تحل في الثامن والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) من كل سنة ذكرى وفاة عميد الأدب العربي طه حسين (1889-1973)، والذي يمكن اعتباره فضلاً عن عمادته للأدب العربي رائد الحداثة العربية والمدافع عن المعرفة والعلم والتنوير العقلاني في زمن مبكر، باعتباره واحدًا من رموز التحديث العربي بمفهومه العميق، ومثالاً للمثقف العضوي الذي ينبغي أن يحتذِيَ به المثقفون العرب اليومَ، في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى مثقفين ملهَمين؛ فقد كان مثقفًا عضويًّا انسجم مع مستجدات عصره، ودافع عن قيمة الحرية، وآمن بضرورة الانخراط في الحداثة، الشيء الذي سيثير ضده ضجة من طرف المحافظين، فصودر كتابه “في الشعر الجاهلي”، وصودرت أفكاره واعتبر من طرف الكثيرين بمثابة عدو للدين، وإن كان الرجل، في الأصل، قد حاول بأدبه نقل المجتمع العربي من مجتمع التبعية المطلقة للماضي إلى مجتمع حضاري يؤمن بالمعرفة والعلم.

  • “الأيام”: ذاكرة طه حسين المثقف

رغم غزارة ما كتبه طه حسين، حيث تجاوزت مؤلفاته في النقد والسرد والتراث خمسين مؤلفًا، إلا أن سيرته الذاتية (الأيام) قد حظيت باهتمام بالغ من طرف القارئ العربي، حيث إن الرجوع إليها يجعلنا نتجول في فكر رجل وعبقرية أديب استطاع أن يبدع في السيرة الذاتية بشكل جمع فيه بين الذاكرة والتخييل، وذلك بما تحفل به هذه السيرة من قيم فكرية وقدرات كبيرة على تطويع اللغة العربية للتعبير عن البنيات النفسية والاجتماعية للمجتمع العربي؛ فهذه السيرة صالحة للتحليل النفسي لقراءة نفسية وذهنية لمجتمعه في الفترة التي تتناولها سيرته، كما أنها صالحة لدراسة اجتماعية عميقة تعطي صورة حقيقية عن مجتمع مصر في فترة فاصلة بين قرنين؛ أواخر القرن التاسع عشر والعقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين.

تحكي الأيام في أجزائها الثلاثة فصول حياة مثقف في أطوارها الثلاثة: الطفولة الصعبة التي فقد فيها ضوء عينيه لينفتح على نور الكتاب ونور الأزهر في ما بعد، بحيث يحمل الجزء الأول في طياته نوعًا من النقد للتقاليد السلبية المنتشرة في المجتمع والطرق البدائية في التعامل مع المرض وبعض المعتقدات السائدة في مصر، كما يلتفت إلى أسرته التي آمنت بالعلم حيث سيرسل الأب بطل السيرة (الصبي الشيخ) إلى الكتاب ثم إلى الأزهر لطلب العلم، كما أَرسَل من قبل أخاه (الفتى الشيخ)، كما كان يصور الشيخ وهو يجد لذة في الحديث مع أصحابه في شأن تحصيل ابنه (الفتى الشيخ) للعلم في الأزهر ويفاخر أصحابه وهو يحكي عن شيوخ العلم في الأزهر.

وفي الجزء الثاني ينتقد طه حسين واقع التربية التقليدية في الأزهر على لسان الراوي الشاب الذي أرسل إلى القاهرة لطلب العلم، فيسرف الراوي بذلك في تمحيص الواقع التربوي في الأزهر المبني على التقليد وعلى ثقافة الشيخ والمريد التي أصبحت في نظره متجاوزة، وكيف أن الشيوخ رغم كل شيء قد أجادوا في النحو والفقه وكيف آلف حديث بعض الشيوخ الكبار واستمتع بعلومهم وعلو كعبهم في الآداب.

في الجزء الثالث يصور لنا السارد النفور من التعليم العتيق ومن الأزهر الذي سيحدثه تقدمه لامتحان الحصول على شهادة العالمية بسبب الصدمة التي تلقاها من أحد أعضاء لجنة الامتحان الذي خاطبه بقوله: “انطلق يا أعمى”، وهو ما سيحدث لديه نفورًا من الأزهر ويدعوه مباشرة إلى الانخراط في الجامعة المصرية قبل أن ينتقل عبرها إلى فرنسا.

  • في الشعر الجاهلي: قراءة جديدة للتراث العربي!

