في بداية القرن العشرين كان الإيمان بوجود إله خالق للكون يبدو كأنه خرافة مضادة للعلم والعقل في الغرب، على الرغم من أنه كانت هناك دائمًا أسباب للإيمان بالله، مثل جمال الكون أو عظمته أو نظامه. ومع توالي الكشوفات، انعكست الآية، فالاكتشافات تنتهي بشيء واحد: إن الكون له خالق. والإيمان بوجود الله أصبح يلقى قبولاً.

المؤلف أوليفيه بوناسيي خريج الكلية المتعددة الاختصاصات بباريز، كان ملحدًا في شبابه، لكن بفضل النضج الفكري، والبحث، اقتنع بوجود خالق للكون، وأن الإيمان بذلك ليس من باب التفكير الخرافي، ولا يتعارض مع العقلانية.

وفي عام 2013، اقترح مدرس فلسفة على ابنة بوناسيي أن تقدم عرضًا تشرح فيه البراهين التي جعلتها تؤمن بوجود خالق للكون، فأعد بوناسيي عرضًا في الموضوع، قدمه في المدرسة التي تدرس فيها ابنته، ونشر العرض في شبكة اليوتيوب، فلقي إقبالًا كبيرًا من المشاهدين. وكان أحدهم مهندس المعلوميات والدكتور في مجال العلوم وإدارة شؤون الأعمال ميشال إيف بولوري الذي عرض على بوناسيي أن يؤلفا كتابًا يجيب فيه بإسهاب عن الأسئلة التي طرحها في الشريط. وعلى مدى ثلاث سنوات، وبمشاركة عدة علماء، تم تجميع مادة الكتاب، بتعاون محكم بين المؤلفين بوناسيي وبولوري.

الكتاب يقع في 550 صفحةـ مقسم إلى قسمين، يتناول القسم الأوّل البراهين العلمية المرتبطة بالاكتشافات والبحث العلمي، يستعرض النظريات العلمية في الفيزياء والبيولوجيا التي تؤيد فكرة وجود إله خالق للكون، في حين يعالج القسم الثاني البراهين غير العلمية المستخرجة من الحقول التاريخية والدينية والثقافية الأخرى.

يقول المؤلفان إنها جمعا جملة من المعلومات والحقائق التي يعرفها أهل الاختصاص، وألفا بها الكتاب، الذي أراداه أن يكون مختصرًا، سهلاً، ميسرًا لعموم القراء غير المتخصصين. وأضافا للكتاب عددًا من الملاحق المهمة التي تمكن القارئ من تعميق معرفته العلمية.

المنعطف العلميّ في القرن العشرين

استهل المؤلفان كتابهما، بجرد للفتوحات العلمية في القرن التاسع عشر، هذه الاكتشافات الجديدة المبهرة وكان وقعها قويًّا على الفكر الحديث، فتوهم الناس بأنه يمكن تفسير العالم من دون اللجوء إلى فكرة وجود إله خالق للكون. هذا الرأي الذي كان يدعمه عدد من العلماء من أمثال كوبرنيك وغاليليو ولابلاس وداروين ولامارك وفويرباخ وفرويد ونيتشه، الذين رفضوا مبدأ الوجود الإلهيّ الماورائيّ المِتافيزيائيّ. فانتصرت الفلسفة المادية في الغرب، واستفحلت وضيقت على الفكر الإيماني واستخفت به، ووصفته بأنه لاعقلاني.

أمّا في القرن العشرين، فجرى تحوّلٌ هام في مسار العلوم بعد التأكد من توسع الكون، وفقده التدريجي لحرارته، وبعد إثبات ميلاد الكون بواقعة الانفجار العظيم.

فالكشوفات العلمية التي كان يتسلح بها الملحدون لإثبات رأيهم، أصبحت تدعم فكر المؤمنين بوجود الخالق. فنظرية النسبية، ونظرية الانفجار العظيم، وعلوم الميكانيكا الحرارية، والفلك الكوني، والميكانيك الكمي والموجي، والبيولوجيا، واكتشاف الجينوم الوراثي للإنسان. وغير ذلك من الفتوحات العلمية، قربت الإنسان من الإيمان وتشكل براهين على وجود خالق عظيم للكون، وتنسف اليقينيات المادية الإلحادية.

