من المعروف أن المشاريع والتوقعات الخاصة بالقرن الحادي والعشرين، ظهرت منذ عقود في القرن العشرين عندما اقترحت اللجنة الأمريكية للفضاء عام 1987م برنامجًا يجمع بين الكثير من إمكانات تحقيقه والقليل من الخيال، حيث يبدأ بشبكة من المحطات الفضائية تصل ما بين الفضاء والأرض والقمر، وتنمو تدريجيًّا للوصول إلى المريخ والقمرين الصغيرين “ديموس” و”فوبوس”.

هذه الشبكات ستتصل ببعضها عبر جيل جديد من المركبات الفضائية، يقوم بمهمة إمداد المحطات بما تحتاجه من مواد غذائية أو أجهزة، وتعود إلى الأرض محمّلة بما حققته المراكز الطبية والعلمية من أدوية جديدة ومعادن يستحيل إنتاجها على الأرض.

إن نتائج أبحاثها الفلكية الخاصة بما يحمله الكون العظيم من أسرار، لم تكتشف من قبل، فضلاً عن قيام هذه المركبات بنقل السياح الراغبين في الرحلات الفضائية داخل هذه المحطات، أو في الفنادق التي ستقام مستقبلاً، فضلاً عن بناء منصات تدور حول الأرض والقمر والمريخ، تقوم بتزويد هذه المركبات بالوقود وإصلاح أية أعطال تحدث لها عند الضرورة.

وكبداية لبناء قواعد دائمة فوق سطح القمر الذي يبعد عنا 384 ألف كيلومتر تقريبًا، ثم المريخ الذي يبعد 207 مليون كيلومتر، عندما يكون في أقرب مدار له من الأرض، يتوقع المخططون إرسال بعثات من الروبوتات تستكشف القمر، تنشئ أولى القواعد عليه، حاملة جميع الوسائل التي تتيح إمكانية الحياة البشرية بداخلها، بما في ذلك الهواء والماء والزراعة القمرية والخطط المتصلة بمحاولة تغيير بيئة القمر المناخية في إحدى مناطقه، لتكون صالحة لحياة البشر، والأمر نفسه ينطبق على البيئة المريخية.

القمر مختبر لتكنولوجيا السفر

في النصف الثاني من القرن الحالي، يتوقع العلماء أن يكون القمر بمثابة مختبر لتطوير تكنولوجيا السفر إلى أماكن فضائية بعيدة، واستخدام المواد القمرية لصنع منتجات عديدة. ومن أغرب الخطط والتوقعات، هو الكشف عن أسرار قمر المريخ فوبوس، وهو أكبر القمرين الصغيرين اللذين يدوران حول المريخ.

ويوصف هذا القمر بأنه أحد الألغاز التي حيرت العلماء زمنًا طويلاً، فهو قمر يتحرك بطريقة مماثلة لحركة الأقمار الصناعية التي تدور في مدارات منخفضة، ومثل هذا السلوك لا يحدث إلا إذا كان هذا القمر أجوف، أي أشبه بالبالون أو الفقاعة. ومعنى القمر أجوف؛ أن يكون من صنع حضارة مريخية قديمة كانت موجودة منذ ملايين السنين، واختفت في ظروف غامضة.

ومع ظهور هذا الافتراض في الستينات من القرن الماضي، نشرت الصحف والمجلات العلمية عناوينه بحروف بارزة كبيرة وهللت له، لكن العلماء الذين وصلوا إلى هذا الافتراض لم يطلقوا أية تصريحات قاطعة، وإنما أعلنوا أن هذا الموضوع يحتاج إلى المزيد من البحث لتغير غرائب هذا القمر، إلا أن الصور التي التقطتها سفينة الفضاء الأمريكية “رنر 9” أشارت إلى أن قمري المريخ ديموس وفوبوس، يشبهان جلمودين كبيرين من الصخر يصعب اعتبار أحدهما من الأقمار الصناعية، ومن المستحيل قبول مثل هذا الافتراض.