يعتبر التراث الإسلاميُّ لدى الأمة العربية مقدسًا طبعًا، وقداسة النص القرآني والنص الحديثي لا غبار عليها، غير أن ما طالب به طه حسين هو تحديث الفكر العربي من خلال ضرورة إعادة البحث والتنقيب في التراث الأدبي القديم لا سيما الشعر الذي كان في عداد المقدس عند النقاد بشكل خاص، وهو ما حمل بعضهم (النقاد) على تكفير حسين، ذلك التحديث الذي يمتاح من المنهج الديكارتي ومن المنهج النقدي التاريخي أساسًا، هو مبدأ آمن به طه حسين حيث كان يرى أنه لا علم بدون حرية، وهذه الحرية في التعامل مع التراث باعتباره مادة للدراسة والبحث، جعلته يتوصل إلى حقائق جديدة إزاء الشعر القديم لخصها في كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي راهن من خلاله على قراءة علمية للقصيدة الجاهلية وقصائد صدر الإسلام متأثرًا بأقطاب المنهج التاريخي الفرنسيين من أمثال سانت بوف (Saint Beuve) وهيبوليت تين (Charles Augustin Sainte-Beuve) وغوستاف لانسون (Gustave Marie Lanson).

والحق أن كتاب (في الشعر الجاهلي)قد جسد أنموذجًا للبحث السوسيولوجي في الشعر؛ من خلال مساءلة تاريخ الشعر العربي الجاهلي، ولم يطعن طه حسين في شعر الشعراء، بقدر ما طعن في الافتراءات على هذا الشاعر أو ذاك من خلال التنقيب في أشعار الشعراء وقياس بعضها على بعض، بحيث توصل إلى أن بعض الشعراء تم تحميلهم ما لا طاقة لهم به من خلال تلفيق أشعار لهم لأهداف سياسية محضة، وهو نقد منهجي مستمد من الدراسات التي أقامها انطلاقًا من مناهج غربية تاريخية واجتماعية، وهذه الطريقة المنهجية وظفها في جل دراساته ومنها اشتغاله على المتنبي في كتابه (مع المتنبي)؛ وهي دراسة ستجر عليه أيضًا تحامل بعض النقاد والأدباء، أمثال محمود شاكر والطيب صالح.

إن المؤاخذات التي أخذها طه حسين على هذا الغرور الفكري قريبة من الانتقادات التي وجهها النقاد في قرون خلت إلى الشاعرَين أبي العلاء المعري وأبي نواس، ولعل طه حسين استشعر هذا الاغتراب الفكري في الحداثة فانشغل بأبي العلاء من خلال اتخاذه موضوعًا لأطروحته الجامعية (تجديد ذكرى أبي العلاء) ، ومن خلال كتابه (مع أبي العلاء في سجنه) ؛ ولعل السجن الذي تحدث عنه طه حسين هنا ذو طبيعة رمزية، فهو سجن رمزي للظلام الذي كانت تتخبط فيه الأمة العربية، والتي كان بإمكانها أن تنهض وتتقدم، لو أنها أتاحت الفرصة للمثقفين لتنوير الأمة وتحديثها.

  • دفاعه عن اللغة العربية

لا يمكن تجاهل دفاع طه حسين عن اللغة العربية؛ سواء من خلال اشتغاله على الأدب العربي طيلة حياته أو من خلال اهتمامه بها كلغة، وقد أثرى تبحره في اللغة العربية وأغناها تعرفه على لغات أجنبية أهمها الفرنسية واللاتينية وكل ذلك جعله يتباهى باللغة العربية ويدعو الكتاب والمثقفين إلى ضرورة التشبث بها كتابة وخطابًا باعتبارها الوسيلة الوحيدة القادرة على تحقيق الوحدة العربية كما جاء في حوار معه بثته إحدى القنوات التلفزيونية المصرية في أخريات حياته.

لقد ظل طه حسين يدعو إلى ضرورة النهوض بالأدب العربي وضرورة تحديثه وهو ما دافع عنه في جل خطاباته، كما يرى أن الانغلاق الثقافي لا يمكن أن يخدم الأمة، ولذلك دعا إلى الانفتاح على المناهج الغربية الحديثة ودعا الكتاب عمومًا إلى الانفتاح وإلى القراءة قبل الكتابة وإلى تعلم لغات أجنبية لمعرفة قوة اللغة العربية وجماليتها. كما أنه ظل يدعو إلى الواقعية في الكتابة التي تعتبر مبدأ أساسيًّا لدى المثقف الملتزم القريب إلى هموم الأمة وإلى هموم الشَّعب، منتقدًا اللعب الأسلوبي الذي يشبه الثرثرة في كتابة بعض المحدثين تحت ذريعة الالتزام بالحداثة، ولعل ما حبب طه حسين إلى القراء هو بدون شك أسلوبه الجميل البسيط الذي يشد إليه النفوس، ولذلك ما تزال مؤلفاته من بين الكتب الأكثر شهرة وانتشارًا لدى القراء العرب.