إشكاليّة مقولة البرهان العلميّ

في مدخل الكتاب، حدد المؤلفان المراد بالمفاهيم التي استعملوها، فتطرقا إلى تعريف البرهان، والبرهان العلمي، في المجال التطبيقي، وفي المجال النظري المنطقي ليخلصا إلى إبراز الفرق بين البرهان العلمي والحجة المنطقية، ثم تطرقا إلى شرح المراد من البرهان غير العلمي.

ثم واصلا الحديث باستعراض الفكرين المتناقضين اللذين يشكلان مادة الكتاب، وهما الفكر الإيماني القائل بوجود إله خالق للكون، والفكر المادي الإلحادي الذي ينكر وجود الإله. فاستعرضا مضامين الفكر المادي الذي يؤسس اعتقاده على الزعم أن الكون أزلي بلا بداية ولا نهاية، وأن الصدفة والعشوائية هما المتحكمتان فيه، ولا وجود للوحي ولا للنبوة، ولا للملائكة أو الشياطين، وكل مكونات العالم الروحي هي خرافة، وما يعتقده الناس معجزة إلهية، هي مجرد صدفة. أما الفكر الإيماني فهو يتأسس على الاعتقاد بوجود غاية من خلق الكون والحياة بقواعد منظمة وقوانين مضبوطة ودقيقة، وأن للكون نهاية حتمية، وبداية أيضًا، ويتعقد بوجود النبوات والوحي والمعجزات.

يوضح المؤلفان أنه لا يمكن الادعاء بوجود برهان علمي قاطع على وجود الله، إنما هناك مجموعة من البراهين المبثوثة في الحقول العلمية المختلفة، من شأنها أن تدعم فكرة وجود الأصل الإلهي الخالق للكون.

البراهين العلمية

كان لإنشتاين فضل كبير على تطور علوم الفيزياء، فنظرية النسبية العامة كان لها أثر واضح في عدة نظريات حول نشوء الكون، وإنشتاين نفسه، كان يرى أن الكون ساكن لا يتغير، ولا مبدأ له ولا نهاية. ولكنه، بعد دراسات مستفيضة، أقر باستحالة إنكار وجود قوة عظمى وراء خلق الكون، فنظرية الموت الحراري تدعم بقوة الرأي القائل بنهاية الكون، ما يفيد بوجود بداية له.

نظرية الموت الحراري للكون أسس لها ويليام تومسون، الذي يحوز فضل تطوير مفاهيم الطاقة الميكانيكية، وإثبات مفاقيد حرارية في الكون. الأمر الذي يقوي توقع نهاية الكون، حين يفقد كل حرارته، فيفقد الحركة والحياة.

ثم كانت نظرية الانفجار العظيم ظهرت في العشرينيات من القرن الماضي، وتكاملت بفضل جهود عدة علماء اشتغلوا عليها ما يزيد عن أربعين سنة، فقدمت تفسيرًا متكاملاً لنشأة الكون التي افترضت أنه ولد منذ حوالي أربعة عشر مليار سنة، من نقطة تفرد ذات كثافة وحرارة عاليتين جدًّا، تفوقان كل تصور، ولا تخضعان لقوانين الفيزياء. وتبعًا لنشأة الكون، نشأت القوى الطبيعية الأساسية (الجاذبية، والكهرومغناطيسية والنووية).

فنظرية الانفجار الكوني العظيم لما أكدها العلم، فتحت المجال أمام رؤى لاهوتية، فأحدثت خلخلة في الفكر المادي، لأن الانفجار كان بداية لخلق الكون، والزمن ولد مع الحدث. فلا يوجد زمان ولا كون قبل ذلك. لذلك لقيت هذه النظرية معارضة الأنظمة السياسية التي تتبنى الفكر المادي، ويسرد المؤلفان أسماء عدد من علماء الفيزياء السوفياتيين والألمان الذين تم نفيهم أو اغتيالهم، بسبب تبنيهم النظرية التي أصابت الفكر المادي الجدلي في مقتل.

