يعتقد الكثير من الناس أن علم النفس هو علم يتعامل مع المرضى وغير الأسوياء، ومع المشكلات الانفعالية، وهذا غير صحيح. فعلم النفس كما يؤكد كل من “مارتن سيلجمان” (M. Seligman)، و”ميهالي شيكزينتميهالي” (Csikszintmihali M)، ليس علمًا لدراسة المرض والاستسلام والانهيار والانهزام النفسي فقط، لكنه علم لدراسة قوى وفضائل النفس الإنسانية، وهو طريق ينبغي ألا ينحصر في إصلاح ما تم إفساده في هذه النفس، بل يجب أن يسبق الإصلاح والعلاج النفسي، الوقاية والتنمية والتطوير.. فعلم النفس ليس علمًا طبيًّا ينصب اهتمامه على الصحة والمرض فقط، ولكنه علم يجب أن يتم بتطوير قوى الإنسان وفضائله، ليصير متفوقًا، وكُفُؤًا في معظم سياقات الحياة، كالعمل والتربية، ومراحل النمو والارتقاء، والإبداع، والاكتشاف.

وقد ركز علماء النفس على الأشخاص غير العاديين أكثر من اهتمامهم بالعاديين. فقد لفت انتباههم الذين يعانون من الاضطرابات واعتلال الصحة العقلية، وأهملوا الأصحاء والأسوياء. وساهم كذلك في هذا الاتجاه عودة أعداد كبيرة من الجنود المنهارين نفسيًّا من الحربين العالميتين، الذين كانوا في حاجة إلى التشخيص والعلاج النفسي. لقد اهتم علماء النفس بالمرض العقلي للإنسان وتعاسته وشقائه، وأنجزوا في هذا المجال أعمالاً جيدة.

إن علماء النفس، يستطيعون اليوم قياس الأفكار التي لها علاقة بالجوانب السلبية في سلوك الإنسان، مثل القلق والخوف والاكتئاب والانحراف والتطرف والعدوان والغضب والفصام، وغيرها من الاضطرابات النفسية والعقلية وجوانب السلوك اللاسوي، كما يستطيعون تخفيف وتحسين الكثير منها. ولكن هذا الإنجاز رغم أهميته، لم يصنع للإنسان حياة راقية، لأن تخفيف الأمراض التي جعلت حياة الإنسان تعيسة، جعلت صنع حياة تستحق أن يحياها الإنسان، أقل أهمية.

ويشير الباحثون إلى أنهم عندما راجعوا قاعدة المعلومات النفسية (PsychInfo) التي توثق ملخصات البحوث النفسية في الدوريات المختلفة بين عامي 1967-2000، وجدوا أن هناك 5548 بحثًا نشر عن الغضب، و41416 عن القلق، و54040 عن الاكتئاب.. بينما هناك 415 بحثًا نشر عن الابتهاج، و1710 عن السعادة، و2582 عن الرضا عن الحياة، مما يعني أن هناك 21 بحثًا منشورًا عن الانفعالات السلبية، مقابل بحث واحد عن الانفعالات الإيجابية. لكن تَوجُّه البحوث النفسية تغير منذ ثمانينات القرن العشرين، فتضاعفت البحوث المنشورة عن السعادة والأمل والرضا عن الحياة، بمقدار أربع مرات؛ من 200 بحث سنويًّا إلى 800 بحث.

علم‭ ‬النفس‭ ‬ليس‭ ‬علمًا‭ ‬طبيًّا‭ ‬ينصب‭ ‬اهتمامه‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬والمرض‭ ‬فقط،‭ ‬ولكنه‭ ‬علم‭ ‬يهتم‭ ‬بتطوير‭ ‬قوى‭ ‬الإنسان‭ ‬وفضائله،‭ ‬ليصير‭ ‬متفوقًا‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬سياقات‭ ‬الحياة،‭ ‬كالعمل‭ ‬والتربية،‭ ‬ومراحل‭ ‬النمو‭ ‬والارتقاء،‭ ‬والإبداع،‭ ‬والاكتشاف‭.‬

