ومنهجه وملته.. وهذا خطأ فادح. 

ميراث قديم متجدد

وقد فات هذا الطائر المسكين أن يدرك أن العلم ذو طبيعة تراكمية، وأن ما تعيشه دول أوروبا وأمريكا اليوم من تقدم علمي ما هو إلا حصيلة طبيعية للعلوم والخبرات التي نشأت وتراكمت عبر التاريخ، وليست وليدة اللحظة ولا حصاد قرن أو قرنين من الزمان. فهو ميراث تسلمته البشرية عن أسلافها ولا تلبث أن تسلمه إلى أبناءها، اللهم إلا ما نشأ من علوم متأخرة كالنانوتكنولوجي والجينوم والتكنولوجيا الرقمية فيعود الفضل فيها إلى الغرب المعاصر ومن شاركهم في إنجازها من خارج المجتمع الغربي، وكل هذه العلوم الحديثة لا يتجاوز عددها أصابع اليدين على أقصى تقدير. أما ما سواها فهو ميراث البشرية جمعاء وليس بغربي الموطن ولا الهوية.

أضف إلى ذلك أن الابتكارات الحديثة والإنجازات العلمية المتأخرة تقوم بها فرق علمية متعددة التخصصات والجنسيات، وليست قاصرة على جنسية بعينها، حتى وإن حمل الإنجاز في النهاية اسم البلد التي تم على أرضها أو بإحدى جامعاتها. وأبرز مثال على ذلك أن الجامعات الأمريكية ومراكزها البحثية يقوم بالعمل فيها قطاع كبير من دول جنوب شرق آسيا، مثلها في ذلك مثل العديد من دول أوروبا التي اندمجت مع العولمة وتخطى فيها العلم حدود الجغرافيا والتاريخ. وجدير بالذكر أن كثيرًا من العرب يشغلون مراكز علمية مرموقة في جامعات ومؤسسات غربية، وحتى وكالة ناسا الفضائية تعتمد في طواقمها على علماء عرب من مصر والمغرب ولبنان وفلسطين.[1]  

بيئة علمية خصبة

ومما سهل على الغرب الإمساك بزمام التقدم العلمي المعاصر وقيادة قاطرة التكنولوجيا الحديثة أنهم قد هيأوا البيئة الخصبة لنمو العلوم وجذب العلماء من مختلف الأقطار، وتنمية مهارات طواقمهم في العمل المشترك الذي تغذيه روح الفريق ويقوم على التعددية وقبول الآخر. فضلاً عن تهيأة الجو العام للاستثمار العلمي وتوفير الإمكانات المالية والتكنولوجية اللازمة لدفع عجلة العلم وتمويل المشروعات العلمية الناجحة. وبذلك يمكن القول بأن نجاح الغرب في استقطاب العلم والتحكم في بوصلته لا يعدو أن يكون نجاحًا إداريًّا أكثر من كونه نجاحًا حضاريًّا. 

حضارة تضرب في أعماق التاريخ

وإذا كنا قد خرجنا بمفهوم الحضارة الغربية المعاصرة من حيزه الجغرافي الغربي الخاطيء ورددناه إلى أصله المتعدد الجنسيات، فإن علينا من باب أولى أن نخرجه من حيزه التاريخي الضيق أيضًا ونرده إلى عصره الحقيقي. فتكنولوجيا اليوم ما هي إلا حصيلة جهود بشرية متواصلة عبر قرون وألفيات من الزمان.

فعلى سبيل المثال؛ لولا هندسة اليونان التي ازدهرت منذ 25 قرنًا من الزمان – على أيدي فيثاغورث (570-495 ق.م) وإقليدس (المولود سنة 300 ق.م) والقدماء المصريين وغيرهم – لما استطاعت ناطحات السحاب أن تزدهر حتى نراها تطل علينا في سماء اليوم، ولولا معادلات الجبر واللوغاريتمات التي وضع أساسها الخوارزمي (781- 847 م) لما ازدهرت التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، ولولا خيوط الجراحة التي ابتكرها أبو بكر الرازي (864- 923 م) وبرع فيها من بعده الزهراوي (936- 1013 م) الذي استخلصها من أحشاء الحيوانات لما ازدهرت جراحات اليوم الدقيقة. ولولا ابن البيطار (1197- 1248 م) وابن التلميذ (1073- 1165 م) مؤلف كتاب “الأقربازين الكبير” لما تقدم علم الأدوية والصيدلانيات، ولولا إبداعات أبو الكيمياء جابر بن حيان (721- 815 م) لما ازدهرت الصناعات الكيميائية التي ألقت بظلالها على معظم صناعات اليوم. وقِس على ذلك العديد من العلوم والمجالات التي يعود الفضل فيها لعلماء عرب وأعاجم أثرَوا الحياة وأثَّرُوا فيها.[2] 

ورغم أن أيادي التحريف والتزييف قد طالت تاريخنا القديم والحديث -على أيدي بعض المستشرقين- إلا أنه لم يفُتْ بعض كتاب الغرب وجامعاتها أن ينسبوا الفضل لأهله، ولا نزال نرى صورًا وتماثيل لرواد العلوم من العرب والمسلمين منصوبة في أروقة كبرى الجامعات الغربية، كما أن أرفف المكتبات الغربية لا تكاد تخلو من مخطوطات عربية وإسلامية، حتى قيل إن مكتبة الكونجرس وحدها تحوي ما يزيد على 3000 مخطوطة عربية وإسلامية.