وفي عام 1964 اكتشف الباحثان أرنو بنزياس وروبرت ويلسون ما يسمى في الفيزياء الكونية “إشعاع الخلفية الكونية الميكروي”، التي يعتقد أنها من مخلفات الحرارة المتبقية من الانفجار العظيم، هذه الإشعاعات منتشرة في الكون كله، ولا يمكن رؤيتها بالعين المجردة لشدة برودتها، ولا تكون مرئية إلا في الجزء الميكروي من الطيف الكهرومغناطيسي.

نشأت عن الانفجار مجرات، ونجوم وكواكب، ثم نشأت الحياة في أشكالها المتنوعة. وتعد نشأة الظروف المواتية للحياة في الكون لغزًا علميًّا، إذ تبين للعلماء أن الكون محكوم بنظام دقيق، وأن شروطًا خاصة محكمة، توفرت في الكون لتنشأ الحياة، فالقوى الكهرومغناطيسية حين نقارنها بقوى الجاذبية نجدها أقوى منها بمقدار كبير، ولكنه فرق مناسب، حتى تتمكن النجوم من الاتقاد لمدة كافية سمحت بتكون الحياة في الكون. ولو اختلف التناسب، لما قامت الحياة ولا ظهر الإنسان. المبدأ “الأنثروبي” يؤكد أن ذلك لا يمكن أن يخضع لمجرد صدفة غير عاقلة.

في عام 1918 نال الفيزيائي الألماني ماكس بلانك جائزة نوبل في الفيزياء تقديرًا لبحوثه في الفيزياء، فقد اكتشف أن الموجات الكهرومغناطيسية لا تصدر بشكل مستمر متصل، بل على شكل كميات متقطعة أطلق عليها لفظ “فوتون”، وتعد أصغر مقدار معيّن من الطاقة يمكن تبادله بين الأجسام وفق تردد معيّن. ولحسابها يستخدم الثابت الذي يسمى “ثابت بلانك”، وبذلك ظهر مجال فيزيائي جديد تماما، هو “فيزياء الكم”، فأصبح ممكنًا تطبيق الفيزياء على عالم دقيق جدًّا، مختلف عن العالم المرئي الذي تحكمه الفيزياء التقليدية. فتوالت الاكتشافات المبهرة على مستوى الذرة. ففي الذرة والجسيمات بالغة الصغر، تسلك الطاقة أحيانًا سلوك الموجة وأحيانًا أخرى سلوك الجسيمات، المعروفة بالفوتونات.

على مستوى الخلية

الحياة التي نشأت في المجموعة الشمسية توفرت لها كل الشروط الملائمة لظهورها، شروط معقدة مضبوطة بدقة، تنم عن حكمة عالية ومقدرة كبيرة لا حد لها ولا وصف.

نشأة الحياة تمثل لغزًا علميًّا، لأن ما توصل إليه العلماء من كشوفات، يدل على أنه لا مجال لأي صدفة في تدبير الحياة الكونية. فالكائن وحيد الخلية، الذي يعد أصغر كائن حي، يتحدى العلماء بتعقيد تركيبه الخلوي. فهو ينطوي على عالم من التقنيات الخارقة والتعقيد المذهل، فنجد في الخلية بوابات محصنة للحماية، وممرات ومصانع، ومخازن أيضًا، ووحدات إنتاج طاقي، وغرف حرق النفايات، كل ذلك وغيره مما يضيق المجال بذكره، يدل على وجود مخطط محكم، ذكي ودقيق الضبط، لإدارة الحياة على مستوى الخلية. إنها إشارات توحي بوجود الصنع المتقن.

