إن العقل هو الأساس الذي وجَّه الإرادة التي وهبها الله للإنسان نحو استخلافه في أرضه، فتحمّل بذلك مسؤولية الأمانة التي تعد تشريفًا وتكليفًا. إن لعقل الإنسان حدودًا يتوقف عندها ولا يتجاوزها إلا بالاستناد على الدين. وثنائية العقل والدين هذه، ثنائية خطيرة ومهمة، فإذا اختلت هذه الثنائية لا شك ستنتج عنها سلبيات كثيرة، وإذا استقامت وصار الدين والعقل دون افتراق، فلا شك أن ذلك سيحقق التوازن ليس في جانب العبادات فقط، بل في المعاملات بالدرجة الأولى؛ حيث التفاعل الأكثر يكون بين الأفراد والجماعات، ولا بد من ميزان لهذا التفاعل، وهذا الميزان هو العقل والدين.

العقل والدين

لكي يتمكن كل إنسان من القيام بدوره على الأرض، ولكي يصل إلى الخير الحقيقي، عليه بذل كل قواه من أجل الفهم الكامل لكل القواعد الدينية التي يعيش على أساسها.

لقد حبا الله الإنسان وسيلة هامة، بواسطتها يتعرف على نفسه، ويكتشف علاقته بالعالم، وما من وسيلة أخرى سواها، وهي “العقل”، ثم يقال له فجأة إن هذه الوسيلة يمكنه أن يستخدمها في تفهُّم واستجلاء مشكلاته المنزلية والأسرية والاقتصادية والسياسية والعلمية، وليس في استجلاء الحقائق الأكثر أهمية، التي تتوقف عليها حياته بأكملها، بل ويتوجب عليه أن يستجلي هذه القضايا بعيدًا عن العقل، لكنه لا يمكنه استجلاء شيء دون العقل. ثم يقال له تعامل مع هذه المسائل عن طريق الإيمان بالوحي، لكن الإنسان لا يمكنه أن يؤمن بمنأى عن العقل.

لذلك يؤكد “تولستوي” على أن الإنسان إذا كان يؤمن بشيء ولا يؤمن بآخر، فالسبب الوحيد هو أن عقله يحدّثه بوجوب عدم الإيمان بهذا، ووجوب الإيمان بذاك. وعليه، فالقول بأن العقل يجب أن لا يقود الإنسان، يماثل قولنا في الإنسان الذي يسير في الظلام تحت الأرض حاملاً مصباحًا: لكي تتمكن من الخروج من الظلام، يجب أن تُطفئ المصباح، وإن الضوء لن يقودك بل شيء آخر.

ومن المحتمل أن يقال: إن البشر لم يمنحهم الله جميعًا عقلاً ذكيًّا وقدرات خاصة يمكنهم بها أن يُعبِّروا عن أفكارهم، لذلك سينقادون إلى الضلال إن استخدموا العقل. بينما الإنجيل يجيب: “لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلَنْتَها للأطفال”؛ هذه العبارة حسب “تولستوي” لا تحمل أي نوع من المبالغة أو الرمزية كما يفهم الناس كثيرًا من عبارات الإنجيل التي لا تروق لهم. لكنها تأكيد على أكثر الحقائق بساطة وثبوتًا، وهي أن كل مخلوق في هذا العالم قد حباه الله قانونًا يجب أن يعيش وفقًا له.

إن‭ ‬محاولات‭ ‬تأسيس‭ ‬الأخلاق‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الدين،‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬الأطفال‭ ‬حين‭ ‬يودون‭ ‬نقل‭ ‬نبتة‭ ‬يحبونها‭ ‬من‭ ‬مكانها،‭ ‬فيقتلعونها‭ ‬من‭ ‬جذورها‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬لهم‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬ضرورية،‭ ‬ويزرعونها‭ ‬دون‭ ‬جذور‭ ‬في‭ ‬الأرض‭.‬

ولكي يتعرف على هذا القانون؛ منح الله كل مخلوق الأدوات المناسبة التي يمكنه أن يستخدمها في التعرّف عليه. حبا الله كل إنسان العقل، وفي داخله القانون الذي يجب على الإنسان أن يعيش وفقًا له، يُحجب هذا القانون فقط عن البشر الذي لا يودّون أن يعيشوا وفقًا له، وكي يفعلوا هذا ينكرون دور العقل، وبدلاً من أن يستخدموه في التعرّف على هذه الحقائق، يلجأون إلى التسليم بإيمان بشر آخرين رفضوا العقل.

