تمر في حياة الأمم والشعوب أحداث عظيمة ووقائع خالدة تحمل في طياتها ما يسعد القلوب ويسر النفوس، ولقد شرف الله أمتنا الإسلامية ومنَّ عليها سبحانه أن جعل لهم مواسم الطاعات وأوقات للعمل الصالح، والتنافس للتقرب منه سبحانه وتعالى، ومن أعظم تلك المواسم موسم رحلة الحج العظمى، إذ هي أشرف رحلة على مر العصور، حيث تضمنت هذه الرحلة -الحج- في طياتها العديد من الفوائد الجليلة منها:

تحقيق التوحيد وإظهاره لله تعالى

المسلم لا يسمى مسلمًا إلا عندما يستسلم لله وينقاد له، ويحرر عقله من الأوهام والأضاليل التي علقت به من الدجاجلة والطواغيت، وتصفية القلب من حب غير الله مع الله، أي له وحده دون غير ولا سواه،  بل إن قول الحاج عند إحرامه بالحج: لبيك اللهم لبيك. ثم تكراره لها في مواقف كثيرة بالحج؛ إعلانٌ واضح وصرح شامخ لمعلمة من معالم التوحيد العظمى، وإشارةٌ إلى مقصد عظيم من مقاصد الحج. وعند التأمل نجد أن معظم المواضع التي ورد فيها ذكر الحج في كتاب الله -عز وجل- تتفق في كونها جاءت في سياق الحديث عن العقيدة والتوحيد، وإزالة المعاني الدخيلة التي جاءت بها الجاهلية الوثنية وقرنتها بالحج.

تزكية النفس البشرية والرقي بها

قال تعالى (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْـحَجِّ )(البقرة 197)، ومن تأمل هذه الآية الكريمة وجدها قد تضمنت ترتيبًا عجيبًا في المنهيات فابتدأت بالرفث المفسد للحج على المشهور عند العلماء، ثم الفسوق الذي هو خروج عن حدود النفس، ثم الجدال الذي كان حاصل بين القبائل والشعوب آن ذاك، فما أجمل هذا الترتيب إذا تأملناه، والحكمة من هذه المنهيات والمحافظة على ترتيبها هو  أن يتسنى للمسلم تزكية نفسه والرقي بها درجة درجة، فإن المتلبس بالحج يكون أولاً في إحرام، ثم تزداد عليه الحرمة عند الدخول في الحرم، ثم تزداد عند الشروع في مزاولة أعمال الحج.

التربية على الوحدة والإخاء

ففي الحج تظهر معاني الوحدة الحقيقة التي أرادها الشارع الحكيم قال تعالى: ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون)، ومن مظاهر ذلك الطواف حول الكعبة والوقوف بعرفة تجمع القلوب وتذيب الفوارق وتمزج الثقافات وتوحد الشعارات وتخفي كل مظاهر الإقليمية والحزبية إذ لا فرق بين عربي وعجمي أو بين أبيض وأسود. الكل سواسية لتبقى أخوة الإسلام صرحا شامخا يندثر معه كل تمييز كيفما كان اسمه أو رسمه.

الإسلام ليس شكليات ظاهرة فقط

ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “من حج فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه” وقاله أيضاً: “الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة”. وذلك ليكون هذا القيام استحياء للمعاني الكبيرة التي شملت عليها هذه الأيام المعدودات وليكون تجردا وخلوصا لله، ومن تم تنبض في القلب حقيقة المقصد المعني من هذا الأيام ألا وهو ربط بين العبادة حقائق العقيدة في الضمير، بحيث تكون العبادة مطية لاستحياء هذه الحقائق وإيضاحها وتثبيتها في صورة حية تتخلل المشاعر ولا تقف في حدود التفكير فقط، وقد ثبت أن هذا المنهج وحده هو أصل المناهج لإحياء هذه الحقائق ومنحها الحركة في عالم الضمير وعالم القيم والسلوك. وأن الإدراك النظري والتطبيقي هو طرف من هذا المنهج الإسلامي الناجح القويم.

تسمية سورة في القرآن بسورة الحج

أنزل الله في القرآن الكريم سورةً سميت سورة الحج، فبدأها بالحديث عن مشهد زلزلة يوم القيامة، وحشر الناس إلى ربهم، ثم بعد ذلك جاء الحديث عن مناسك الحج، وفي هذا إشارة – والله أعلم -إلى أنَّ الحج مشهدٌ مُصغَّرٌ يُقرِّبُ للمؤمن صورة مشهد يوم القيامة كل عامٍ حتى لا يغفل، حيث يحشر الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، لا يتميز بعضهم على بعض، وكذلك الشأن في الحج؛ فهم يحجون في ثياب متشابهة وفي صعيد واحد في عرفات وفي مزدلفة وفي منى، ويستذكر الحاج مشهد الحشر في مواطن الزحام الشديد؛ كالطواف والسعي ورمي الجمرات، فإنه يحصل من التزاحم والتدافع ما يذكر بيوم الزحام الشديد في يوم القيامة، نسأل الله أن يلطف بنا فيه.