أما إذا تفحصنا الحمض النووي في الخلية، فإننا لا نزداد إلا انبهارًا. فشريط واحد من الحمض الذي قد ينطوي عليه أي نتفة من الجسم البشري مهما ضؤلت (نقطة دم أو لعاب، أو مجرد شعرة)، يمكن أن تكشف عن هوية صاحبها ووالديه وأسلافه، لأن فيها “بصمة الحمض النووي”، التي تحتوي على جميع التعليمات الوراثية لتطوير وظيفة الكائنات الحية، وكذلك التعليمات البيولوجية والجينية، وبها يتم تخزين المعلومات الوراثية التي تتحكم في الوظيفة اليومية لخلايا الجسم على المدى الطويل، كما يحتوي على الخرائط الموجهة لبناء المكونات الأخرى للخلايا مثل البروتينات والحمض النووي الريبي (حمض ريبونوكليك) ويتم تخزين هذه المعلومات الوراثية داخل التركيب الكيميائي لذرات الحمض النووي. وهو خيوط رفيعة من شفرات وراثية متراصة مجموع أطوالها في الشخص الواحد حوالي 200 مليار كيلومتر. لذلك، لم يجد دارسو الحمض النووي بُدًّا من التصريح بأن دراسة تركيب الحمض، لا يمكن أن تقود إلى شيء آخر سوى الإيمان بوجود خالق عظيم. ثم خصص الكتاب فصولاً هامة عرضت أقوال الكثير من كبار علماء من مختلف التخصصات، وما يعتقدونه.

الحجج الدينية

في القسم الثاني تطرق المؤلفان إلى الأدلة من خارج العلم، وهي الحجج الدينية التوراتية، فكان هذا القسم بمثابة شرخ فكري وعقلي كبير، لأن ما ورد فيه بعيد كل البعد عن المنطق العقلي والمنهج العلمي، حيث تضمن اختلالات كبيرة في عرض الحجج وتحليلها ومعالجتها، وتبدت للقارئ أن الغاية ليست بريئة ولا نزيهة، بل حاول الكاتبان إثبات ألوهية سيدنا عيسى عليه السلام. كما لم يقصر الكاتبان في جهدهما، لتمجيد العرق اليهودي، والتدليل على نقائه، واعتبار ذلك أيضًا حجة على وجود الله عز وجل. فسرد المؤلفان من التاريخ السياسي للشرق الأوسط، ورجال الكشوفات العلمية، عدة وقائع وأحداث قرءاها بشكل محرف مبالغ فيه، واستخلصا منها النتائج التي توخياها، ما يدل بوضوح على تسرب الدعاية الصهيونية إلى المؤسسات العلمية، ورسوخها في عقول العلماء في الغرب. لأن كل ما ساقه المؤلفان من حجج، لا تستقيم عقلاً، ولا تصمد أمام التحليل العلمي، ولا الفحص المنطقي.

العودة إلى الإيمان

يستنتج مما ورد في القسم الأول من عناصر علمية، أن الكون ليس أزليًّا، فالكشوفات العلمية أثبتت ما أصرت الأديان السماوية على تبليغه للناس، من أن الكون بزمانه ومكانه ومادته له بداية ونهاية، ما يؤكد أنه مخلوق، وأن وراء الخلق قوة وقدرة ربانية عليا. وتدل على هذه القدرة أيضًا الضوابط والقوانين الدقيقة التي يخضع لها الكون، والتي لولاها لما نشأت الحياة، ولما تطورت بالشكل الذي نراه اليوم، على مستوى الكون نفسه، وعلى مستوى الخلية الصغرى أيضًا، فلا يستقيم اعتقاد أمور الكون بدقة نظامها موكولة إلى الصدفة العشوائية والعبث.

هذا الكتاب من أكثر الكتب مبيعًا في فرنسا حاليًا، ما يؤشر لرغبة عارمة قوية لدى الناس في العودة إلى أحضان الإيمان، واستجابة لنداء الفطرة التي فطر الله عليها الخلق، والتي حاولت النظريات المادية خنقها، متحدية نداء العقل والتاريخ والحقيقة، وقد خفت صوت الفطرة في النفوس، لكنه ما زال حيًّا يقظًا في أعماق كل الناس، فالإيمان بقوة عليا فوق الطبيعة، أمر مشترك بين كل الخلق من كل الأجناس والأقوام.