يولد في داخلنا ” توق طبيعي إلى السعادة، يظل معنا طوال العمر.. فكل إنسان منا ينشد السعادة، فهي أسمى هدف نسعى إليه جمعيًا، أيًا كانت ثقافتنا أو أعمارنا أو درجة تعليمنا.. كلنا نريد أن نصبح سعداء، لكننا لا نعرف على وجه التحديد ما هي السعادة؟ كيف نمثلها؟ يقول الفلاسفة: إن كل شخص على وجه الأرض يمكن أن يكون سعيدًا، فالسعادة هي إحساس بالغبطة الحقيقية الطويلة الأمد، فهي ليست ضحكة طيبة، أو لهوًا قصيرًا أو سرورًا زائلًا، أو بضع لحظات هانئة نقيضها قبل أن نعود إلى الحياة القاسية فالسعادة شيء  مختلف عن كل الأشياء السابقة، فهي لا تذهب أو تجئ، السعادة باقية معنا بغض النظر عن الانفعالات اللحظية، فهي حالة من حالات الشخصية تبقى مع الفرد وهو يمر بشتى الانفعالات، إن وأنْتَ حاولت تعريفها قَلَّ نصيبك من فهمها، إنها كالكهرباء تُحَسُّ ولا تعرَّف، وكالموسيقى التي تشجو كل ما يتقن الناس من عرفانها شجوها، فهي موجودة في كل شيء وفي كل مكان، المهم أن نعرف كيف نستخرجها وكيف نستفيد منها. 

عقاقير للسعادة

في عام 1931، نشر الكاتب “الدوس هكسلي” كتابه الشهير “عالم جديد شجاع” تخيل فيه العالمَ بعد ستمائة عام، وتنبأ بالكثير من الأشياء، منها عقار يحقق السعادة للإنسان. وما هي إلا سنين قلائل من نشر كتابه، وجد ما قد تنبأ به قد تحقق نتيجة النشاط المتزايد في علمين جديدين هما الوراثة وعلم العقاقير، بتخليق عقاقير تناغش آلية المخ الرهيبة، وتنتشل بعض المرضى من البؤس؛ لتجعلهم أكثر سعادة وانشراحًا وأسرع تفكيرًا، لكن سرعان ما اكتشف الإنسان مع تناوله لهذه العقاقير، أنه يجري وراء سراب اسمه السعادة، وأن هذه العقاقير ما هي إلا مظهر كاذب للسعادة الزائفة، الأمر الذي دفع “الدوس هكسلي” إلى وصف هذه العقاقير بأنها “بسمة بلا روح، سماء بلا سحب، كعكة بلا حشو، هذه السعادة الكاذبة، ألن تقطع الأواصر ما بين الفرد والمجتمع؟ ألن تخلق هواة واسعة بين الذات والواقع؟”

