يبدو أن المفاهيم الطبية الجديدة، والاستخدام الأفضل للعقاقير والعلاج النفسي الخاص، قد فتحت آفاقًا جديدة لهــؤلاء الذين يعانون من الاكتئاب في كثير من دول العالم. ففي الولايات المتحدة تجتاح الأوساط الطبية فرحة عارمة بعد أن بدت بالأفق هزيمة واحد من أهم الأمراض النفسية وأكثرها شيوعًا وأقلهـا فهمًا وهو “الاكتئاب”، فيقول “رودلف إيرنسنج” رئيس قسم الطـب النفسي بولاية لويزيانا الأمريكية، بأن التقدم في عــلاج الاكتئاب، جعل المرض أقرب إلى الزكام في دائرة الأمراض النفسية.

لم يعد البوتكس المعروف علميًّا باسم “بوتولينيوم توكسين” يستخدم فقط في تجميل الجلد لإخفاء التجاعيد، فقد أظهرت دراسة حديثة وجود علاقة بين البوتكس ومنع عضلات الوجه من العبوس، الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى نجاح فعالية الأدوية المضادة للاكتئاب، والسبب في ذلك أن حقن الجلد بالبوتكس، يمنع إرسال الإشارات السلبية (العبوس) من الأنسجة العضلية الوجهية، إلى الدماغ، مما يساعد الأشخاص الذين يعانون الاكتئاب، والذين لا يستجيبون للأدوية المضادة للاكتئاب، في التماثل للشفاء.

لقد أظهرت الدراسة أن المجموعة التي أعطيت خمس حقن من البوتكس في المنطقة الواقعة بين الحاجبين، قد انخفضت لديهم أعراض الاكتئاب بشكل ملحوظ جدًّا بنسبة 47% عما كانت عليه قبل ستة أسابيع. وهذا التحسن استمر لمدة 16 أسبوعًا، وهي المدة التي أجريت خلالها هذه الدراسة.

وتاريخيًّا، فإن هذا المرض أخذ حظًّا وفيرًا من الشهرة، فقد عانى منه الرئيس الأمريكي الراحل “إبراهام لنكولن”، وملكة بريطانيا “إليزابيث الأولى”، والرئيس الإيطالي “جيو كشنيو روسيني”. ولم يكن هناك شفاء لهم طوال صراعهم لمقاومة مرض الاكتئاب الذي ينظر إليه على أنه مرض شامل للاضطرابات والأعراض التي تتنوع بين الحزن والإحساس بقلة الاحترام الذاتي وعدم القابلية للنوم، وفقدان الشهية.

ورغم بقاء أسباب الاكتئاب سرًّا مجهولاً، فإن التشخيص الآن يتم طبقًا لوسائل حديثة توضح حالة الاكتئاب بأسلوب الطيف الذي تندرج أعراضه من الحزن إلى انخفاض التقدير الذاتي، ومن حدة الطبع إلى فقدان الأمل، ومن ضعف الاهتمام بالهوايات إلى النوم المضطرب، ومن اضطرابات الشهية إلى فقدان الطاقة وصعوبة التركيز وهجوم الأفكار السوداء. وتختلف أنواع الاكتئاب الذهني اختلافًا واسعًا، ففي نهاية تدرجها يوجد أشدها، وهو ذلك النوع المزمن الذي يأتي في معظم الحالات مصحوبًا بتغييرات كيميائية شاذة في المخ.

أثبتت‭ ‬أبحاث‭ ‬علمية‭ ‬كثيرة‭ ‬أن‭ ‬الاكتئاب‭ ‬النفسي‭ ‬سبب‭ ‬ماشر‭ ‬ومؤثر‭ ‬على‭ ‬أفكارنا‭ ‬وقدراتنا‭ ‬المعرفية‭ ‬والذهنية،‭ ‬ويسبب‭ ‬وصف‭ ‬الأفكار‭ ‬بأنها‭ ‬سلبية‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬المريض‭ ‬ومستقبله‭ ‬وماضيه‭ ‬ومن‭ ‬حوله‭.‬

لقد توصلت مجموعة من الباحثين إلى أن بعض حالات الاكتئاب الوراثي، يعاني أصحابها من نقص في بعض خلايا المخ، فيقول “جوزيف برايس” أستاذ المخ والأعصاب بجامعة واشنطن: “إن الاكتشاف الذي توصل إليه بالاشتراك مع فريق بحثي، قد يؤدي إلى اتباع طرق جديدة لعلاج أنواع كثيرة من الاكتئاب وتحديد الاختلافات والفروق الجوهرية بين مرضى الاكتئاب، الذين يؤكد التاريخ العائلي إصابة أقاربهم بهذا المرض، وبين غيرهم من مرضى الاكتئاب”.

كما أوضح إمكانية تغيير أسلوب العلاج والعقاقير التي تعطى في مثل هذه الحالات. وقد توصل الفريق البحثي من خلال دراساته، إلى أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب الوراثي، يعانون من قلة نشاط وفاعلية أحد أجزاء المخ الموجودة في القشرة المخية الأمامية.

