يعمل باحثون في معهد فرونهوفر بمدينة آتشين الألمانية، في مجال إنتاج أدوية يمكن حصدها بدلاً من تصنيعها، وتقوم فكـرة الأبحــــــاث والمشروعات التي يجرونها هناك على زراعة النباتات والأشجار، خاصة أشجار السنط القادرة على إنتاج عدد كبير من الأدوية والعقاقير الطبية الطبيعية، إمعانًا في وضع أسس علمية لممارسة العلاج بالنباتات الطبية من خلال بيئة زراعية صحية لمنشأ تلـك الأعشاب والنباتات الطبية والاهتمام بإجراءات تسجيلها، شاملة مكوناتها وفاعليتها وتاريخ صلاحيتها، من أجل التوسع في إنشاء المنظمات الطبية الخاصة بالطب غير التقليدي، سواء كان بديلاً أو تكميلاً.

يقدر عدد النباتات والأعشاب التي تنمو على مستوى العالم بين 250-500 ألف عشب ونبات، وأن عدد الأعشاب التي أجريت عليها دراسات علمية مكثقفة يقدر بخمسة آلاف عشب فقط، وهذا يعني أنه ما زالت هناك أكثر من 495 ألف عشب لم تجر عليها دراسات وبحوث مستفيضة حتى نتبين فاعليتها في علاج الأمراض، وربما يتوصل العلماء إلى كيفية علاجها من الأعشاب والنباتات التي لم تكتشف فاعليتها بعد. ومن المأمول أنه بإجراء بحوث مكثفة على هذه الآلاف من النباتات، تكتشف أدوية جديدة لعلاج السرطان والآيدز والسكري وغيرها من الأمراض المستعصية، ولذلك فإن المعاهد والمراكز المعنية بدراسات النباتات والأعشاب والمنتجات الطبيعية وبحوثها، رصدت ملايين الدولارات من أجل التوصل إلى نوعيات جديدة من الأعشاب، وفصل مركبات منها تساعد في علاج الأمراض التي فشلت الأدوية التقليدية في السيطرة عليها. وهناك بحوث تستهدف استخدام التكنولوجيا الحيوية الحديثة في تحضير العناصر الفعالة الموجودة في الأعشاب والنباتات على نطاق واسع.

ففي ألمانيا يقود الباحث “راينار فيشار” فريقًا من علماء التكنولوجيا الحيوية، قام بتقديم باكورة النتائج التي تم التوصل إليها في معهد فرنهوفر بمدينة آتشين، خلال اجتماعاتِ أكبرِ منتدى عالمي صيدلاني عقد مؤخرًا في مدينة فرانكفورت الألمانية. وتؤكد مصادر هذا المعهد المتخصص في مجال الأبحاث التطبيقية، أن أكثر من ربع العقاقير الطبية المنتجة في الوقت الراهن تستخدم تكنولوجيا الهندسة الوراثية، علاوة على هذا وذاك فإن اللقاحات والإنسولين المعالج لمرض السكري، تأتي من مختبرات التكنولوجيا الحيوية، مع أن مثل هذه العقاقير يقتصر إنتاجها بصورة حصرية على الخلايا الحيوانية والبكتيريا.

لذا فقد كانت هناك نقلة نوعية إلى ميدان الزراعة الجزيئية، حيث تتولى النباتات إنتاج ما يطلق عليه “البروتينات المعاد تجميعها” بعد أن يتم تعديلها وراثيًّا، وتعد أساسًا لعديد من العلاجات بدءًا من اللقاحات وحتى تشخيص أمراض السرطان.. وذلك لأن النباتات تمتلك كمًّا هائلاً من المزايا الفريدة كبيئات مثالية لإنتاج البروتينات، مثل درجة الأمان المتناهية، والسرعة الفائقة، وانخفاض التكاليف.

نقلة نوعية للعلاجات غير التقليدية

إن كل ما يحتاج إليه العلماء بعد نجاحهم في هندسة النباتات وراثيًّا في الحقل العلمي، كميات معقولة من المياه، وتوافر الضوء والمواد المغذية بمقادير كافية كي “يحصدوا” بعد ذلك كميات لا حدود لها من البروتينات العلاجية، ولكن لسوء الحظ فإن الحكومة الألمانية ما زالت تحظر مثل هذه التجارب على أراضيها، مما دفع علماء المعهد إلى نقل أنشطتهم العلمية إلى كندا. ومن المعوقات التي تواجه العلماء في كندا، أنه لا يسمح بزراعة هذه الأنواع من النباتات إلا في بيوت بلاستيكية محكمة الإغلاق، ويؤدي هذا إلى ارتفاع التكاليف بدرجة خيالية، لذا يفضل العلماء القيام باستزراع الخلايا مباشرة في المختبر. وعلى الرغم من كل هذه المعوقات، إلا أنهم نجحوا مخبريًّا في إنتاج أحد مركبات أمصال الدم المستخلص من نباتات التبغ المعدلة وراثيًّا.

