لن يقنع مصنعو ومطورو الروبوتات إلا إذا دخلت كل أنشطة الحياة اليومية. لذا نراها شقت طريقها في مجال الفلاحة كجانب اقتصادي حيوي، لا غنى للبشر عنه. فهل تستطيع الروبوتات التفوق على الفلاحين بتوفير الغذاء للعالم المتنامي سكانيًّا، والمُساعدة على حماية البيئة؟ وهل تؤثر على الخضراوات، والغلال، والفاكهة التي تصل إلى مطابخنا؟

بحلول عام 2050.. سيحتاج العالم إلى ضعف كمية الغذاء الحالية. لذا يتعين على الفلاحين زراعة مساحات أكبر من الأرض، مع المحافظة على البيئة وموارد الماء، والبعد عن التجريف، والتصحر.  وخلال العقد الماضي، اقتصر إنتاج الروبوتات تتقوم بأعمال بسيطة. لكن في الوقت الراهن، ومع التطورات المتسارعة في علوم وتكنولوجيا الروبوتات، أصبحت تمتلك قدرات ومهارات عالية، وتعمل بدقة وسرعة، ودون أجر أو كلل أو ملل أو تغيب عن العمل. مما يعمل على خفض التكلفة، وتحسين الأداء، وجودة الإنتاج، وتحويل النشاط الزراعي لنشاط صناعي مُكثف. وفي المجال الفلاحي.. حيث الزراعات الواسعة والكثيفة، لماذا تغطي حقلاً كاملاً بالمواد الكيميائية إذا كنت تستطيع نثرها في الأماكن التي تحتاجها فقط؟ وكيف يمكن حصول كل نبات على ما يحتاجه، دون زيادة أو نقصان؟ هذه من وظائف الفلاحين الآليين حيث يعرفون الأنواع المختلفة للشتلات (خضروات، وفاكهة، وغلال، وزهور الخ) ومدها بكميات محددة من السماد، ورشفات مقدرة من الماء. ولقد أصبحت مزارع الحبوب من بين أكثر المزارع استخدامًا للنظام الآلي. ومع موسم النضج والإثمار.. تقوم الروبوتات بالحصاد، والتعبئة، والتغليف. حيث يتم القطاف آليًّا لمجموعة من المحاصيل (مثل البرتقال، والطماطم، والخيار، والخس) التي تدخل في صناعة الأطعمة المعالجة.

روبوتات متنوعة الأداء

 تقوم الروبوتات بزراعة بصيلات التيوليب، وإعادة زراعة شتلاته، وحصاد وتقليم وتعبئة الفطر (المشروم)، وتعبئة النباتات المزروعة في أوعية (أُصص). كما أن روبوت الحصاد الزراعي (Vehicle HV-100) المعروف بـ “هارفي” (Harvey) يقوم بنقل الشجيرات والأشجار المزروعة في أوعية للمشاتل الزراعية. أما “روبوت الخس” (lettuce Bot) فواحد من روبوتات يتم تصنيعها وتطويرها لأتمتة جوانب الزراعة والبستنة. وهو يتعرف على الحشائش والأعشاب الضارة في حقول الخس، والتخلص منها، وسحبها من جذورها، مثلما يفعل الإنسان من دون استخدام مبيدات الأعشاب. حيث يستخدم كاميرات لمسح الأرض، والتمييز بين نباتين بجوار بعضهما البعض، وأي منهما هو العشب الضار المتطفل على الخس. وقد بلغت دقه تمييزه ما بين 97- 99 في المائة. ويمثل التخلص من الأعشاب الضارة هدفًا ضروريًّا لأنها تقلل غلة بعض المحاصيل بما يزيد على 50 %. لذا صممت روبوتات للرش الدقيق (كطابعة الحبر النفاث). ويستطيع رش قطرات صغيرة جدًّا من مبيدات الأعشاب على أوراق الأعشاب الضارة. وليس رش المبيدات الطريقة الوحيدة التي يمكن للروبوتات أن تقضي من خلالها على الأعشاب الضارة. فالنماذج الأولية منها مزودة بقاذفات لهب وأسلحة ليزر لحرق الأعشاب الضارة، وهو ما من شأنه أن يكون مفيدًا جدًّا للزراعة العضوية.

والموجة القادمة من الآلات الزراعية ذاتية التحكم/ التوجيه، وتتخفى هذه الروبوتات في صورة جرارات. وتستطيع أن “تتحدث” إلى أدواتها؛ مثل المحراث أو المرذاذ، وتستجيب لها الأدوات. فأداة الجزِّ تُبلغ الجرار: “أنت تسير بسرعة كبيرة”، أو “انعطف يسارًا” الخ. كما بإمكان ماكينة درَّاسة حصادٍ استدعاء مقطورة جرار ليتمكن السائق من تفريغ الحبوب. وابتكرت شركة ألمانية جرارات ثنائية حيث يُقاد أحدها يدويًّا، أما الثاني فيُوجَّه ذاتيًّا. ويحاكي حركات الجرار الأول في صف مجاور له. يستطيع هذا النظام توفير نصف الوقت الذي يقضيه الفلاح في الحقل. أما الأنظمة التي تعمل بتوجيه ذاتي كامل، فمختلفة عن الجرارات. إنها أساطيل من الروبوتات الخفيفة ذاتية التحكم. تنتقل بمهارة ويُسر، وتفسر المشهد الزراعي أمامها، وتعمل وفق مبدأ: “أن البذرة لا تحتاج إلا لسنتيمتر مكعب واحد من التربة لتنمو فيه؛ فإذا بذرت فلن تستهلك سوى كميات ضئيلة من الطاقة وستستمر النباتات في نموها على نحو جيد”. ويمكن أن تغني هذه الروبوتات الخفيفة عن الحرث تمامًا، وتقلل إلى حد بعيد كمية الطاقة، ومن ثم انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، الناتجة عن الزراعة، والحد من التلوث. ومع خفض الضغط، تحتفظ التربة ببنيتها وبالكائنات العضوية المفيدة، وتستطيع امتصاص المزيد من المياه وتظل خصبة لفترة أطول. فأنظمة الري الآلية يمكنها خفض استخدام المياه إلى النصف. وبعد ظهور تقنية للملاحة بالغة الدقة تستخدم فيها الأقمار الصناعية ويُطلق عليها “آر تي كيه-جي بي إس”. التي تمكِّن الآلات من تحديد موقعها في نطاق 2 سم. فالفلاح الآلي “بونيروب” رباعي العجلات يستعمل كاميرات التصوير الطيفي لتمييز النباتات الخضراء في تربة بنية. ثم يسجل موقع النباتات كل على حدة، ويعاود زيارة كل منها أثناء الموسم ليراقب نموها.