تربية النفوس على الصبر

تتجلى في فريضة الحج التربية على الصبر في تحمل زحام الطواف بالبيت والسعي ورمي الجمرات، وتشتد ذروة التربية على هذه الخصلة العظيم التي قل الممتثلون بها أول أيام عيد الأضحى حيث يجتمع فيه رمي الجمرات والحلق والتقصير والنحر والطواف بالبيت. حيث يتطلب هذا كله من الحاج أن يكون قوي الجسم لكي يستطيع تحمل هذه المشاق وفي هذا تذكير بأن روح الصبر في الأمة لابد أن تبقى حية حتى يعود للأمة الإسلامية.

لا يمكن فهم القرآن دون الرجوع إلى السنة

من دلالات آيات الحج أن القرآن الكريم لا يمكن فهمه دون الرجوع للسنة النبوية، فقوله: (الحج أشهر معلومات) لم يحدد أشهر الحج، لكن فصلتها السنة وبيّنتها، وهي: شهر شوال، وذو القعدة، وذو الحجة. وأركان الحج وردت في آيات متفرقة، وهي:  الوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة والسعي، لكن كيفيتها وترتيبها وتفاصيلها أخذت من فعله عليه الصلاة والسلام، ولذلك أمر المسلمين بقوله: “خذوا عني مناسككم”. وفي هذا أبلغ رد على المبغضين للسنة النبوية، والداعين للاكتفاء بما ورد في القرآن، ونبذ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. والعجيب أن هؤلاء الضالين يسمون أنفسهم «القرآنيون».. فاحذرهم.

يوم عرفة إنه اليوم الأعظم

إن من الأيام الفاضلة عند الله عز وجل والتي من بها سبحانه على أمته هو يوم عرفة، فهو يومُ أهل الموقف، حيث الحجاج فيه على صعيد عرفات، يقول عليه الصلاة والسلام: “الحج عرفة”، وفضائل هذا اليوم العظيم كثيرة: منها أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة على هذه الأمة فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأديان وأفضلها، لا يُقبل من أحد دين سواه، في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رجلًا من اليهود قال له: “يا أمير المؤمنين، آية من كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال أي آية؟ قال: “اليوم أكلمت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا”، قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي (ﷺ) وهو قائم بعرفة يوم جمعة.

1- من فضائل يوم عرفة أنه يوم عيد لأهل الإسلام، قال ابن عباس رضي الله عنهما “نزلت في يوم عيد، في يوم جمعة، ويوم عرفة”. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كلاهما بحمد الله لنا عيد”، وهو عيد لأهل الموقف خاصة، ويشرع صيامه لغيرهم كما سيأتي.

2- من فضائله أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنهما، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي (ﷺ) قال: “ما من يومٍ أَكْثرَ من أن يُعْتِقَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فيهِ عبدًا منَ النَّارِ، من يومِ عرفةَ، وإنَّهُ ليدنو عزَّ وجلَّ، ثمَّ يباهي بِهِمُ الملائِكَةَ، فيقولُ: ما أرادَ هؤلاءِ”.

3- من فضائل يوم عرفة ما قيل إنه الشفع الذي أقسم الله به في كتابه، وأن الوتر يوم النحر، قال تعالى: (وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) (الفجر: 1-3)، وقد روي هذه عن النبي (ﷺ) من حديث جابر فيما رواه الإمام أحمد وغيره: وقيل إنه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه. قال تعالى: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)(البروج: 3) ففي المسند وغيره عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي (ﷺ) وموقوفًا عليه: “الشَّاهدُ يومُ الجمعةِ والمشهودُ يومُ عرفةَ”.

4- من طمع في العتق من النار، ورجاء مغفرة ذنوبه، وإقالة عثراته، والتجاوز عن سيئاته في يوم عرفة، فليحرص على الاتيان بالأسباب التي يرجب بها – بعد فضل الله ورحمته – ففي صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي(ﷺ) قال: “صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، إِنِّي أحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السنَةَ التي قَبلَهُ، والسنَةَ التي بَعدَهُ” أمام الحجاج فالسنة في حقهم الفطر، كما هو هدي المصطفى(ﷺ).

5- من الأسباب أيضًا الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق ودعاء الله بها، فغن أصل دين الإسلام الذي أكمله الله في ذلك اليوم والدعاء فيه له مزية على غيره، فقد روى الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم قال: “خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيونَ من قبلي لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ وله الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيء قدير.ٍ”

6- من الأسباب أيضًا الصدقة والإنفاق في سبيل الله، ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: “اتَّقوا النَّار ولو بشِقِّ تمرةٍ فإنْ لم تجِدوا فبكلمةٍ طيِّبةٍ”.

فقد كان سلف الأمة من الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان حريصين أشد الحرص على استغلال يوم عرفة والاستفادة منه، والمحروم من حُرم فضل الله وجوده، والشقي من تمر عليه هذه الأزمان الفاضلة، والأوقات الشريفة دون استغلال لها او إفادة منها. فكانت أقوالهم رحمهم الله حاثة على شغل هذا اليوم بما هو جدير به من الأعمال الصالحة وكانت أحوالهم وأفعالهم تطبيقًا لذلك.