تتولى‭ ‬النباتات‭ ‬إنتاج‭ ‬ما‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ “‬البروتينات‭ ‬المعاد‭ ‬تجميعها‭” ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تعديلها‭ ‬وراثيًّا،‭ ‬وتعد‭ ‬أساسًا‭ ‬لعديد‭ ‬من‭ ‬العلاجات‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬اللقاحات‭ ‬وحتى‭ ‬تشخيص‭ ‬أمراض‭ ‬السرطان‭.‬

ومن الناحية النظرية يمكن إنتاج كافة أنواع البروتينات من النباتات، وقد أجريت دراسات سابقة استخدمت فيها أشجار الموز لإنتاج لقاح ضد وباء الكوليرا، ومن الممكن الوقاية من مختلف الأمراض الفتاكة عن طريق الاستعانة بالأغذية المعدلة وراثيًّا، وستكون التقنيات في غاية الأهمية في دول العالم الثالث الذي يعاني من انتشار العديد من الأمراض المستشرية، ويتوقع معهد فرنهوفر حدوث طفرة نوعية في مجال الزراعة الجزيئية خلال السنوات القليلة المقبلة.

وتزخر السجلات العلمية العالمية حاليًّا بثروة هائلة من المعرفة الجينية لا تقدر بثمن، ولم يكن الحصول عليها بالأمر السهل، ومع ذلك يعجز العلم الحديث عن تحديد الوظائف الرئيسة لمثل هذه الجينات، ولكن يمكن الاستعانة بها في النباتات لفحص جينات معينة واكتشاف المفيد منها في إنتاج العقاقير الطبية، مما دفع منظمة الصحة العالمية إلى تقييم الطب البديل بطرق مدروسة دون رفض مطلق أو انحياز تام، فكان التركيز على بحوث استخراج الدواء من لحاء الأشجار، واختير تحديدًا شجر السنط العربي لما له من فوائد علاجية جمة.

تندرج أشجار السنط العربي تحت عدد من الأصناف، أهمها سنط أبو قطيفة، وسنط أبو لمعة، وسنط أبو عريضة. يتميز الأول والثاني (أبو قطيفة، وأبو لمعة) بثمرتيهما اللتين تتخذان شكل عقد ضيق بين البذور، في حين يتميز النوع الثالث بثمرة عريضة العقد بين البذور. وتتكاثر أشجار السنط بالبذور، وهي سهلة الجمع والحفظ، ولكن يجب أن تعامل كيميائيًّا قبل الزراعة، وتنمو أشجار السنط طبيعيًّا، في معدل أمطار 76-170 ملم سنويًّا.

لحاء شجرة الطقسوس علاج للسرطان 

يحتوي لحاء شجرة الطقسوس على مكونات وأحماض ومواد، مثل القلويدات، والفلافونيدات، ومواد وأحماض عفصية، وكوماريبنات، وصابونيات، وجليكوسيدات سيانوجينية، ويحتوي الصمغ على الحمض العربي (حمض الأرابيك أو الآرابين)، وكذلك على أنزيم من نوع أوكسيديز، وتحتوي أزهار أكاسيا نيلوتكا على مواد فلافونيدية، وفينولية، كما تحتوي الثمار على آثار من القلويدات، ومواد عفصية، واسترولات أو تربينات ثلاثية، وحمض الجالك، إضافة إلى آثار من الجليكوسيدات السيانوجينية، وتحتوي ثمار نبات أكسيا نيلوتكا على آثار من القلويدات، ومواد عفصية، واسترلات أو تربينات ثلاثية.

ويواصل الخبراء البحث عن المزيد داخل الغابات الاستوائية، وابتكار مناطيد للهبوط فوق قمم بعض الأشجار العالية جدًّا، والكثيفة الأوراق في هذه الغابات الاستوائية لتحقيق نفس الهدف، وتنفيذًا لمشروع قديم حاول فريق من الخبراء الوصول إليه بوسائل مختلفة لدراسة ماذا تخفيه قمم أشجار اسمها “كانوبي” وصفت بأنها سقف العالم، وتحتوي أوراقها على مواد لم تكتشف، وسقوط هذه الأشجار يعد خسارة كبيرة وجسيمة للغابات الاستوائية ولا يحقق الفائدة المرجوة أو الكاملة لما يريد الخبراء دراسته، إذ إن معظم ما تحتضنه هذه القمم سيموت أو يختفي عند السقوط. من هنا جاء مشروع الهبوط فوقها بدلاً من قتلها، وذلك بعد الاتفاق مع خبراء مناطيد لابتكار منصة مرتبطة بمنطاد، تحمل خبيرًا أو اثنين للهبوط فوق سطح هذه القمم.