السعادة والمال

قد تتباين أهدافنا في بلوغ السعادة، فالبعض منا يراها في التعليم الأفضل، والصحة الجيدة، والرفيق الحبيب في الحياة، والوظيفة المرموقة، والوضع الاجتماعي المتميز، إلى أخر ذلك، لكن يبقى المال إلى حد كبير، هو أكثر الأهداف التي نجدّ في طلبها في بحثنا عن السعادة. وقد سئل كثيرون عما يعتقدون أنه يحسن نوعية حياتهم ويجلب لهم السعادة، وكانت الإجابة دائمًا مالًا أكثر، لم يطلبوا أصدقاءً أكثر، أو حبًا أكثر، أو وضعًا اجتماعيًّا أفضل، وإنما مالًا أكثر. إلا أن الدراسات والبحوث المتأنية في طبيعة السعادة، أثبتت أن تحقيق السعادة لا يرتبط كثيرًا بالمال أو غيره من العوامل الخارجية، حيث أجريت في ذلك العديد من الدراسات لعقود، نذكر منها مسحًا أجري على 70 ألف شخص في ست عشرة دولة صناعية باستخدام استمارات استبيان قياسية، اتضح أن مستوى السعادة لا يتأثر إلا قليلاً بدخل الفرد، بل أكدت الدراسة أن متوسط دخل الألماني نحو ضعف دخل الأيرلندي، ومع ذلك كان الأيرلنديون أسعد من الألمان، كما كان البلجيكيون أسعد من جيرانهم الفرنسيين الأغنياء، أما اليابانيون وهم من بين أثرى شعوب العالم، فكانوا من بين الدول الأقل سعادة”(1). وفي دراسة أخرى أجريت حول: هل الأغنياء في دولهم أسعد من مواطنيهم الفقراء؟ فقد أكدت الدراسة أن الأفراد الأثرياء يكونون في المتوسط أسعد ولكن بفارق ضئيل جدًّا. وقد أثبتت بحوث عديدة بعد ذلك، صحة هذه النتيجة، “إذا ما توفرت للفرد متطلباته الأساسية؛ الملبس والمأكل والمسكن والصحة، فإن أية إضافة للدخل لا تضيف إلى السعادة إلا القليل جدًّا”، وفي دراسة سيكولوجية ثالثة أجريت على 22 شخصًا أصبحوا مليونيرات بضربة حظ، فقد أثبتت نتائج الدراسة أنهم ليسوا بأسعد من 22 شخصًا طبيعيًّا آخرين، اختيروا عشوائيًّا للمقارنة، وخضعوا لنفس الدراسة، بل اتضح أن الوقائع اليومية التي كانت تسعدهم من قبل (مثل لقاء الأصدقاء ومشاهدة التلفاز، وسماع النكات والتسوق لم تعد تثير فيهم نفس القدر من السعادة، الأمر الذي يعني أن السعادة -لحد ما- نسبية، فالناس يقارنون على الدوام ظروفهم الحياتية بظروف من حولهم، وهم يتكيفون بسرعة مع الوضع الجديد فيشحب لديهم أثر الوقائع اليومية القديمة، وتطغى البهجة العارمة التي تصطحب الجائزة”(2). ونخلص من خلال عرضنا لنتائج هذه الدراسات، أن المال لا يحقق السعادة للإنسان على نحو ما يعتقد بعض المحرومين من نعمة الثراء، وإنه الشيء الوحيد الذي يعادله الناس خطأً بالسعادة، وإنما الذي يرتبط حقًّا بالسعادة، هو الروابط الاجتماعية المتينة وعلاقات الحب الطويلة، والشعور بالتفاؤل، والانشغال بعمل ذي معنى كالعقيدة الدينية، والتوحد مع قضية أو فكرة أكبر من ذات الفرد، تفسر هذه المتغيرات بعضًا من الفروق في السعادة بين الناس.

السعادة طاقة جوانية

والحقيقة التي يجهلها أغلب الناس، أن السعادة تنبع من داخل الإنسان، وهي غير موجودة في الخارج، فهي طاقة تخرج من داخل الذات الإنسانية، لتشع على الذات وعلى الآخرين، وتحول ما هو سلبي إلى طاقة إيجابية. إن الإحساس بالسعادة يتوقف علينا نحن وعلى مدى استعدادنا للابتهاج بالأشياء وتقديرها حق قدرها، وليس على هذه الأشياء نفسها أو على العوامل والمؤثرات الخارجية. يقول في ذلك الشاعر الإنجليزي “جون سميث”: “إن السعادة مزاج نفسي، إذ هو جاءها لم تعرف ما الشقاء”. وبالفعل بدأ الاهتمام بدراسة هذه العوامل الداخلية الغامضة، وأثبتت النتائج التي جمعت على مدى سنين طويلة، أن المزاج يخضع للوراثة، وأنه ثابت على المدى الطويل، وأنه يؤثر على السعادة، قد تدفع تصاريف الحياة الناس مؤقتًا إلى البهجة أو إلى الاكتئاب، لكنهم يعودون دائمًا بسرعة إلى مزاجهم الطبيعي. ويبدو أن المزاج الطبيعي ينبع دائمًا من الداخل لا من الخارج، ومما يؤكد على ذلك. فقد جرى مسح واسع النطاق، شمل ما يقرب من سبعة آلاف من الرجال والنساء، وأعيد المسح ثانية بعد عشر سنوات على نحو خمسة آلاف منهم، واتضح أن الأسعد اليوم هو الأسعد بعد عشر سنوات على الرغم من التقلبات اليومية، والشخص المتحمس عاشق النكتة في سن الخامسة والأربعين سيكون هو الشخص المرح المتحمس عاشق النكتة في سن الثمانين.. كما درس المسح بوجه خاص بعض من تعرض لتغيرات حادة في حياته، كالطلاق مثلًا أو موت عزيز أو تغير الوظيفة أو الإحالة إلى المعاش أو الهجرة.. لم يكن لهذه التغيرات أي أثر على سعادة هؤلاء على المدى الطويل”(3).