ويعتقد هنا “تولستوي” أن عملية الفهم التي يقوم بها الإنسان كي يفهم الحقيقة الدينية التي تناسبه، ويُعبر عنها بالكلمات، تُعد من أهم وأقدس الأعمال التي قد يقوم بها كل إنسان، بغض النظر عن الضالة التي يرى الإنسان بها نفسه أو يراه بها الآخرون. فالأدنى قد يكون الأعظم، والتعبير بالكلمات علامة على الفهم الكامل والواضح للفكرة، وذلك لأن العقل من الله ولا يمكن أن يكون كاذبًا. لهذا، ولكي نتعرف على الحقيقة التي نعبر عنها، ولا تلزمنا على الإطلاق أي قدرات عقلية رفيعة، بل علينا فقط أن نثق في العقل؛ ليس فقط لأنه أعظم هبات الله للإنسان، لكنه أيضًا الأداة الوحيدة لدى الإنسان كي يتعرّف علي الحقيقة.

الدين والأخلاق

يتساءل “تولستوي”، ما الذي أفهمه من الدين؟ يقول: يمكنني أن أجيب أن الدين هو الذي يؤسس العلاقة بين الإنسان والعالم الأبدي غير المحدود من جهة، وبين الإنسان وخالق هذا العالم ومصدره من جهة أخرى.

إن الأخلاق لا يمكن أن تتأسس بمعزل عن الدين؛ ليس فقط لأنها تنتج عنه وعن مفهوم العلاقة التي تربط الإنسان بالعالم، بل أيضًا لأنها تتضمن بداخلها روح الدين ومقتضياته.

وتُشكل كل ديانة محاولة الإجابة عن سؤال ما معنى حياتي؟ وتتضمن الإجابة الدينية في داخلها مطالب أخلاقية معينة قد تسبق أو تلحق بتفسير معنى الحياة. قد تكون الإجابة عن معنى الحياة كالآتي: يتأسس معنى الحياة على المنفعة الشخصية، لذا استغل كل ما يروق لك في الحياة. وقد تكون الإجابة: يتمثل معنى الحياة في منفعة مجموعة من الأشخاص، لذا اخدمْ هذه المجموعة بكل قوتك. وقد تكون الإجابة: معنى الحياة يتمثل في أن تتحقق إرادته وتحقيقها.

ويحوي تفسير الدين لمعنى الحياة بداخله، النموذج الأخلاقي، لذلك لا يمكن أن تتأسس الأخلاق بمعزل عن الدين. هذه الحقيقة جلية في المحاولات الفلسفية التي قام بها بعض الفلاسفة غير المسحيين، كي يؤسسوا نظامًا أخلاقيًّا ساميًا في فلسفاتهم. يعتقد هؤلاء الفلاسفة أن الأخلاقيات المسيحية ضرورية، وأنه لا يمكن العيش دونها، ويحاولون أن يربطوا بينها وبين فلسفاتهم غير المسيحية، بل ويحاولون تقديم الأمر كما لو أن الأخلاقيات المسيحية تنبع من فلسفاتهم الوثنية. يحاولون القيام بذلك، ولكن هذه المحاولة تبدو غير موفقة، فلا يقتصر الأمر على أن تلك الأخلاقيات لا تبدو نابعة من هذه الفلسفات، بل تبدو أيضًا مناقضة لفلسفات المنفعة الشخصية أو التحرر من المعاناة الشخصية.

إن الأخلاقية المسيحية -حسب تولستوي- التي تنبع من وجهة نظر الدين للحياة كما نعرفها، لا تتطلب فقط التضحية بالمصالح الفردية من أجل مصالح مجموعة من الأشخاص، بل تتطلب نكران الذات الفردية من أجل خدمة الله.

إذن، لكي نصل إلى قناعة بأن الناس سواسية، وأنه من الأفضل للإنسان أن يمنح حياته كلها من أجل خدمة الآخرين بدلاً من أن يجبرهم على خدمته، فهذا يحتاج أولاً من الإنسان أن يحدد علاقته بالعالم، ويحتاج إلى أن يدرك أنه ليس بوسعه فعل شيء بالنسبة لهذا الأمر، فهذا وضعه في العالم؛ لأن هدف حياته ينحصر فقط في تنفيذ مشيئة مَن أرسله، وقد منحه هذه الحياة كي يخدم الآخرين. الدين وحده هو الذي يمكنه أن يمنح الإنسان هذا المعنى.

إذن، إن محاولات تأسيس الأخلاق بمعزل عن الدين، تشبه ما يفعله الأطفال حين يودون نقل نبتة يحبونها من مكانها، فيقتلعونها من جذورها التي تبدو لهم أنها غير ضرورية، ويزرعونها دون جذور في الأرض. دون أساس ديني لا يمكن أبدًا أن تتأسس أخلاقية حقيقية غير مُلفّقة، كما أنه دون جذور لا يمكن أن ينمو نبات فعلاً.

وختم “تولستوي” هذه المسألة بالقول: من المستحيل على أي إنسان يحيا في مجتمعنا الآن، أن يحيا حياة صالحة دون أن يهجر الظروف التي يفعل بداخلها الشر، ومن المستحيل أن يحيا حياة صالحة دون أن يتوقف عن فعل الشر. والقضاء على الشر يكون بالحب؛ فكلما ازداد حب الآخرين والعناية بهم والاعتراف بهم، صارت الحياة أكثر صلاحًا وتعايشًا واستقرارًا.