من الجدير بالذكر أن هذا الجزء لدى الإنسان، يصل إلى حجم ظفر الإبهام، ولكنه أقل حجمًا لدى المصابين بالاكتئاب الوراثي، ويوجد موقعه خلف منتصف الجبهة.

وقد قام “برايس بمقارنة عدد خلايا المخ في هذا الجزء، بين الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الحالة المزاجية والأصحاء، فوجد فروقًا عديدة لدى كثير من المرضى في عدد من الخلايا المسؤولة عن “الموصلات العصبية” وعن إفراز “السيروتونين” الذي يتحكم في الحالة المزاجية للإنسان. وقد أكد برايس أن هذا العجز في عدد خلايا المخ، يرتبط بالفروق الجينية التي تجعل بعض الأشخاص أكثر استعدادًا للإصابة بالاكتئاب من غيرهم.

إدماج علاجين

إن الاكتئاب يبدأ بالحزن، وكما يقول الدكتور “كيث برودي” في جامعة ديوك الأمريكية: “نحن لا نعرف ما إذا كان العقل الذي تجتاحه الأفكار الكئيبة يعاني بسبب تأثير هذه الأفكار وقدرتها على إحداث التغيرات الكيميائية البيولوجية، أم أن عدم التوازن الكيميائي في المخ، هو المتسبب في الاكتئاب الفكري”.

استطاعت الرؤية الطبية الجديدة للاكتئاب، إدراك أن بعض السمات تبدو ملتصقة ببعض العائلات. وإن الدكتورة “ميرنا ويسمان” مديرة وحدة أبحاث الاكتئاب بجامعة ييل تقول: “إن الاكتئاب أمر عائلي، فإذا كان أحد الوالدين مكتئبًا، فإن احتمالات إصابة الأطفال بالاكتئاب تزداد من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف. وإن كان الوالدان معًا مكتئبين، فإن الفرصة للإصابة بالمرض لدى الأطفال تزيد من أربعة إلى ستة أمثال”.

وطبقًا للدراسات الأخيرة، تبين أن سنوات الذروة لاضطرابات الاكتئاب، تحدث ما بين سن 25 إلى 44، مع انحراف هام في تفشي المرض بعد سن الستين، إلا أن المرض قد يصيب الأطفال والناشئين.

ويوضح الدكتور “دونالد ماكينرو” في المعهد الإكلينيكي الأمريكي، أن الناس لا يريدون أن يواجهوا الحقيقة، وهي أن الصغار قد يصابون بالاكتئاب بدرجة يمكن التنبؤ بها، وحوالي نصف الصغار المصابين بالاكتئاب عندهم بواعث للانتحار، رغم أنهم عادة لا يحاولون ذلك حتى سن الخامسة عشرة.

يقول الدكتور “جودوين” من المعهد القومي الأمريكي للصحة العقلية: “أي شخص منا يمكن أن تظهر عليه أعراض الاكتئاب ليوم أو اثنين، كأن يقول أنا لا أستطيع النوم، أو أشعر بالأرق وعدم الراحة”. ولكن ما يقرر درجة حدة الاكتئاب هو دوام الأعراض، فإذا استمرت لأكثر من أسبوعين، فليزم تقديم المساعدة للمريض بعرضه على طبيب متخصص.

ومع اتساع المجالات المتاحة لعلاج الاكتئاب، فإن الطبيب المعالج عليه أن يقرر الشكل العلاجي المناسب للمريض؛ إذ يوجد حوالي 250 شكلاً مختلفًا من العلاج النفسي المتاح، بدءًا من العلاج السلوكي إلى التنويم المغناطيسي إلى العقاقير التي تحدث ردود فعل كيميائية في العقل، حيث تتوالد الاستجابات العاطفية ويستغرق ذلك أسبوعين يبدأ بعدها المريض في التخلص من الاكتئاب.

إن العلاج السلوكي، مفهوم حديث نسبيًّا في علاج الأمراض النفسية، ظهر في منتصف السبعينيات، وفي نهاية هذا العقد بدأت تظهر الأبحاث العلمية في هذا المجال، وبدأ يحقق انتشارًا ونجاحًا ملحوظًا في علاج هذه النوعية من الأمراض.

العلاج المعرفي

والعلاج المعرفي هو الأحدث والأكثر تطبيقًا في مختلف الأمراض النفسية، ويعتبر الدكتور “أرون يك” والدكتور “ألبرت أليس” من أهم الشخصيات التي قامت بتطوير العلاج المعرفي. ومنذ بداية السبعينات بدأ استخدام العلاج المعرفي في أفرع الطب المختلفة غير الطب النفسي.

ويمكن تعريف هذا العلاج، بأنه نوع من العلاجات النفسية الحوارية أو الكلامية، وفيه يحاول الطبيب المعالج تعديل طريقة تفكير الشخص عن طريق التركيز على مشكلته الحالية، ومحاولة مناقشتها بينهما بطريقة موضوعية وحكيمة، مع مناقشة كافة الاحتمالات السيئة منها والجيدة، وذلك خلال عدد محدود من الجلسات العلاجية النفسية لا يزيد عددها عن 20 جلسة.

