تعد دراسة اللغة العربية مدخلاً مهمًّا لاكتشاف الحضارة العربية الإسلامية ذات القيم الإنسانية العالمية، كما أن دراسة الدين الإسلامي تؤكد أنه دين غير إقليمي، حيث يرسم معالم صورة متكاملة من الألفة والانسجام بين الروح والمادة من ناحية، وبين البشر كافة من ناحية أخرى. ونظرة فاحصة إلى التراث الإسلامي عبر عصوره المختلفة تشير إلى أنه يضم عناصر حيوية متجددة تواكب مفردات العصر.

وبنظرة فاحصة للماضي – سواء القريب أو البعيد – ندرك مدى اهتمام الغرب بدراسة اللغة العربية في نسق بعيد تمامًا عن مشاعر الحب أو الكراهية، وربما يتم ذلك في إطار المصلحة – أيًّا كان نوعها – وقياسًا مع الفارق، فأمريكا وأوروبا أقبلت على دراسة اللغة العربية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، مثلما أقبل الطلاب في أمريكا على دراسة اللغة الروسية بعد انطلاق الاتحاد السوفييتي السابق إلى عالم الفضاء عام 1957م، ونتذكر جميعًا، أن العالم في العصور الوسطى تكلم العربية، حينما تتلمذ الأوربيون على أيدي أساتذة عرب في المراكز الحضارية الإسلامية.

من هذا المنطلق، جاء اهتمام المستشرق الإيطالي المعاصر ”جوزيبي سكاتوليني“ بالتراث العربي الإسلامي عامة وبالتجليات الروحية خاصة, فهو صاحب نظرة موضوعية محايدة تجاه التراث الإسلامي، وكأن لسان حاله يقول: ”أنا إنسان أحترم أخي الإنسان في أي زمان ومكان“، بدأ حياته راهبًا بالكنيسة الكاثوليكية الإيطالية، ودعم اتجاهاته الفكرية بالحصول على الماجستير في الدراسات اللاهوتية من جامعة ميلانو (1)، وإرضاءً لشغفه بالشرق ونشاطه الاستشراقي درس اللغة العربية، واهتم بالتصوف الإسلامي، وليس أدل على ذلك من حصوله على الدكتوراه في التصوف الإسلامي، واهتمامه الشديد بالشعراء المتصوفين وفي مقدمتهم سلطان العاشقين أبو حفص عمر بن علي بن مرشد – الحموي الأصل المصري المولد – أشعر المتصوفين، وينعت بشرف الدين، ويسمى بابن الفارض لأن أباه كان يعمل فارضًا، أي الذي يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكام، وينتهي نسبه إلى قبيلة بني سعد، التي انتسبت إليها حليمة السعدية – مرضعة الرسول صلى الله عليه وسلم – وبعد وفاة والده عُرض عليه أن يتولى تلك الوظيفة إلا أنه رفض وآثر العزلة معتكفًا لعبادة الله في قاعة الخطابة بالجامع الأزهر (2) أدرك سكاتوليني من خلال وظيفته – أستاذ التصوف الإسلامي بالمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية بجامعة جريجوريأنا بروما، أن فهم أي نص أدبي يعد مهمة شاقة، فثمة مسافة تضع بين العالم المعرفي وعالم المؤلف، ولاجتياز تلك المسافة يدخل المرء إلى عالم المؤلف المعرفي ويجعله عالمه هو من أجل الوصول إلى مستوى فهم مشترك. ومن ثم فهم العالم الروحي لابن الفارض وإعادة تأويله ونقل إدراك رؤيته الصوفية وتجربته.

أشار سكاتوليني إلى أن شعر ابن الفارض يعد مشكلة معقدة بسبب قلة المعلومات عن حياته وعلاقاته الصوفية، ولم يترك سوى ديوانه ” التائية الكبرى“، كما أن لغته تمثل تحديًا لأي دراس، لذا سعى إلى فهم ألفاظه في سياقها الخاص من خلال قصيدته التي عبر منها عن تجربته الباطنة على أكمل وجه، ومن ثم التعرف على ثلاثة مستويات: السياقي والتاريخي وما وراء التاريخي.

