الدواوين الشعرية لها مكانة مرموقة في الأدب العربي من أيام الجاهلية إلى هذه اللحظات الجارية. وإنها تلعب دورًا عظيمًا في إنعاش معاني الأدب ومناويله إلى درجة عالية من النشاط والحماسة، وهي ترسم خواطر الشاعر وأفكاره على وجه بسيط حيث يسهل الاطلاع عليها للجميع.

ومن هذا النوع من الديوان، ديوان الإمام الشافعي، وهو من أروع الشعر العربي الذي قد نقرأه، فقد تميز الشافعي رحمه الله بثراءه الجزيل وقوة لغته، وبذائقته الأدبية والبلاغية، وهو ما يظهر جليًّا في كل كتبه وهنا يقدم لنا وجبة شعرية ماتعة يظهر فيها كل ذلك. إنه يسير بنا سيرًا مليئًا بالتنزهات الشعرية البارعة التي تنبسط إليها الأفئدة وتستبشر بها القلوب. وبجانب البراعة اللغوية المتينة المتيعة فديوان الإمام الشافعي رحمه الله تتقاطر منه الحكمة والفطنة التي هي نتاج العلم والفقه بالدين والعلم بتصاريف الدهر وتجاربه، ويأخذنا في رحلة ممتعة من الأدب والحكمة والجمال والمشاعر والأحاسيس.

ومن هنا كان ديوان الشافعي منبعًا صافيًا يرد منه الأجيال دروس الحكمة ويستسقي منه الأبناء والآباء معالم الكياسة والفطانة وهو كنز من كنوز الأدب الذي يصور أمامنا ألوان التجربات الحياتية والخبرات العيشية التي سار على متنها الإمام الهمام طوال حياته.

نبذة عن حياة الإمام الشافعي رضي الله عنه

أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ المطَّلِبيّ القرشيّ (150-204هـ / 767-820م) هو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضًا إمام في علم التفسير وعلم الحديث، وقد عمل قاضيًا فعُرف بالعدل والذكاء. وإضافةً إلى العلوم الدينية، كان الشافعي فصيحًا شاعرًا، وراميًا ماهرًا، ورحّالاً مسافرًا. أكثرَ العلماءُ من الثناء عليه، حتى قال فيه الإمام أحمد: «كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس»، وقيل: إنه هو إمامُ قريش الذي ذكره النبي محمد بقوله: «عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا».

وبالأصل كان قد نأى عن الشعر والشعراء إلا أننا نرى أن لشعره مذاقًا خاصًّا وجانبًا مفضلاً لدى الخاصة والعامة إذ يقول:

ولولا الشعر بالعلماء يزري               لكنت اليوم أشعر من لبيد

لقد اختار الإمام أفضل الشعر وأشرف أبوابه وأسماها مما لا يزرى به ولا يحط من قدره وإن في أشعاره من التركيز ونفاذ البصيرة ودقة الملاحظة وحسن التعبير ما يجعل الألسنة تتلقفها وتذيع وتنتشر وتصبح سلوكًا وعملاً ومنهجًا لحياة راضية آمنة وأبياته الجيدة كثيرًا ما تجري مجرى الأمثال كقوله رحمه الله:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه              تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

ويجدر بنا الآن أن نلقي بعض النظرات إلى تلابيب ديوانه ونستضيئ منها الأضواء التي تنير مسالك العلم والحكمة وتشجع مريديهما للثبات على طلب العلم على الرغم من كثرة الانقباضات والتأذيات.

لقد تحدث الإمام الشافعي كثيرًا عن العلم وأهله وعياله وفضائله وكرامته وشدة الحاجة إليه والصبر على ما يحدث خلال طلب العلم وما إلى ذلك. النصيحة الكبرى التي أعطاها الإمام للطلاب هي تلك الأبيات التي سارت عليها الركبان من مشرق الأرض إلى مغربها من كل فج عميق وهي

أخي لن تنال العلم إلا بستة      سأنبيك عن تفصيلها ببيان

ذكاء وحرص واصطبار وبلغة    وصحبة أستاذ وطول زمان

هذه الخصال الستة لو طبّقها المتعلمون والطلاب في حياتهم العلمية لنالوا ما قصدوه بتوفيق من الله تعالى إذ هي الأصول المطلوبة الضرورية لتعلم العلم. الذين لمسوا فضل العلم تتوق نفوسهم إلى نيله ويحضون تلاميذه وأصحابه على التحلي بها فأمثال الإمام الذين لهم التبحر والتكاثر في كل الفنون والأصول والفروع إنهم ينبّهوننا على ما وصلوا به إلى هذه المعالم فما لنا إلا اتباع هذه الإرشادات حتى نعرج معارج العلوم الرفيعة التي عرجوها كي تقر أعيننا بمعرفة الله جل في علاه.