ومنذ عقد السبعينات من القرن العشرين، غير علماء النفس الاجتماعي اتجاهاتهم نحو دراسة السلوك الإيجابي، فقدموا أعمالاً نظرية وإمبريقية ظهرت بخطى سريعة. وفي عام 1998 وضع “مارتن سيلجمان” السيكولوجي بجامعة بنسلفانيا الأمريكية، مصطلح “علم النفس الإيجابي” (Positive Psychology). ومنذ ذلك التاريخ زاد عدد البحوث التي نشرت في إطاره، وأصدرت مجلات خاصة به.

ويعد علم النفس الإيجابي من العلوم الجديدة التي لاقت كثيرًا من القبول والشعبية في إطار العلوم السلوكية والنفسية في السنوات الأخيرة، حين طالب عالم النفس “مارتن سليجمان” أعضاء الجمعية الأمريكية لعلم النفس، أن يتذكروا أن الهدف الأساس لعلم النفس هو بناء قوة الإنسان وتغذية موهبته، ودراسة مكامن القوة والفضائل الإنسانية كالسعادة والطمأنينة والأمل والاستقرار النفسي والتقدير الاجتماعي والقناعة، بهدف التغلب على الضغوط التي تؤدي بالإنسان إلى اضطرابات بالصحة النفسية، خاصة أنها تقع على الطرف الآخر لأكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا كالقلق والاكتئاب واليأس وعدم تقدير الذات. ولإحياء ذلك المجال المهمل من علم النفس، ابتدع سليجمان هذا العلم الجديد (علم النفس الإيجابي) المعني بتعزيز البحث في السلامة النفسية ودعم القوة الإنسانية. كما يهتم هذا المجال باستخدام النظرية النفسية والبحث وأساليب التدخل لفهم جوانب الإشباع الإيجابية والتوافقية والإبداعية والوجدانية للسلوك الإنساني.. وهكذا اهتم المشتغلون في هذا العلم، بمراقبة عديد من طرق العيش المؤدية للنجاح.

ويرى علم النفس الإيجابي أن الخبرات التي نمر بها، تشكل شخصياتنا، وهي تتمتع بجوانب بعضها غير قابل للتعديل، وبعضها الآخر قابل للتعديل. وتتركز جهود علم النفس الإيجابي على إثراء القوى الإنسانية لتعديل هذه الجوانب، لكونها مدخلاً لتحقيق الشعور بالسعادة والرضا. وقد آن الأوان أن يسعى علم النفس إلى فهم الانفعالات الإيجابية، ويبني جوانب القوة والفضيلة، ويزود الناس بما يساعدهم على إيجاد ما أسماه أرسطو “الحياة الطيبة”.

أبعاد علم النفس الإيجابي

يتضمن علم النفس الإيجابي ثلاثة أبعاد قابلة للقياس، وقائمة على مهارات يمكن تعلمها:

على المستوى الذاتي: يركز هذا العلم على الحالات الذاتية الإيجابية أو الجانب الوجداني الإيجابي، مثل السعادة، والسرور والرضا عن الحياة، والحب والقناعة، والأفكار البناءة حول الذات، والثقة وفعالية الانفعالات الإيجابية مثل الضحك وغيرها.

على المستوى الفردي: يركز علم النفس الإيجابي على السمات الفردية الإيجابية التي تظهر على النفس مع مرور الوقت، مثل الشجاعة والإصرار والأمانة والحكمة، والقدرة على تنمية الإحساس بالجمال، والوصول إلى مصدر الإمكانات الإبداعية، ودارسة السلوكيات الإيجابية والسمات التي تميز الشخصية.

على مستوى المجموعة أو المستوى المجتمعي: يركز على تنمية المؤسسات الإيجابية وتكوينها والمحافظة عليها، ودراسة بيئات العمل الصحية، وكيف يمكن للمؤسسات أن تعمل بصورة أفضل لدعم وإثراء جميع المواطنين المتأثرين.