وما يلبث الغرب حين يعلم بوجود مراجع رائدة في العلوم -يعود تاريخها إلى العصر العباسي أو الأندلسي- حتى تتلقفها أيادي المترجمين، وتقوم بترجمتها إلى مختلف اللغات العالمية، من أشهر تلك الروائع كتاب “القانون في الطب” لابن سينا، و”الحاوي” في الطب لأبي بكر الرازي، و”كتاب المناظر” في علم البصريات للحسن بن الهيثم، و”الجبر والمقابلة” في الرياضيات للخوارزمي، و”نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” في الجغرافيا للإدريسي، و”مقدمة ابن خلدون” في علم الإجتماع لابن خلدون، وغيرها. 

منهج تم استيراده من الشرق

وقد يتفاجأ الطير العربي المهاجر -والمفتون بحضارة الغرب- حين يعلم أن المنهج العلمي التجريبي الحديث الذي تسير عليه حركة العلم والبحث العلمي اليوم يعود في جذوره إلى جامعات الأندلس في العصور الوسطى. فالمنهج التجريبي الذي يعد أيقونة التقدم المعاصر يُنسَب إلى العالم الإنجليزي “فرانسيس بيكون” (1561- 1626 م)، وهذا العالم الإنجليزي اعترف -في صراحة لا لَبس فيها- بأنه مَدِين في منهجه للعرب والحضارة العربية!، حيث يقول “روبرت بريفولت” في كتابه “بناء الإنسانية” ما ملخصه: (إن “روجر بيكون” درس اللغة العربية والعلوم العربية في مدرسة أكسفورد على خلفاء معلميه العرب في الأندلس، وهو لم يمَل قط من التصريح بأن تعلُم معاصريه للغة العربية وعلوم العرب هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة)، ويستأنف “بريفولت” كلامه فيقول: (لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج، إن العبقرية التي ولَّدَتها ثقافة العرب في إسبانيا لم تنهض وتبلغ أشُدَّها إلا بعد مضي وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام). [3]

حضارة منقوصة

وبعدُ، فإن من الأحرَى بهذا الطير العربي المغترب أن يقوم بدوره ويدلي بدَلوه ويكون لبنة قوية في صرح حضارة عربية جديدة، حضارة لا تقل عن مثيلتها الغربية، بل تتخطى كبوات الغرب وعثراته. فحضارة الغرب اليوم ليست ثوبًا ناصع البياض؛ فهي حضارة لم يسلم الإنسان من أذاها، إذ يسودها عنصرية وتمييز لبعض الفئات، وتحيز للأغنياء وتهميش للفقراء والمعوزين، فمن لا يملك قوت يومه في عالم الغرب ينقرض ولا يلتفت إليه أحد. وحضارة الغرب وزنت الإنسان بميزان المال، وحولته إلى رقم أو سلعة تقدر بالثمن، وانحدرت بالمرأة إلى أسفل قاع حين جعلتها كلأً مباحًا لكل شارد ومارد يملك المال ولا يتحمل تبعات بناء أسرة قويمة يقوَى بها المجتمع، وتلك كلها وصمات عار في جبين الإنسانية.

ولم تكتفِ الحضارة الغربية بذلك، بل قدمت الآلة على الإنسان صانعها، ولم تشغل بالها بما يسد ثغرة البطالة الي تسببت فيها الآلة. وحتى الحيوان والبيئة تتضور جميعًا خوفًا من مستقبل ضبابي مهدد بالاحتباس الحراري وذوبان الجليد وانتشار الفيضانات وهلاك الحرث والنسل.

فحريّ بهذا السرب المغترب ألا ينسلخ من هويته وتراثه، بل يكون سفيرًا مشرّفًا لوطنه وثقافته ودينه، وأن يتعامل مع الحضارة الحديثة تعامل الناقد البصير، يعرف معروفها وينكر منكرها، يستحسن أجود ما يَرى ويحمله إلى وطنه ويطوره ويضيف إليه، وينأى عن سلبيات تلك الحضارة ويُقوّمها، ويضع في خاطره ونُصبَ عينيه أن يومًا ما ستكون للعرب والمسلمين رفعة وعزة وتقدم وتحضر. فالغرب في أّمسِّ الحاجة للعرب أن يشاركوا في صناعة المستقبل، فللعرب هِمَم عالية ومبادئ سامية وأخلاق قويمة وأبعاد إنسانية عظيمة وعزيمة لا تلين، إذا ما اقترن كل ذلك بتحضر وإتقان وتعاون وثقة في الله وتوكُّل عليه، فإن إدلاء العرب والمسلمين بدلوهم في السباق الحضاري سيكون بمثابة طوق نجاة للعالم أجمع، وبصمة خير ينتفع بها الجميع، ويحلق بها طائر العلم في سماء المستقبل بجناحين لا بجناح واحد كسيح.      


[1] مقال على الشبكة العنكبوتية بعنوان “عرب مؤثرون في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا” (بتصرف) – بقلم سليم ناصر – بتاريخ أبريل 2019 – مجلة رصيف 22 https://raseef22.net/article/1072751

[2] تواريخ الميلاد والوفاة مكتوبة طبقا لما ورد بموسوعة ويكيبديا على الإنترنت.

[3] كتاب “موقف الإسلام من الفن والعلم والفلسفة” – للدكتور عبد الحليم محمود – دار الرشد – ط2 – ص 129- 130 (بتصرف)