جماليات السعادة

وللسعادة جماليات قد لا يشعر بها إلا من أحسها، وهذه الجماليات هي:

السعادة تعطي للحياة معنى: وأولى هذه الجماليات أن السعادة تعطي لحياة الإنسان معنى، ذلك أنه كلما كانت الحياة مليئة بالأهداف والغايات والمثاليات النبيلة، هنا نقول إن الحياة تتسم بالسعادة، أي إن وجود المهام والغايات النبيلة، كل ذلك يجعل الذات تشعر بالسعادة، إذ من جماليتها أنها دليل قوي على وجود المعنى والقيمة في حياة الإنسان، سواءً الخاصة أو العامة، وهذا ما وضحه الفيلسوف المعاصر “تاديوس ميتز” بقوله: “لا يمكن أن يكون لحياة الإنسان معنى إلا إذا كان لديه درجة معينة من الإحساس بالسعادة، ولا يكون غارقًا في الإحباط لدرجة تمنعه من مغادرة الفراش”(4). 

إن‭ ‬السعادة‭ ‬تخرج‭ ‬الذات‭ ‬من‭ ‬القوقعة‭ ‬والانغلاق‭ ‬الذاتي‭ ‬إلى‭ ‬التواصل‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬الخارجي‭ ‬أو‭ ‬الوجود‭ ‬للآخر،‭ ‬أي‭ ‬إن‭ ‬الذات‭ ‬تصبح‭ ‬لديها‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬ومع‭ ‬الوجود‭ ‬المحيط‭ ‬بها‭.‬

انفتاح الذات على الآخر: ومن أهم جماليات السعادة، أنها تجعل ذات الإنسان منفتحة على الآخرين، بمعنى أن السعادة تخرج الذات من القوقعة والانغلاق الذاتي إلى التواصل والانفتاح على الوجود الخارجي أو الوجود للآخر، أي أن الذات تصبح لديها قدرة على التعامل والتفاعل مع الآخر ومع الوجود المحيط بها، هذا الانفتاح الذي يجعل الذات ترى ما لم تره في حالة عدم السعادة. فمع السعادة يصبح لدى الذات القدرة على أن ترى الوجود والأشياء بشكل جديد، ويصبح تعاملها مع الآخر مختلفًا عما لو كانت في حالة تقوقع أو إحباط أو اكتئاب أو حزن. 

شعور الذات بالرضا: ومن جماليات السعادة، أن تشعر الذات بالرضا النفسي، حيث إن هناك علاقة وثيقة بين الشعور بالسعادة والشعور بالرضا، فإذا كانت الذات سعيدة، فإننا نجد لديها قدرة عالية على الرضا، فالذات الراضية نجدها تحس السعادة، وقد عبر عن ذلك أحد الفلاسفة بقوله: “أي تصبح حياة المرء سعيدة إذا كان راضيًا عن حياته، وتعيسة إن لم يرض عنها”(5). 

السعادة تولد الطمأنينة: ومن جماليات السعادة أيضًا، الشعور بالطمأنينة، ونلمس ذلك جيدًا في سلوك المتصوفة والعباد، حيث نجدهم دائمًا متحررين من مخاوفهم الدنيوية، لماذا؟ لأنهم تخلوا عن كل ما يقيدهم ويكبلهم في الواقع، بمعنى آخر لا شيء يملكهم أو يسيطر عليهم، فالسيطرة والامتلاك هي سبب الخوف والقلق والشقاء، ومن ثم تغيب السعادة، لكن عندما يتحرر المرء من كل ذلك، يصبح بلا قيود، يصبح حرًّا. فالذات مرتبطة باللامحدود بعد أن تخلصت من المحدود، وهنا تأتي السعادة وتتحقق الطمأنينة التي هي من أسمى غايات الإنسان في الحياة.  

(*) كاتب وباحث مصري.

الهوامش

(1) علم اسمه السعادة، د. أحمد مستجير، سلسلة الثقافة العلمية، الناشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص:16-17.

(2) المصدر السابق.

(3) نفس المصدر.

(4) الإنسان ومفهوم السعادة، د. حسن يوسف، مجلة الهلال، العدد:1509، نوفمبر 2018.

(5) علم اسمه السعادة، مصدر سابق.