تتلمذ الإمام الشافعي على يد الإمام مالك رحمهما الله تعالى ولازمه حتى مات ومن قبل خروجه عن مكة فلزم هذيلاً في البادية يتعلم كلامها ويأخذ طبعها وكانت أفصح العرب وبقي فيهم سبع عشرة سنة يرحل برحيلهم وينزل بنزولهم

وذات يوم مر به رجل من الزبيريين من بني عمه فقال له: يا أبا عبد الله عز علي ألا يكون مع هذه اللغة وهذه الفصاحة والذكاء فقه فتكون قد سدت أهل زمانك فقلت فمن بقي نقصد؟ فقال لي مالك بن أنس سيد المسلمين يومئذ فذهب الشافعي إليه وتلقى العلم على يديه وهنا يحدثنا عن آداب التعلم وبناء الذات ولا ينبّئك مثل خبير:

اصبر على مُرّ الجفا من معلّم                     فإن رسوب العلم في نفراته

ومن لم يذق مر التعلم ساعة                     تجرّع ذل الجهل طول حياته

ومن فاته التعليم وقت شبابه                    فكـــــبّر علــيه أربعــًا لوفاتــه

وذات الفتى والله بالعلم والتقى               إذا لم يكــونا لا اعتبار لذاته

فما أحسن هذه العبارات وأطيب نفحاتها! إن الكثير من طلابنا اليوم قد أصابهم الفتور والتعاسة بما يذوقون من مرارة التعلم من خلال الكتب الطويلة والدفاتر الهائلة والمشروعات الطائلة والملتقطات المتواصلة والمجموعات المتداولة فما أجزعهم على العمل أحيانًا يعرِضون عما هم فيه من طلب العلم ويلجئون إلى المقاهي والدكاكين كعامل فيها ثم يشربون من هناك كؤوس الخيبة والندامة بما ضيّعوه من طيب التعلم وأنسه فهذه النصائح جميعًا تلقي النشاط والحماسة في قلوب المتعلمين ووقت الشباب ينبغي أن يلفت إلى طلب العلم وألا يكون خسارة عليه

والوقت أنفس ما عُنينا                    بحفظه ونراه أسهل ما علينا يضيع

والوقت مهم جدًّا كما قال الإمام النووي الشافعي الثاني: “أما بعد فإن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات”

والذي قاله في البيت الأخير لجدير بالتفكر والالتفات وذلك أنّ ذات الفتى إنما تكون بالعلم والتقوى فهذا هو الذي يقوله العلماء الخبراء اليوم في علم النفس وعلم الآداب والتربية. فإذا فُقدا فقدت شخصيته وذاته.

ولقد أرشدنا الإمام أن نتحمل على المشاق والصعاب التي تتدوال في أيام طلب العلم وأنه رحل للعلم رحلات كثيرة كان لها أثرها في حياته العلمية فبعد وفاة الإمام مالك رحل إلى بغداد ثم عاد إلى مكة ثم رجع إلى بغداد سنة 198ه فأقام فيها شهرًا ثم خرج إلى مصر وكان وصوله إليها في سنة 199 ه وقيل: في سنة 201ه، ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة 204ه كما جاء في وفيات الأعيان لابن خلكان فإنه في ترحاله هذا يقول:

لقد أصبحت نفسي تتوق إلى مصر       ومن دونها قطر المهامه والقفر

فوالله ما أدري ألِلفوز والغنى              أساق إليها أم أساق إلى القبر

وقال عن فوائد الأسفار فعدّ طلب العلم منها

تغرب عن الأوطان في طلب العلى       وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تــفــرج هم واكـــتساب مـــــعيــشة              وعــــلــــم وآداب وصـــحــبــــة ماجــد

فالرحلات في طلب العلم تُعلّم الراحلَ خبراتٍ جديدة وتتيح له حياة سعيدة أو شقية مع ما يحصل من جوانب العلم النافع والتجربة المثمرة وآداب المعاملة واللقاء والمعاشرة

ثم نرى الإمام الشافعي في ديوانه يحض الطلبة والمتعلمين على اكتساب العلم في كل حين وآن وكل لحظة وثانية حيث لا يخلوا وقت من طلب العلم والاشتغال به فقال في وصاياه الغاليات:

العلم مغرس كل فخر فافتخر            واحذر يفوتك فخر ذاك المغرس

واعلم بأن العلم لــــيس يــناله            من هــمــه في مطــعم أو مــلبس

إلا أخو العلم الذي يعنى به              في حالتـــيه عاريًا أو مكـــتسي

فاجعل لنفسك منه حظًّا وافرًا            واهجر له طيب الرقاد وعبّس

فلعل يومًا إن حضرت بمجلس           كنت الرئيس وفخر ذاك المجلس

خير ما يفتخر به الإنسان العلمُ وكيف لا يكون ذلك وهو كالبستان الذي يزدهر بأنواع الزهور المتلونات أو كالأرض الطيبة التي تضم بين جنباتها ألوانًا مختلفة من الغرس أو هو كالأشجار التي يغرسها الإنسان فتثمر ويستظل بظلها حقًّا إن العلم مغرس كل فخر.