قام سكاتوليني بالتحليل الدلالي لقضية ابن الفارض مؤكدًا أن لفظ ”أنا“ هو الكلمة المركزية لكل حقل القصيدة الدلالي،  كما كشف عن الدور الذي تلعبه ثلاثة ألفاظ تمثل المراحل الأول التي مر بها عبر تجربته الباطنة، وتلك الألفاظ هي: الفرق – الاتحاد – الجمع.

ففي المرحلة الأولى: الفرق: تمثل مرحلة الانقسام حيث عبَّر عن مشاعره تجاه حبيبته التي أنفصل عنها بشكل غزل حسي، ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي مرحلة الاتحاد المطلق مع حبيبته حين قال أنا إياها، هي إياي. وأخيرًا المرحلة الثالثة: الجمع، أي وحدة الوجود الشاملة. هذا عن المستوى السياقي، أما عن المستوى التاريخي لا يمكن فهم ألفاظه وتعبيراته خارج خلفيتها التاريخية وإطارها الزمني، فقد كان ابن الفارض على دراية جيدة بما سبق من الأدب الصوفي حيث استقى منه الكثير من الألفاظ والمفاهيم الأساسية. أما عن المستوى ما وراء التاريخ فقد نجح ابن الفارض في لمس أبعاد تجربة الإنسان التي تتجاوز المستوى الظاهري. وديوان ابن الفارض يُقصد به في الأساس: اختبار بالله مع الله، أي اختبار الحقيقة المطلقة، وذهب على ما وراء الحقل اللغوي الصرفي لتدخل في أبعاد فلسفية. وفي نهاية دراسته يقول سكاتوليني: لاحظت أن لفظة (أنا) هي الكلمة المركزية التي بُني عليها نظام الشاعر اللغوي وأنها في الواقع الكلمة المركزية في كامل معجمه، لذا تعتبر أساس العبقرية التركيبية لمعجم ابن الفارض الذي استوعب بعمق مفهوم الإنسان الكامل. (3).

لقد كان سكاتوليني صادقًا في مشاعره تجاه شعر ابن الفارض إذ اكتشف الجانب الروحي والفني اللغة العربية في شعره حيث النقاء في أسلوبه وتكتيكه والحياة المحيطة به ويقدم صياغات مبتكرة تلتحم بعناصر الطبيعة ويتغنى بأنشودة العشق الموصول (4). كما كانت رؤيته تجاه الدين الإسلامي رؤية صادقة، وأن الشعر أحد روافده، وأدرك حقًّا أن مذهب ابن الفارض في التصوف لم يخرج عن الكتاب الكريم والسنة المطهرة وأن ما بدا في تائيته من غير غلو في وصفه للاتحاد بالذات الإلهية يجب تأويله بأنه رمز صوفي عبَّر عن عجز صاحبه عن وصف الحال بالتعبير العادي فلجأ إلى لغة ضاقت عبارتها عن وصف التجربة الصوفية الفريدة، فاضطر إلى الرمز لضيق المقال عن وصف الحال على حد التعبير الصوفي (5).

المراجع

1- من حوار مع جوزيبي سكاتوليني، إجراء خالد بيومي، مجلة الدوحة، العدد 115.

2- مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، الجزء الثاني، د. سعاد ماهر، سلسلة ذاكرة الكتابة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، الثالث، 2017م.

3- تحقيق ديوان ابن الفارض، قراءة لنص صوفي: جوزيبي سكاتوليني، مؤتمر ”المستشرقون والدراسات العربية والإسلامية“، جامعة المنيا، 2006.

4- المرجع السابق.

5- في أدب مصر الإسلامية، د. عوض الغباري، سلسلة كتابات نقدية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2013م.