وهناك طريق علاجي آخر قصيرالأمد ومؤثر، وهو العلاج النفسي الذاتي، حيث يقوم المرضى بتعلم كيفية تصريف الأمور في حياتهم الشخصية وتجاوز المحنة، مثلاً، عند فقد شخص عزيز بالموت أو الطلاق، والمجادلات العنيفة في العلاقات الزوجية، أو التغيرات الهائلة في الحياة، كالخروج إلى التقاعد أو رحيل أشخاص أعزاء من المنزل.

إن العلاج السلوكي لحالات اضطربات الوجدان والعاطفة ومنها الاكتئاب، يعتمد على فرض أن الاستجابات العاطفية، والمشاعر ما هي إلا نتيجة للتفسيرات والمعاني التي تعطيها لنا خبراتنا.

ففرض الأفكار على قدراتنا الذهنية هي السبب المباشر للتفاعلات العاطفية، وقد يأتي الاكتئاب نتيجة لهذه الأفكار الذهنية والمعرفية. وهناك فرض آخر وهو أن هذه الأفكار المعرفية السلبية التي تميز مرض الاكتئاب، تكون نتيجة لهذا الاكتئاب نفسه وليست سببًا مباشرًا له.

وهناك أبحاث علمية كثيرة أثبتت هذا الأمر، وهو أن الاكتئاب النفسي سبب ماشر ومؤثر على أفكارنا وقدراتنا المعرفية والذهنية، ويسبب وصف الأفكار بأنها سلبية فيما يخص المريض ومستقبله وماضيه ومن حوله.

الجدولة والاستجابة

الفكرة الأساسية في معالجة حالات الاكتئاب، هي مساعدة المريض على إعادة برمجة أفكاره ومعتقداته السلبية، إلى أفكار مفرحة، وذلك باستخدام الواجب المنزلي لاختبار مصداقية هذه الأفكار وتفسيراتها. والواجب المنزلي يساعد على تجميع معلومات للمناقشة في جلسات العلاج، ويجب على المعالج قبل بدء العلاج، شرح ماهية العلاج والغرض منه.

العلاج المعرفي يمنح تعويضًا للأخطاء والغلطات التي يسببها التفسير الاكتئابي للأحداث، وهذا يتحقق أولاً بإعطاء المريض الطرق التي يستطيع بها معالجة التعامل والتكيف مع أعراض الاكتئاب. وأيضًا يجعل المريض مدركًا أنه يتسبب في حدوث هذه التفاسير بنفسه ويخطئ في حكمه على الأحداث بسبب الحيرة والاكتئاب.

وقد أثبتت الأبحاث العلمية دور العلاج المعرفي في تقليل الإصابة بالاكتئاب، بمنع حدوث الاضطرابات البسيطة بالمزاج، التي تحدث اضطرابات معرفية جسيمة تؤدي إلى حدوث الاكتئاب. كما يتحقق ذلك أيضًا بعدم حدوث زيادة في التفكير السلبي أو الشعور بعدم المساعدة وانعدام الأمل.

وتشير دراسة للمعهد القومي للصحة النفسية بأمريكا استغرقت خمس سنوات، أجريت على 240 مريضًا في ستة مراكز طبية لمقارنة نوعي العلاج، وهما الاتصال الشخصي والاتصال المباشر ومقارنتهما بالعلاج بالعقاقير على مرضى تم تشخيص حالاتهم على أنها اكتئاب شديد، إلا أن كثيرًا من المرضى لا يحتاجون إلا إلى معالجة نفسية، فغالبًا ما يرجع اكتئابهم إلى ضغوط بيئية أو أزمات في الحياة وهو ما يوصف بالاكتئاب المتفاعل.

ويؤكد العلماء أنه توجد في الأفق عدة اختبارات عملية للتشخيص، ففي جامعة ميتشجان قام الدكتور “برنارد سمارول” باستنباط اختبار يمكن بواسطته التعرف على المرضى ذوي الاكتئاب الحاد، الذين تولدت لديهم إفرازات هرمونية غير طبيعية.

وفي جامعة بنسلفانيا استخدم الدكتور “دافيد كوبريف”، التغيرات المختلفة في أنماط النوم، ليس فقط كعلامات على الاكتئاب، ولكن أيضًا للتنبؤ بكيفية استجابة المرضى للنوم. كما توصل إلى اختبار آخر يقيس إفراز مادة معينة في المخ لتمييز أنواع الاكتئاب والتخطيط للعلاج بالعقاقير.

في ظل الثورة الدوائية يأتي تطور العلاج النفسي في مقدمتها، ومع تباين التحليلات الفردية التقليدية، أصبحت العلاجات الجديدة عادة تستغرق وقتًا أقل من أربعة أشهر تقريبًا، كما أنها أكثر دقة، وتركز على ما يفكر فيه الشخص مع بعث المشاعر والخبرات المكتسبة من الماضي. ويأخذ المريض المعالَج دورًا نشطًا يهدف إلى التخلص من أعراض الاكتئاب وليس تغيير الأساس القاعدي للشخصية. 

(*) متخصصة في علم النفس السريري والعلاج النفسي السلوكي / مصر.