ومع التخطيط لبرنامج هذا القرن الجديد تغيرت النظرة للقمر فوبوس، بدلاً من اعتباره قمرًا صناعيًّا وهميًّا لمخلوقات المريخ، اكتشفت السفن التي اقتربت من المريخ أنه يحتوي على ثروات معدنية، وقد يكون غنيًّا بالماء أيضا، الأمر الذي يستلزم إنزال حفار ضخم على سطحه، يقوم بالتنقيب عن ثرواته، والاستفادة منها في صنع وقود السفن والقواعد المريخية بما تحتاجه، فتركيبه يشير إلى وجود الماء فيه على صورة جليد، مما يجعله موقعًا محتملاً ليكون خزانًا للوقود، يغذي السفن الفضائية التي تسير بالهيدروجين والأوكسجين.

من‭ ‬مشاريع‭ ‬القرن‭ ‬الجديد،‭ ‬إنشاء‭ ‬مرافق‭ ‬إنتاجية‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬وفوق‭ ‬أسطح‭ ‬الكواكب‭ ‬والأقمار‭ ‬الأخرى‭ ‬تعمل‭ ‬بالطاقة‭ ‬الشمسية،‭ ‬بل‭ ‬وإطلاق‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأقمار‭ ‬وظيفتها‭ ‬إرسال‭ ‬الفائض‭ ‬من‭ ‬طاقة‭ ‬الشمس‭ ‬إلى‭ ‬الأرض‭.‬

ومن بين تصورات أو برامج اللجنة الأمريكية لمشاريع القرن الجديد، إنشاء مرافق إنتاجية متعددة في الفضاء وفوق أسطح الكواكب والأقمار الأخرى تعمل بالطاقة الشمسية، بل وإطلاق مجموعة من الأقمار تكون وظيفتها الرئيسية إرسال الفائض من طاقة الشمس إلى الأرض.

في الفضاء إكسير الشباب الدائم

اختتمت اللجنة تقريرها، بأنه كلما ابتعدنا عن كوكب الأرض ومكثنا مدة أطول في الفضاء، وأقمنا المحطات والمنصات الفضائية، ستظهر أمامنا مهام أخرى تحمل الكثير من الأمل، وربما تقدم للبشرية في المستقبل كل ما عجزت عن تحقيقه أحلام وعلماء القرون الماضية في العثور على إكسير الشباب الدائم، أو على الأقل القادر على إطالة مرحلة الشباب دون عقاقير كيميائية.

ومن المعروف أنه في عام 1974م نشر العالم الأمريكي “بيتر جلندز” دراسة مهمة، اقترح فيها الحصول على طاقة وفيرة من الفضاء، عن طريق نشر خلايا شمسية محمولة على أقمار صناعية على ارتفاع 36 ألف كيلومتر، لإمداد الأرض بالطاقة على مدى 24 ساعة يوميًّا.

ففي الفضاء البعيد ليست هناك سحب تحجب الشمس، ولا ابتعاد عن هذه الأشعة المتدفقة باستمرار، فإذا أمكن نقل هذه الطاقة إلى الأرض، فإن ذلك سيضمن للبشرية مصدرًا لا ينفد من الطاقة النظيفة، وحل مشكلة نفاد المصادر التقليدية للطاقة من بترول وفحم، وتجنب مخاطر محطات الطاقة المعتمدة على الوقود النووي، وما يخلفه من نفايات خطرة.

هذه الفكرة طواها النسيان زمنًا طويلاً، إلى أن عاد إليها مؤخرًا فريق من العلماء بجامعة نيويورك الأمريكية، وشرحوا التفاصيل التقنية التي تضمن تحقيق هذا الهدف. يقول العالم الأمريكي “مارتن هوير” المشرف على هذا الاتجاه الجديد، إن الفكرة الرئيسية التي نعتمد عليها، هي تجميع الطاقة الشمسية من الفضاء على هيئة شعاع، وتوجيهه إلكترونيًّا إلى مستقبلات على الأرض. فالخلايا الضوئية المنتشرة على سطح القمر الصناعي، تحول ضوء الشمس إلى تيار كهربائي يشغل مولد ميكروويف، يقوم بإطلاق هذا الشعاع الحامل للطاقة إلى الأرض، ليتم تجميع الطاقة الكهربائي واستخلاصها وتوزيعها إلى مناطق مختلفة من العالم.

لكن هذا المشروع الكبير تعترضه الآن النفقات الباهظة، فإرسال الطاقة من الفضاء يستلزم وجود مرسلات من الفضاء، قطر الواحدة يصل إلى كيلومتر، في حين تصل أجهزة وقنوات الاستقبال، إلى أقطار وأحجام كبيرة وتعقيدات كثيرة، تكلف البلايين من الدولارات.

