السيد عبد الرحمن بافقيه القائد والمرشد

تعد عائلة بافقيه من أبرز العائلات الأشراف التي لعبت دورًا مهمًّا في المحيط الإسلامي المليباري، حيث كانت تمتلك ناصية التجارة والسياسة في أوساط مسلمي مليبار، وكان صوتها مسموعًا وأمرها مطاعًا، ولها بصمات هائلة في تصميم تاريخ مسلمي مليبار، ومحطات خالدة في الأوقات العصيبة التي ابتلي بها مسلمو مليبار، وسميت بافقيه لعراقتها وأسبقيتها في الفقه والعلوم الإسلامية، حيث أنجبت عدة علماء ودعاة كان لهم الصوت المسموع في الفتاوى والشؤون الدينية، فمن أبرز هؤلاء القادة السيد عبد الرحمن بافقيه الذي لقبه أتباعه بقائد القوم احترامًا لما قام بخدمات جليلة لنهضة الأمة المليبارية سياسة واجتماعًا، في الوقت الذي يدعي الكثير أن التصوف هو المانع الأكبر لتحقيق النهضة الشاملة وهو الباعث الحثيث على التخلف والتراجع من السياسة بل هو نظام رجعي ينحصر في الكهوف والخيام وعمق الغابات نسير سيرًا في حياة عبد الرحمن بافقيه الذي جمع بين الفقه والسياسة شأن علماء مليبار الذين تمردوا على أنظمة الطغاة وثاروا ضد أعداء الدين.

سيرته ونشأته

ولد في أسرة تحلت بجمالية القيم وهيبة القيم، وكان أبوه عبد القادر بافقيه وأمه السيدة فاطمة، وأكمل دراسته الدينية عند تتانغارا كتيامو مسليار في بلنكوت بقرب فنان، فبعد أن توفي  كوتيامو مسليار سنة 1923م واصل دراسته تحت نجله محمد مسليار، فبعد أن حصل على قسط من العلوم الشرعية سرعان ما توجه إلى التجارة مقتفيًا آثار أبيه، وفي سنة 1924م بدأ تجارة النارجيل المجفف واتخذ كالكوت مقار أعماله التجارية، ثم توجه إلى تجارة الأرز وفتح محلات في مناطق مختلفة في مليبار، وفي 1949م فتح شركة بافقيه في رانغون ببرما لتصبح بعد من أهم شركات الإيراد والتصدير في جنوب آسيا.

وفي سنة 1936م خاص عبد الرحمن بافقيه في خضم السياسة بقيادة حملة انتخابية في صالح خان بهادر آتكويا واحد من أقربائه، فكان منافسه وقتها ب بوكار صاحب ممثل رابطة المسلمين لعموم الهند لتخسر رابطة المسلمين في تلك الانتخابية نتيجة النفوذ الواسع لعبد الرحمن بافقيه في مسلمي مابلا، لكن أصبح هذا الانتخاب منعطفًا مهمًّا في سيرته ومسيرته لغير مجرى حياته ومسار فكرته حتى دخل خيمة رابطة المسلمين سنة 1938م، وفي سنة 1948م انتخب رئيسًا لها لتتسع دائرة الرابطة في عموم مليبار ولينضم مسلمو مابلا جميعًا في الرابطة.

وفي عام 1952م انتخب رئيسًا لجمعية تجار منتجات مالابار، وفي نفس السنة تم ترشيحه عضوًا لمجلس مديرية كالكوت، وفي 1972م بعد أن توفي قائد الملة محمد إسماعيل صاحب انتخب رئيسًا لرابطة المسلمين لعموم الهند.

وكان الرجل القوي في أواخر الخمسينيات حين انتفضت مليبار ضد الحكومة الشيوعية وانتفضت معها الأحزاب المعارضة للإطاحة بالحكومة احتجاجًا على قراراتها في قطاعات الاقتصاد والتعليم حتى سقطت الحكومة لتشكل الأحزاب المعارضة تحت قيادة كونجرس ومعها رابطة المسلمين حكومة لكن بسبب الاختلافات التي نشبت بين مسلم ليغ وكونجرس لم تدم المحبة بينمها فنزلت مسلم ليغ من الجبهة لتنضم بعد مع جبهة إي إم إس زعيم الأحزاب اليسارية، فمن بعدها انضمت مع سي أتشوتان  لتظل كل الجبهات تتأرجح في كفتي مسلم ليغ، وقتها كانت الجبهات السياسية بين يمينها ويسارها تنافس لكسب دعم مسلم ليغ لإدراك مدى نفوذها وتأثيرها في المسلمين، كرجل ديني سعى البافقيه لنهضة الأمة المسلمة بكل ما في وسعه، وكان الداعم الأكبر والذراع اليمنى لجمعية العلماء لعموم كيرالا التي تبنت فكرتها من التقاليد الإسلامية واهتمت بحماية التراث وتجديده وفق الثوابت والقواعد، وكان رئيسها، وكان له الكلمات الرئيسية في جلسات أعضاء المشاورة التي تنتمي إلى جمعية العلماء، وأحيانًا انعقدت جلسات مسلم ليغ وجمعية العلماء في مستودعات بافقيه بكويلاندي، وذلك مما يدل على الوحدة المشهودة بين الصنفين، صنف العلماء والأمراء مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس الأمراء والفقهاء، فمن إسهاماته نشر الوعي الديني وحشد التمويلات الهائلة في سبيل بناء المدارس والمساجد وتطوير الكتاتيب، وحتى الآن ترى في مليبار مساجد ومدارس وكليات تحمل اسمه تخليدًا لخدماته وتقديرًا لإسهاماته التي لا تعوض.