جوهرية الدين

“يعالج العلم كل شيء ضروري لنا، ولا بد أن يقود حياتنا علم واحد فقط”؛ يعلق “تولستوي” على هذه المقولة: هكذا يفكر ويعلن كثير من العلماء، والجموع التي تود -مع بُعدها الكامل عن العلم- أن تؤمن بالعلماء، يؤكدون على أن الدين ما هو سوى أساطير بالية، وأن حياتنا يجب أن تسترشد بالعلم وحده. وهذا في الواقع محض هراء؛ لأن العلم طبقًا لأهدافه المتمثلة في فحص كل الموجودات، لا يمكنه أن يرشد حياة البشر لأي شيء.

لهذا، فالدين بتعبير الفرنسي ريفيل ألبرت: هو تعريف للحياة الإنسانية عن طريقة علاقة الروح الإنسانية بالروح الغامضة التي يشعر بها الإنسان تهيمن على العالم وعليه هو شخصيًّا، والتي يشعر الإنسان أنه متوحد معها.

هكذا فهم الناس الدين، وحتى الآن أولئك الذين لم يُحرموا من سمة الإنسان العليا دائمًا ما أدركوا الدين على أنه العلاقة التي تتأسس بين الإنسان والكائن أو الكائنات اللانهائية، التي يشعر بسلطتها في نفسه. هذه العلاقة التي لم تختلف أبدًا من وقت لآخر أو من مكان لآخر، دائما ما تُرشد البشر إلى دورهم في هذا العالم، والتي تنبع منه بشكل تلقائي محددات سلوكياتهم.

فالدين كان وما يزال حتى الآن، هو القلب المحرك الرئيس لحياة المجتمعات الإنسانية، ودونه لا يمكن لحياة عاقلة أن تنشأ. لقد تعددت الأديان منذ الماضي وحتى الآن؛ وذلك لأن التعبير عن طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان واللانهائي مختلفة من زمان لآخر، وحسب درجة تطور الشعوب المختلفة، ولكن لم يحدث أبدًا لأي شعب من الشعوب -منذ أن تمتع الإنسان بالعقل- أن عاش دون دين.

اعتبارًا لقيمة الدين وأهميته يقول “تولستوي”، إنه إن لم يتعامل البشر بشكل ديني مع بعضهم البعض، فسيظل تحقيق الصالح الشخصي لكل منهم مدعاة لشقاء حياة الآخرين.

ويواصل “تولستوي” مبينًا قيمة الدين بالقول: ولأن الإنسان الديني يعلم ما في تصرفاته وتصرفات الآخرين من طيِّب وشرير، ولما هو طيب أو شرير، فإن وجد تناقضًا بين متطلبات عقله وتصرفاته أو تصرفات الآخرين، يبذل كافة قواه العقلية كي يجد وسيلة لإزالة هذا التناقض، فيتعلم أفضل السبل لتوافق أفعاله متطلبات عقله. بينما غير الديني، ليست لديه أي أداة ترشده لتحديد مدى جدارة الأفعال المختلفة بشكل منفصل عن السرور الذي تجلبه هذه الأفعال، وبينما يتبنى ما تقدمه مشاعره عليه -وهي غالبًا مشاعر متناقضة ومختلفة تمامًا- فإنه يسقط في التناقض لا محالة، وبعدها يحاول أن يحل هذه التناقضات أو يخفيها بذكاء سواء أكثر أو أقل تعقيدًا، ولكن دائمًا ما يحدث هذا عبر حجج وبراهين مزيفة. وبينما حجج الدينيين دائمًا ما تكون بسيطة غير معقدة وحقيقية، فالنشاط العقلي لغير الدينيين يكون صعبًا ومعقدًا.

فالدين ليس إيمانًا يتأسس مرة واحدة في العمر كالخرافات والطقوس العبثية، ولا أيضًا بقايا الخرافات الهمجية القديمة التي ليس لديها أي معنى في حياتنا اليوم، بل يشكل الدين علاقة الإنسان بالله، القابلة للتطوير بشكل يتفق ومعارف الإنسان، وهذه العلاقة من شأنها أن تحرك الإنسانية للأمام صوب الهدف المنشود.

إن “قلب الإنسان مصباح إلهي”، هكذا تقول حكمة قديمة. الإنسان ضعيف، كائن بائس طالما لا يشع بقلبه نور الله. ولكن عندما يشع هذا الضوء في داخله بتأثير الدين، يصبح أقوى مخلوقات الكون. ولا يمكن أن يحدث هذا بطريقة أخرى؛ لأن القوة التي تسري في قلبه في هذا الوقت ليست قواه، وإنما قوة الله. هذا هو الدين، وهذا هو جوهره.