الأمر الذي يعترف معه العلماء بأن التقنية المتاحة الآن، لن تسهم في تخفيض النفقات، وينبغي النظر إلى هذا المشروع باعتباره إمكانية متاحة للحياة البشرية في المستقبل، ليكون بديلاً لمصادر الطاقة المستخدمة الآن.

البدائل المستقبلية

قد يسأل البعض، لماذا لا نستفيد من التطورات الجارية في ميدان الحصول على الطاقة الوفيرة من أشعة الشمس على الأرض؟ الحقيقة أنه رغم النجاح البارز في تقنية توليد الطاقة الشمسية من مراكز تجميع الخلايا الضوئية في عدد كبير من مناطق العالم، فإن هناك مشكلة معروفة هي تقطع سطوع الشمس بسبب السحب أو الليل.

الأمر الذي يستلزم تخزين طاقتها والاستفادة منها أثناء انقطاع المصدر الرئيس ليلاً وهو الشمس، مما يستلزم نفقات باهظة. أما في الفضاء فلا سحب تحجب الشمس، وشعاع الميكروويف الحامل للطاقة يخترق جو الأرض ويمكن سحبه بسهولة.

وإذا كان هذا المشروع يدخل في نطاق البدائل المستقبلية للطاقة الكهربائية، فإن هناك العديد من المشروعات الأخرى، تتصل أيضا بعالم الفضاء؛ من بينها ابتكار طرق جديدة للبحث عن أي شكل للحياة في الكواكب التي تبعد عنا عشرات السنين الضوئية.

ذلك أن السنوات العشر الماضية، شهدت اكتشاف عدد كبير من الكواكب التابعة لنجوم أو شموس أخرى؛ من بينها مجموعة شمسية جديدة، تعتبر أول نظام لعدد من الكواكب، تدور حول الشمس بعيدة مثلما تدور كواكب مجموعتنا الشمسية حول مركز واحد.

هذه الاكتشافات، بعثت الأمل في نفوس الباحثين عن حياة خارج كواكبنا المعروفة، فبعد نجاح علماء الفلك في اكتشاف العديد من الكواكب المفردة تدور حول نجمها الشمس، جاءت المفاجأة المفرحة المتمثلة في نجم تدور حوله ثلاثة كواكب، يبعد عنا 44 سنة ضوئية، ويعتبر أول نظام كوكبي يصل إليه العلماء، بعيدًا عن الكواكب والشمس.

وعبر البروفيسور “روبرت مانس” مدير مرصد جرينتش في بريطانيا، عن أسباب فرحته بهذا الاكتشاف قائلاً: “إن العثور على أكثر من كوكب يدور حول نجم غير نجمنا الشمسي، هو شيء رائع؛ لأنه يعني وجود نظم شمسية أخرى يمكن اكتشافها، ثم البحث عما قد تحمله من أشكال بدائية، أو متطورة للحياة”.

والسؤال المهم هو: كيف يستطيع العلماء معرفة ما تحمله هذه الكواكب من حياة أو صحاري قاحلة بلا أدني حد، لتوفير ظروف الحياة فيها؟

هناك أسلوب جديد يعتمد على محاولة اكتشاف الأوكسجين في أجواء هذه الكواكب. فمن الممكن الآن -بفضل أجهزة العلم المتقدمة- التقاط إشارة من خلال الضوء الأحمر المرئي المنعكس عن الكواكب، كدليل على احتمال وجود حياة هناك.

لقد استطاع مرصد الفضاء هابل، تسجيل الطيف المميز للأوكسجين على الأرض، من خلال تمييزه بين الدرجات المختلفة للضوء القادم من الأرض. ومن الممكن طبعًا أن يوجد الأوكسجين على كوكب بعيد من دون أن توجد حياة عليه.

لكن مجرد ابتكار أجهزة قادرة على التمييز بين كواكب تحمل الأوكسجين في جوها، وكواكب أخرى محرومة منه، خطوة مهمة إلى الأمام في ميدان قديم متجدد ومثير وهو البحث عن الحياة خارج مجموعتنا الشمسية. 

المراجع

(1) Virtual Reality Teah, By Lyndad Jakween.

(2) Janes’s Intelligence Review, 10/ 2020.

(3)Alexpers Magazine, 12/ 2020.

(2) Presence Magazine, 1 /2019.