وقد علّمنا الإمام الشافعي أن نيل العلم بالتفرغ له فمن كان همه في غيره من مطعم أو مشرب أو ملبس أو موضة محدثة أو اتجاه جديد فلا ينال من العلم ما يراد فليس هذا فحسب، بل العلم نور من نور الله فلا يعطى هذا من لا يستحقه

شكوت إلى وكيع سوء حفظي          فأرشدني إلي ترك المعاصي

وأخـــبــــرني بـأن الــعلـــم نور        ونور الله لا يــعطى لعـاص

فإنّ من أفكاره طائرةٌ في جوّ الدنيا وتتمتع بزيناتها ولذاتها وزخارف وبهجاتها تكون أحاسيسه مظلمة لا تستقبل نور الله ولا تحتويه. ونصيحة أستاذ الإمام الشافعي الإمام وكيع تحفة ومهداة إلى طلاب العلم في كل مكان.

دعنا نلقي أعيينا إلى تلك الأبيات الممتعة التي يشكّل فيها الإمام منهجه نفسه في طلب العلم وشدة تحمله للمعضلات الصعاب ودوره الفائق في جمع العلم وكسبه ولا يفرغ قارئ من قراءته إلا وفي قلبه قد غرست حبوب الحماسة واليقظة وخواطر الكد والجد والاجتهاد فها أنا ذا ألقي إليكم تلك:

سهري لتنقـــيح العــــلوم ألــذّ لي           من وصل غانية وطيب عناق

وصرير أقلامي على صـــفحاتها             أحـــلى من الــدوكاء والـــعشــاق

وألذ من نقر الفتـــــاة لــــدفها                نقـــري لألــقــي الرمــل عن أوراق

ونمايلي طربًا لحل عويــــصـــة               في الدرس أشهى من مدامة ساق

وأبــيت سهــــران الدجــى وتبيته            نــــومًا وتــبغي بعد ذاك لــحـــاقي

إن هذا لن يكون فلا يستوي من سهر الليالي ومن نامها وما أشد خياله وأروعه في تصوير المشاعر التي تخطر بباله من خلال طلب العلم والأرق له في الليالي

فلا بد للعلم مع صاحبه في كل أحواله وأفعاله نحن اليوم نعلّم ونتعلم وإذا وصلنا في خارج المعاهد والمدارس أصبحنا شيئًا آخر فلا توافق ولا تناسق فيما نقول ونفعل هذا مما ينبغي أن يتباعد عنه أولو العلم والألباب كما قال الإمام:

علــمي معي حــيثما يمّـمـت يـــنفعـــــني              قلـــــبي وعــاء له لا بــطـــن صــنــــدوق

إن كنت في البيت كان العلم فيه معي          أو كنت في السوق كان العلم في السوق

هذه هي الوصايا والنصائح من قبل الإمام الأكبر الذي ملأ طباق الأرض علمًا وفقهًا وأدبًا فهيّا نستعد ونعدّ طلبتنا لكي يتحلّوا بهذه المكارم والفضائل حتى نصبح جميعًا أهل العلم والعرفان الذين قال الله تعالى عنهم: ‏{‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ‏}

رأيت العلم صاحبه كريم         ولو ولـــــدتـــه آبـــاء لئــــام

وليس يـزال يـــرفعـــه إلى أن        يعــظّــم أمــره الــقــوم الـكــرام

ويتــبعــــونــه في كــل حــال         كـراعي الضـأن تــتــبعــه الســـوام

فلولا العلم ما سعدت رجال          ولا عُــرف الحــلال من الحـرام

وأخيرًا نقدّم بين يدي القراء الكرام قولاً كريمًا للإمام الذي فيه شفاء للأنام من كل سقام

تعلّم فليس المرء يولد عالمًا                وليس أخو علم كمن هو جاهل

وإن كبير القوم لا علم عنده             صغير إذا التفت عليه الجحافل

وإن صغير القوم إن كان عالمًا              كــبير إذا ردّت إليــــه الـمحافل

وفي نهاية القول: نسأل الله تعالى السداد والتوفيق في كل ما نحن فيه من الخدمات الدينية والمساعي العلمية والمشارع الخيرية كما نسأله أن يجعلنا من أهل العلم الفائزين في الدنيا والعقبى إنه نعم المولى ونعم النصير

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

المنهاج للإمام النووي -أبو زكريا يحيى بن شرف الحزامي النووي الشافعي (631هـ1233م / 676هـ1277م) المشهور باسم “النووي” هو مُحدّث وفقيه ولغوي مسلم، وأحد أبرز فُقهاء الشافعية، اشتهر بكتبه وتصانيفه العديدة في الفقه والحديث واللغة والتراجم،

ديوان الشافعي.