فلسفته كانت واضحة، إذ آمن بأن العودة إلى جذور التراث هي التي ترد إلى المسلمين هيبتها ومجدها، فرفض كل التيارات التي ظهرت في الأفق تحت ستار التجديد والصحوة، وأصر كذلك على العودة إلى الجذور والتمسك بالتقاليد والهوية التي تركها الأسلاف، فوقف في وجه الذين دعوا إلى نبذ التقاليد بادعاء أنها خرافات وأساطير كما ابتعد عن طائفة تسترت بالحداثة والتنوير، وكان فقيهًا صوفيًّا سياسيًّا أميرًا، وكان سيدًا ذا هيبة، وشخصية ذات كاريزما، فحين اندلعت الفتن الطائفية في شمال كيرالا بين المسلمين والهندوس وراح ضحيتها كثير من الطرفين تدخل البافقيه لتهدئة الأوضاع وإخماد نار الفتنة، وفي أعقاب شغب تالا شيري الذي حدث عام 1960م كان له الدور القيادي في استعادة الأمن والطمأنينة في مليبار، فأقام جلسات ومسيرات للسلام، ولا شك بأن قيادته زادت همة الأمة وهيبتها حتى كانت الأمم الأخرى تحترم شخصيته وتكرم فضيلته حتى نشرت عنه “كيسري” لسان حال آر إس إس عن وفاته “رحيل صاحب الفضائل والمكرمات”.

وكان له حضور فعال في بناء المؤسسات العلمية في ديار مليبار كما في كلية فاروق وكلية ترور بوليتكنيك، والجامعة النورية، وكلية سرسيد، وكانت القوة العاملة وراء تأسيس معونة الإسلام سبها الذي أصبح بعد مركز الدعوة الإسلامية ونشر التعاليم الدينية للذين يهتدون إلى كنف الإسلام، ولم تتوقف خدمته عند هذه فقط، بل كان الداعم الأكبر لتأسيس مراكز لرعاية الأيتام والملهوفين.

أمير السلام

كانت مليبار في تاريخها الطويل كنف الانسجام والسلام، أناس بسطاء لا تهمهم الاختلافات الدينية، ملتزمون بثقافتهم وهويتهم وإنسانيتهم، والمسلمون كانوا طلائع السلام، ولعل السبب لتشكيل هذا الجو المعتدل هو تواجد الصوفيين الذين نشروا الإسلام على أسس المحبة، والسيد عبد الرحمن بافقيه الذي ينحدر من سلالة الأشراف لم يلبث طويلاً لتنجذب إلى هالته الآلاف، ولتسمع أوامره ونصائحه، متأثرة بسلوكياته وحليته وشيمه وكرمه، كل هذه المكرمات رسمت لوحة الدين الصحيح الناعم في قلوب الملايين، فأصبح محبوب الأديان، سفير السلام، يهب كلما أوقدت نار للحرب فيطفئها بحكمته وحنكته، ويشنف مسامعه إلى شكايات الآخرين فيقدم لهم الحلول.

وفي فاداكارا عام 1952م حيث قام بعض رجال من المسلمين بذبح بقرة التي تعد مقدسة لدى الهندوس عند جلسة أقامتها منظمة حماية البقرة حتى شبت نار الفتن بين الطائفتين، فسرعان ما وصل إليهم البافقيه جالسًا على متن السيارة، يأمر المتجمعين ليتفرقوا ويتوقفوا عن أعمال العنف حتى هدأت الأوضاع وجاء محافظ المديرية ليقيم جلسة السلام، وكان البافقيه الضيف الخاص في تلك الجلسة.

فحينما اشتعلت منطقة تالا شيري كلها عام 1972م كان البافقيه في مكة، فلم يستطع له ليتدخل في الموضوع إلا أنه علم وهو بعيد عن بلده، فلما رجع إلى البلد أسرع إلى موقع الفتنة ليطفئ نار الفتنة ويفكك أوكار الطائفية.

وكان رجل الأمة، حمل همومها أينما حل وارتحل، لقد أدى الحج 22 مرة، فكان يساعد الوافدين من مليبار لأداء الحج ويرتب لهم المرافق والتسهيلات الأخرى وحتى قدم أمام الملك فيصل المشاكل التي تواجهها الحجاج، وكان له شعبية كبيرة في مكة والمدينة وسمعة طيبة لدى كبار الشخصيات في المملكة، وكانوا يقدمون له الدعوة للحضور في مناسبات الأفراح وغيرها.

وفي يوم الجمعة عام 1973م توفي السيد بافقيه بعد أداء فريضة الحج ودفن في جنة المحلة بمكة المكرمة، وتجمع عدد كبير في الحرم الشريف حدادًا على رحيله.

فأكبر ما خلف هذا السيد هو إصراره على التعاليم الدينية وعدم استسلامه لمسوغات السياسة، فكان متدينًا لم يطمح إلى السلطة ولم يطوع تأثيره ونفوذه من أجل مصالحه الشخصية، بل استعمله في قضاء حوائج الناس، فلم يك وزيرًا لكنه كان أكبر من أن يكون وزيرًا، وإليه يعود الفضل في بناء شخصية سي إتش محمد كويا الذي أصبح أول مسلم وأخير كما يبدو ليعتلي منصب رئاسة الوزارة في ولاية كيرالا، وكان معلمه ومرشده.

وفي الوقت الذي ينسى الكثير من زعماء الأمة مبادئ الدين ويتمشى مع العلمانية المفرطة والليبرالية لتكسب جمهورية ثلة من الناس يتجلى هذا الشيخ الصالح بهيبته وطلعته، ويقول لهم كما قال عمر الفاروق: “لقد أعزنا الله بالإسلام فمن ابتغى العزة بغير دينه فقد أذله الله”.