وعلى هذا، فعلم النفس الإيجابي يهدف إلى دراسة وظيفية الإنسان الإيجابي، وازدهاره على مستويات متعددة تتضمن الأبعاد البيولوجية والشخصية والعلاقاتية والمؤسسية والثقافية والعالمية للحياة، ويعيد النظر في “الإنسان العادي” من أجل العثور على ما ينفعه ويصلح له وما يمكن تطويره.. فهو محاولة لتبني منظورات منفتحة فيما يتعلق بالإمكانات البشرية والدوافع والقدرات، أي إنه بحث في إمكان عمل ما ينبغي عمله مع قليل من المساعدة من أجل تحقيق الذات. ومن مجالاته، بناء المجتمعات وإثراؤها والإبداع والتسامح، والتعاطف، والجوانب الوجدانية الإيجابية الأخرى المتعلقة بالرضا الوظيفي وتعزيز عمل نظام المناعة، ونماذج تنمية الشخصية الإيجابية، والتنمية طوال الحياة، والتأكيد على الإنجاز، والسمات الإيجابية وتذوق كل لحظة في الحياة، وعيشها كما ينبغي، وتقوية المزايا كطريقة لزيادة الشعور بالسعادة.

وجاءت نتائج دراسة “سليجمان” وزملائه على آلاف الأشخاص في الولايات المتحدة الأمريكية، وأثبتت أن البحث عن المتعة لم يسهم في تحقيق الرضا، بينما ساهمت الحياة الاجتماعية الثرية، والشعور بالارتباط في ذلك بصورة قوية جدًّا، وكان العامل الأقوى هو البحث عن معنى الحياة. كما اتضح أن المتعة يمكن أن تضفي حلاوة على الحياة مع وجود الشعور بالارتباط والمعنى العميق، حينها يكون العيش كاملاً بمعنى الكلمة. فالرضا عن الحياة يتحقق حينما تتواجد المتعة، والروابط الاجتماعية، والمعنى، والعكس صحيح. وأشار سليجمان إلى ما يطلق عليه الشعور بالتدفق، وهو أهم ما يحتاج إليه الإنسان ليعيش مزيدًا من الرضا في حياته. وحالة التدفق هذه تحدث عندما تنتشر قوى الإنسان ومواهبه لمواجهة التحديات التي تقف في طريقه، بما يعمق معنى الحياة وييسر التعلم.

علم النفس الإيجابي وسعادة طفل المدرسة

طالب “سليجمان” وزملاؤه بضرورة دمج علم النفس الإيجابي في المناهج الدراسية، وتعميم التعليم الإيجابي الذي يقوم على تعليم المهارات التقليدية، إلى جانب التعليم من أجل السعادة، وذلك لمواجهة انتشار الاكتئاب بين الصغار عالميًّا، وتراجع مستويات رضاهم عن الحياة. فالمدارس تمثل أماكن رائعة لتعليم الأطفال علم النفس الإيجابي، نظرًا لطول الفترة التي يقضيها فيها الطلاب، وإمكانية استخدام أساليب لتدريس السعادة والسلامة.. ويرى سليجمان أن هناك طرقًا تساعد على خفض اكتئاب الأطفال، تقوم على ثلاثة جوانب:

1- جانب يعتمد على إحصاء نعم الله وفضل الآخرين.

2- جانب يقوم على تعليم الذكاء الأخلاقي، ومساعدة الناس على استخدام مواهبهم الأساسية وتطويرها.

3- استخدام مداخل متعددة في مواد الدين والفلسفة والأدب ونظريات علم النفس القديمة والحالية، كنظرية الذكاءات المتعددة، ونظرية التعليم الوجداني لجولمان.

ومن التمرينات التي أجريت في المدارس لتحقيق التعليم الإيجابي، أن يذكر الطلاب ثلاثة أشياء جيدة تحدث لهم كل يوم، ويكتبوا تأملاتهم حول سبب حدوث هذا الشيء الجيد؟ وماذا يعنى بالنسبة لهم.. وما هي الأشياء الإيجابية المتوقعة مستقبلاً.