أما الأنظمة الروبوتية الخاصة بالتعبئة والتغليف فتحسن الإنتاجية بدقة وسرعة. وتتعامل مع المنتج بطريقة أكثر كفاءة، فتقلل من الأضرار التي يمكن أن تحدث له. كما تساعد على تحسين بيئة العمل من خلال القضاء على المهام المتكررة، وتوفير تكاليف العمالة. وهذه الأنظمة الروبوتية مصممة لتراعي موضوع الصحة العامة. حيث تدعم بفعالية العملية الصحية، وتؤدي إلى منتج نظيف وآمن.

روبوتات صناعة الماشية، والحلابون الآليون

تم أتمتة مصانع للعلائق الغذائية، وضبط نسب محتويات العلائق وفقًا لنوع، وعمر، وإنتاج كل حيوان في المزرعة. وتحمل كل بقرة رقائق إلكترونية في رقبتها توضح وزنها وإنتاجها واحتياجاتها من العلائق. وبإمكانها إعطاء إشارات لجلب عليقتها متى أرادت. كما تعطي هذه الأتمتة الروبوتية: كم أكلت، وكم تركت، أو توقفت عن الأكل كعرض مرضي؟ وتتم حلابة الماشية آليًّا دون تدخل بشري. حيث تُجلب البقرات للمحلب الآلي/ الروبوتي، وتوضع كل واحدة في مكان حلابتها، وتـُطهر حلماتها، وتركب مقابس حلابتها. ومن ثم سحب إنتاجها من اللبن نظيفًا صحيًّا. ويُمكن معرفة كم الإنتاج الفردي والكلي للمزرعة، وحساب محتويات وعناصر اللبن الغذائية. وفي كثير من المزارع.. تجري خطوات تصنيع منتجات الألبان مباشرة. وتصل هذه المنتجات، وغيرها، إلى متجرك/ مطبخك دون أن تلمسها يد بشرية.

فوائد، ومخاوف

تزرع اليابان ما بين 40% – 50% من غذائها. ومع ارتفاع نسبة الشيخوخة بين سكانها (وأيضًا في أمريكا الشمالية وأوربا، والنمو المتسارع في الصين الخ) مما يقلص قاعدة المزارعين المحتملين، تتجه نحو استخدام الروبوتات الزراعية بكثافة (وبخاصة في حقول الأرز، والقمح، وفول الصويا).

رغم الآفاق الواعدة للروبوتات الزراعية، فهناك الكثير من المخاوف من آثارها السلبية على الأيدي العاملة، ومستقبل الفلاحة البشرية. وتحذر آراء من “أن الإنسان سيكون مساعدًا للروبوتات وليس العكس، وقد تتمرد عليه يومًا ما، وتخرج عن طوعه مما قد يسبب أضرارًا بالغة”. لهذا بدأت الدول في إصدار قوانين لحماية البشر من الانتشار المتزايد للروبوتات. فقررت وزارة التجارة والصناعة اليابانية إصدار أول مجموعة من القوانين للأجيال المقبلة من الروبوتات، حيث ستتم برمجة الروبوتات بحيث لا تؤذي البشر وتستطيع التمييز بين الأشياء الصلبة واللينة، وذلك لضمان أعلى معدلات من السلامة والأمان.

كما تزود الأجيال الروبوتية المقبلة بأزرار للطوارئ، للضغط عليها، في حالة خروج الروبوت عن السيطرة حتى لا يتسبب في أي أذى وضرر للإنسان. أما خطورة اصطدام الروبوتات بالمشاة أو إخافة الماشية فيجعلها تشرد، فتزود بأجهزة ليزر وأجهزة استشعار فوق صوتية تراقب الأجواء المحيطة بها وتضغط على المكابح في حال رصدها لتصادم وشيك. وكإجراء احترازي، يوجد مخفف صدمات حساس يوقف الروبوت حال اصطدامه بأي شيء. والخلاصة: إنها روبوتات للحرث، والبذر، والري، والرش، والحصد، والتعبئة، والتغليف، والحلب، وتصنيع منتجات الألبان الخ. فلاحون آليون وتقانات زراعية حديثة من أجل تحسين وتطوير وزيادة الإنتاج، وخفض تكاليفه، والإقلال من المهام المتكررة.