قراءة للفيلم التركي “الأب الخبّازِ سرّ العشق”

 في عصر الانفتاح الإعلامي والتقدم التكنلوجي صارت الدراما التركية تفرض نفسها على

الوطن العربي، وبذلك أصبح تلقيها شائعًا بين المشاهدين لما تتميز به من جمالية ولما تقدمه من مواقف متنوعة في قالب درامي مدروس، فأفلامه منفتحة في وجه تيمات متعددة تسع قضايا المجتمع فلم يقتصر تناولها الفني والموضوعي على الجانب الرومانسي كما يبدو للبعض، وإنما تجاوزته إلى ما هو اجتماعي وسياسي واجتماعي وديني، فصارت الصناعة الدرامية التركية بمسلسلاتها وشرائطها القصيرة والطويلة تملأ جزءًا لا يستهان به من حيز المشاهدة للمواطن العربي وغيره.

ومن الأفلام السينمائية التركية المتميزة فيلم “الأب الخباز، سر العشق”، وهو فيلم جميل متسق العناصر، جميل التصوير والإخراج وعميق من حيث إدارة الممثلين علاوة على محوره المتعلق بالتصوف من حيث كونه سيرًا لكشف الحقيقة الموصلة إلى الله.

فيلم سينمائي وازن عرض في أكثر من خمسين دولة بعد إدراجه ضمن مشاركات مهرجان “كان” للسينما، وقد جرت أحداثه في مدينة قيصري، وكان موضوعه المحوري كيفية الوصول إلى معرفة سر العشق الإلهي عبر حياة المتصوف الزاهد “صمونجو بابا” وسيبدأ البطل رحلة البحث التي ستنتهي به إلى الحجاز ليتمتع بوصوله إلى السر الدفين الذي جاهد وسافر وعانى من أجله كثيرًا.

الفيلم فيلم درامي تاريخي ديني تركي مترجم إلى العربية ويعد أحد الأفلام السينمائية التركية الجميلة، وتم إنتاجه عام 2016م.

تدور أحداث الفيلم حول ابن خباز مات أبوه إثراء هجوم عصابة من المجرمين على السوق الذي يبيع ويتصدق فيه على المساكين ليبدأ رحلته من أجل العشق الإلهي مكتشفًا أن الخبز له أهمية فوق ما يعتقده البعض، فهو يحمل سر الوجود وسر العشق ذاته.

رحلة البطل رحلة مليئة بالعقبات وبالتساؤلات وبالأجوبة المتدرجة المفيدة في اكتشاف سر العشق الإلهي.

يبدأ الفيلم بمشهد لحركة الناس يبيعون ويساومون ويشترون في سوق وفي أثناء ذلك يقع هجوم مفاجئ لملثمين مسلحين قتلوا الكثيرين من المرتادين للسوق ومنهم أب حميد الذي وصله الخبر وهو يرعى غنمه بعيدًا عن السوق.

حميد يتألم ويتحسر وقد فقد أباه فيقرر السفر من أجل العمل وأخذ العلم الوجداني من شيخ ذائع الصيت، وحين يصلي يعطيه أحد الدراويش خبزًا وبه يتذكر أباه الخباز ليبكي قبل أن يخرج ليتلقى أول درس يستفيد منه أن أكبر عائق في طريق الذاهب إلى العشق هو النفس، وبناءً عليه، يجب أن يعرف نفسه أولاً لهزمها قبل التفكير في أي شيء آخر، والعشق هو أكبر هم، وهو دواء ذلك الهم أيضًا، ويقاس العشق بالاحتراق ويؤكَّدُ بالزوال ولا يُمَكن بدون احتراق…

وبُعيْد هذا الدرس سيكلفه الشيخ بتحضير الخبز عجنًا وطهيًا، وقد كلفه الشيخ بذلك رغبة منه في الوصول إلى سره  وعند دخوله إلى حيث  رئيس الطباخين زاده من الأقوال ما جعله يطرح تساؤلات تلو أخرى مستزيدًا مما يجعله يبصر طريق العشق الإلهي، ومما قاله له: “الطحين نعمة، يأتي من التراب، ينشأ وينضج بآلاف العذابات، يهرس تحت الحجارة ويعجن بالألم… يمتلك القمح جميع الأسرار المتعلقة بهذه الدنيا، يهرس وبعده يطهى ويصبح خبزًا، وأنت مثل القمح بالضبط أولاً ستعجن في هذه التكية وبعد ذلك ستطهى، تمامًا مثل قطعة خبز تطهيها لنا”. الفيلم جعل كل المصادفات التي يواجهها البطل “حميد” لصالح اكتشافه السر الذي يبحث عنه (سر العشق الإلهي).