وتحقق المشروع الكبير؛ فقد حلق المنطاد أولاً، ثم هبط برفق حتى لامست المحفة سطح القمم، ليقوم الخبراء بعد ذلك بدراسة استمرت عدة ساعات، وتكرر هذا الأمر لمدة عشرة أيام متصلة.. وكانت النتائج النهائية لهذه الأبحاث تشير إلى اكتشافات تستحق هذه المعاناة، ومنها احتواء أوراق القمم لكائنات صغيرة، وحشرات مجهولة، واعتقاد هؤلاء الخبراء بأن الأمل في العثور على علاج حاسم للسرطان، والآيدز، والشلل الرعاش، والزهايمر، سيتحقق من خلال ما تحمله هذه القمم من عناصر مجهولة.

إن متاعب البحث فوق قمم أشجار الكانوبي، تعبر عن صعوبة الحصول على عقار جديد يعالج مرضًا خطيرًا، ولعل قصة اكتشاف مادة “التاكسول” الفعالة في علاج بعض أنواع من السرطان تؤكد هذه الحقيقة، فهي مادة مستخلصة من شجرة اسمها “الطقسوس”، تنمو في غابات بعض المناطق الواقعة شمال غرب المحيط الهادي، من لحائها استخلصت هذه المادة التي احتلت -عند إثبات فعاليتها- عناوين بارزة في جميع المحافل والمجالات العلمية.

وقد استغرقت رحلة البحث عن هذه الأشجار وما تحمله من عقار سنوات طوال، فضلاً عن مواجهة مشكلة أخرى تم التغلب عليها بصعوبة، تمثلت في الحصول على قدر كبير من هذا اللحاء. فهذه الأشجار بطيئة النمو، إذ إن شجرة يتعدى عمرها المائة عام لا يستفاد منها بأكثر من جرام واحد من عقار “التاكسول”.

دور الكيمياء الحيوية

لن تحل هذه المشكلة إلا بتدخل علماء الكيمياء الحيوية، لتشكيل هذه المادة كيميائيًّا، وإنتاج كميات وفيرة من هذه المادة الحيوية. وقد تأتى هذا بتدخل مؤثر لمنظمة الصحة العالمية في هذا الشأن، التي انتهت منذ بضعة أشهر من وضع تقرير “استراتيجيات استخدام الطب البديل”. وقد وضع هذا التقرير أسس استخدام العلاجات البديلة من قبل الأطباء، ومتابعة مدى الأمان والفاعلية في استخدامها. وانتهت في تقريرها بالتوصيات التالية:

1- زيادة الدعم الحكومي للعلاجات البديلة، وإدراجها ضمن نظام الرعاية الصحية الشاملة.

2- النظر في إدراجها بنظام التأمين الصحي.

3- نشر التثقيف العلمي والطبي لأساليب ومفاهيم الطب البديل، بما في ذلك إنشاء المكتبات الطبية الخاصة بذلك.

4- دعم البحث العلمي في هذا المجال لإثبات فاعلية الوسائل البديلة، ومقارنتها بوسائل العلاج الغربي، خاصة في مجال الأمراض المزمنة وأمراض الشيخوخة.

5- دعم التبادل العلمي والطبي بين مختلف البلدان المعنية بذلك.

6- نشر البرامج العلمية والدورات التدريبية، لإعداد الكوادر الطبية القادرة على ممارسة العلاجات البديلة.

7- وضع الأسس العلمية لممارسة العلاج بالأعشاب.

8- وضع بروتوكول عام للجوانب الخلاقة في ممارسة الطب البديل، شاملاً كفاءة الطبيب المعالج وتوعية المريض بفاعلية الوسائل المختلفة للعلاج.

9- ترك اختيار الوسيلة الفاعلة للمريض بموافقة كتابية منه.

10- ضم الطب البديل لمناهج كليات الطب ومعاهد العلوم الطبية، ووضع الأسس العلمية في مجال الطب البديل لطلبة الدراسات العليا. 

المراجع

(1) نشرات منظمة الصحة العالمية للعام 2020م.

(2) نشرات المنظمة العربية للتنمية الزراعية “النباتات الطبية والعطرية والسامة في الوطن العربي”، الخرطوم 2019م.

(3) تذكرة أولي الألباب، داود بن عمر الأنطاكي، 1008هـ.

(4) المعجم الطبي النباتي، العماد مصطفى طلاس، دار طلاس، دمشق 1989م.