ويعتقد الباحثون أن الطلاب بوسعهم تحقيق مزيد من الرضا في الحياة إذا تعلموا تحديد نقاط قوتهم، ودراسة السلوكيات والسمات الإيجابية، واستخدموها في المدرسة وفي الهوايات، ومع الأصدقاء والأسرة بقدر الإمكان.

ويركز علم النفس الإيجابي على تصميم برامج التدخل لتحقيق الأغراض والأهداف الإيجابية، وكيفية إثارة الدافعية عند الطفل، وعند الجماعة، وتغيير ثقافة المؤسسة والفرد. ومن ثم يمكن الإفادة من تلك النوعية من البحوث في تغيير قيم الطلاب كأفراد، وثقافة المدرسة، والتركيز على القيم الإيجابية البناءة، وإثارة دافعية الطفل نحو التعلم وتحقيق أهدافه فى الحياة.

وقد أثبتت دراسات وتقارير المعلمين وأولياء الأمور، أن برامج التعليم الإيجابي، قد حسنت قدرة الطلاب على التعبير عن شعورهم بالسرور في المدرسة، وتعزز لديهم مستويات الفضول وحب التعلم والإبداع. ووجود نتائج مشجعة فيما يتعلق بتعلم اللغات والمهارات الاجتماعية، كالتعاطف والتعاون وضبط النفس. ونتيجة لذلك اتجهت كثير من المراكز -كمركز علم النفس الإيجابي بجامعة بنسلفانيا- بتدريب المعلمين من أجل دمج التعليم الإيجابي في معظم المقررات الأكاديمية في مجالات مثل الرياضة والموسيقى. كما ساهم التعليم الإيجابي في تنشيط واكتشاف استخدامات مختلفة لخبرة التدفق داخل الفصل، مما يحسن من الاندماج والمزاج العام وخبرات التعليم، وأكدت الدراسات أهمية تشجيع بيئة المدرسة الإيجابية.

لقد آن الأوان لكي نركز على تطبيقات علم النفس الإيجابي في مجال ربط التعليم بالخبرات السعيدة والممتعة، والتركيز على الجوانب والقيم الإيجابية، وأن يتحول التعليم من التركيز على المعرفة كهدف أوحد، إلى التركيز على تحقيق سعادة الطفل، وجعل التعلم عملية ممتعة، وأن تصبح مدارسنا بيئات جاذبة للأطفال من خلال التركيز على إشباع احتياجاتهم الشخصية والاجتماعية، يمر فيها الطفل بالخبرات الممتعة، ويندمج فيها. 

(*) كلية التربية، جامعة الإسكندرية / مصر.

المراجع

(1) أحمد محمد عبد الخالق، غادة محمد عيد (2008): حب الحياة ومدى استقلاليته أو ارتباطه بمتغيرات الهناء الشخصي أو الحياة الطيبة. دراسات نفسية، المجلد الثامن عشر العدد الرابع. القاهرة، رابطة الأخصائيين النفسيين المصرية.

(2) أحمد محمد عبد الخالق (2004): الصيغة العربية لمقياس “سنايدر” للأمل، دراسات نفسية، المجلد الرابع عشر، العدد الثاني. القاهرة، رابطة الأخصائيين النفسيين المصرية.

(3) أمينة التيتون (2017): التعليم من أجل السعادة، مجلة العربي، العدد:705.

(4) بشير معمرية (2010): علم النفس الإيجابي اتجاة جديد لدراسة القوى الفضائل الإنسانية، دراسات نفسية، عدد:2، 97-158.

(5) محمد نجيب أحمد الصبوة (2008): علم النفس الإيجابي، تعريفه وتاريخه وموضوعاته، والنموذج المقترح له، مجلة علم النفس، العدد:76، القاهرة، الهيئة العامة المصرية للكتاب.