ويلتقي فجأة بفتاة جميلة، فتأسره وقد مس عشقه لها قلبه مما أثر على تعلمه ونفسه، وفي الدرس الجديد سيقف على أفكار أخرى تتكامل مع سابقتها في اكتشاف سر العشق الإلهي ومن ذلك يقول الشيخ “الطريق الذاهب إلى العشق هو طريق الغياب، إن كنتم ستمشون في هذا الطريق، عليكم أن تزيلوا غروركم وأنفسكم، عليكم بالتواضع، لا تنسوا أنه بقدر ما كانت سنبلة القمح مليئة فإنها تحني رأسها إلى الأمام بذلك القدر، جميعكم باحثون عن العلم، اعلموا أن ذلك العلم الذي تبحثون عنه هو العشق الذي قبلكم، وذلك العشق هو مرشدكم في هذا الطريق المليء بالأسرار”. ينتهي الدرس وينصرف الدراويش إلا حميدًا الذي سرح بخياله وهو يفكر في الفتاة التي رآها مشفقًا على نفسه شاعرًا بالندم والأسف فقد تغيب بسبب ذلك عن حصة  دراسية، وعرف الشيخ ما به فخفف عنه حين قال له: “لا تخف من الحب يا عزيزي حميد، الحب جميل، من لا يحب الإنسان لا يحب الخالق أيضًا” وحين يتقابل مع رئيس الطباخين يقول له: “بأن عجينة الإنسان كعجينة الطحين، تعطيها شكلاً كما تعجنها، لا تنس، هذه العجينة عجينتك في الوقت نفسه، ثمة الكثير من الطرق للوصول إلى الله يا بني، البعض يحمل الحطب مثل يونس، والبعض يكتب الشعر مثل مولانا جلال الدين الرومي، والبعض يقول أنا الحق والبعض يزيل غروره في سبيل العشق، مهمتنا هي تحضير الخبز، هي إشباع الجائع”، وهنا يذكر له قول أبيه له حين كان على قيد الحياة “بُنيَّ قبل أن تطهي الخبز عليك أن تعلم سر القمح والطحين والنار… بُنيَّ، أنت تجد العشق بطهي الخبز، بالخبز الذي تطهيه لن تشبع البطون فقط بل ستشبع القلوب أيضًا” وحين ينام ينخرط في حلم سيرى عبره أباه وهو يحدثه عن كون المعشوقية أكبر مهنة للخباز،  فلا ينبغي النظر إلى تحضير الخبز فحسب. ويخبره بأنه سيخرج ليسلك طريقًا طويلاً ذات يوم فعليه ألا يخاف من البحث، فالباحثون هم الواجدون في العموم.

يقابل الشيخ من جديد ليستأذنه بالسفر بحثًا عن العشق الإلهي ونفسه منقسمة بين مراده وعشيقته فيزداد من أقواله الملغزة العميقة “من لا يذوق العشق الدنيوي لا يستطيع أن يذوق العشق الإلهي” ويضيف الشيخ “لا تستطيع أن تمشي وحدك في هذه الدنيا في الطريق الذي تمشي فيه إلى العشق عليك أن تجد حبيبًا لقلبك ورفيقًا لدربك، ابني لكن أريدك أن تعرف أن  هذا امتحان حقيقي لأجلك، ابنتي جميلة مناسبة لك لترافقك في هذا الطريق، صماء وخرساء أيضًا هذا الزواج مناسب لكليكما” وحين أراد أن يقاطعه رافضًا، أردف الشيخ “كل خطوة تخطوها في طريق إيجاد السر الذي تبحث عنه هو امتحان لأجلك يا بني من يعترض لا يكون له امتحان أيضًا” وحين يتزوج بالفتاة يجدها غير صماء ولا بكماء وما قاله الأب ليس سوى ترميز إلى كونها صماء بكماء لأنها لم تر فاحشة ولم تسمع بمحرم.

وعلى ضفة النهر يفاجئه قدوم شخص فيتحاور معه يقول له بأن المساعد على العشق هو القلب، ويأمره بالذهاب إلى الشام، ويوَدع امرأته وأباها بعد أن سلمه هذا الأخير خاتمًا.

يسافر عبر الجبال والمفازات، يفصل بين طفلين متخاصمين ويسلمهما رغيفًا، يعين حارثًا ويعطيه خبزًا وكأنه يعيد تشخيص سيرة أبيه الذي كان يخصص قسطًا من خبزه للمساكين والمحتاجين، ويواصل رحلته متجهًا إلى تكية شادي الرومي.

وسيعرف بعد ذلك أن العشق يتم بوضع كل القلب لأجل الذين وصلوا إلى نهاية الطريق …إما أن تعتبر روحك وجسدك واحدًا فلا ألوان كثيرة في العشق والواجدون هم الباحثون.

وقبل أن يذهب كي يستريح يقول له الشيخ: “يقولون إن النار تطهو الخبز والعشق يطهو الدرويش”. يقول له (بيازيد بسطامي): “المرشد الحقيقي للعاشق هو قلبه وأنت في رحلة ستربي نفسك وتنظف قلبك تمامًا، اكتب في قلبك كل شيء وجدته وستجده في هذا الطريق وانتظر” ويقول له أيضًا: “أتينا من التراب وسنعود إلى التراب وهذا هو السبب تشبيه الإنسان بالعالَم وتشبيه العالَم بالإنسان”.

يواصل البطل رحلته متلهفًا إلى معرفة حقيقة سر العشق الإلهي الذي تراءت له بعض علاماته من خلال ملامح وأقوال شيوخه من الصوفية والذين قصدهم للتعلم ليكتشف أن بعض ما يتحدثون عنه سبق أن عرفه من أقوال أبيه قبل موته.

الفيلم ينهي رحلة حميد وقد صار عارفًا بسر العشق الإلهي الذي كافح من أجله وذاق مرارة السفر والصبر والتساؤلات ليتوج ذلك بالعودة مفعمًا بفرحة وطمأنينة العرفان الصوفي الذي كان حلمه الرئيسي، وقد تمكن من تحقيقه فعلاً.