من حق كل واحد منّا أن يتساءل عمّا يتجلى فيه الانتساب الحضاري؛ هل يتجلى في العقيدة والعبادات فحسب -كما يعتقد الكثير- أم يتجلى أيضًا في نمط الحياة بما في ذلك النظم والقيم والعلاقات، ومجموعة من التصورات والمفاهيم والمناهج؟ هل يجهلون أن للإسلام منظومة حضارية، لها مميزاتها وإيجابياتها ومناهجها إذا ما بقيت متمسكة تمسكًا متينًا بالمرجعية الربانية والبداية النبوية؟

إن الإسلام حدد للإنسان علاقاته مع الخالق، وموقعه من باقي المخلوقات، وجعله مكلفًا مستخلفًا، وزوده بما يحتاج إليه للقيام بهذه المهمة، ورسم له السبيل الكفيل بتمكينه من أدائها. وهذه هي الأرضية التي تشكل الإطار الذهبي للعقائد الإسلامية والمنطلق للبناء الحضاري، التي لا خلاف فيها عند المسلمين قاطبة.

فالبناء الحضاري الإسلامي إذن، يتسم بمسوغ عقدي متواصل، الأمر الذي يفرض نفسه على المسلمين باستمرار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، علمًا بأن هناك سنة الله التي لا تتبدل، وتنطبق على سائر البشر وهي: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ). فالانتساب الحضاري للإسلام، يقتضي قبل كل شيء الإيمان بهذه العقيدة والعمل على تنفيذ ما جاء فيها.

ويتجلي هذا التنفيذ الفردي والجماعي في العوامل التالية:

المرجعية الإلهية في العقيدة والشريعة والسلوك الفردي والجماعي بناء على أن الإنسان عبد الله، مستخلف ومأمور بالقيام بالمسؤولية التي أناطها الله به، والتي سيحاسب عليها يوم القيامة، وهكذا يربط الإسلام السلوك البشري في الدنيا بما سيتبعه من جزاء أو عقاب في الآخرة بناء على احترام التعاليم الإلهية أو إهمالها.

وفي هذا الموقف خلاف جوهري مع من يعبدون، ولم يترك الله تعالى الإنسان تائهًا، بل ترك له الحجة البالغة والمرجع الدائم في الحق والعدل؛ وهي القرآن العظيم الذي سيبقى على مدى الدهر الهادي إلى الصلاح، والمنقذ للإنسان من الضلال والزيغ عن سواء السبيل.

وينتج عن الربط بين الحياتين الدنيوية والأخروية، الذي يساعد كتاب الله على التفكير به باستمرار، شعور قوي بمراقبة من لا تخفي عليه خافية، مما يضطره إلى يقظة النفس ومراجعتها، وإلى المراقبة الذاتية.

وتُضبط العلاقات بين مختلف فئات المجتمع والتصرفات، بالشريعة وآداب المعاملة، والسلوك وأساليب التعبير والاتصال، وطبيعة المشاعر والأذواق، وهي تخضع لما جاء من أحكام وتوجيهات في القرآن الكريم والسنة النبوية. وما قدم الفقهاء في شأنها من اجتهادات كانت تفرضها المستجدات والتقلبات الظرفية التي تبرز في حياة الناس، وتقتضيها مصالحهم التي تعد فروعًا لأصول، أو أحكامًا جديدة مستنبطة بناء على مقاصد الشرع أو قواعد أصولية نقلية أو عقلية.

ولأن المستجدات لا تنقطع والتغيير لا يتوقف، ولأن المصدرين الثابتين قائمان محفوظان، فلا مناص من ضرورة استمرار الجهاد للتنظيم والتقويم والتكييف، والإيمان بوحدة القيم التي جاء بها الإسلام من دعوة إلى قول الحق واتباعه، والتمسك بمبادئ العدل والحرية والمساواة والإحسان، واجتنباب الظلم والبهتان والزور، ووضوح الرؤية في كثير من المفاهيم الحضارية، كمفهوم الدين والأمة والقانون والأخلاق والتنمية والتقدم.

وقد ترجمت هذه الرؤية إلى واقع حياة المسلمين بمؤسسات بقيت قائمة طوال تاريخ المجتمعات الإسلامية، أذكر منها بصفة خاصة، التكافل الاجتماعي عن طريق الزكاة والوقف، واختصاصات القاضي، ومراقبة التصرف الاقتصادي في الحِرَف والتجارة والمهن الحرة.

وقد نتج عن الانتساب العقدي والتشريعي والقيمي في مجالات الحياة العامة، توجهات لدى الأفراد والجماعات في السلوك التعبدي، وفي طبيعة المسكن والمأكل والملبس والمآتم والأعياد، وفي النشاط الثقافي والفني من أدب وشعر وموسيقي، وفنون يدوية من نحت وتخريم ونقش، بدل التشخيص وإقامة التماثيل.

صحيح أن الفضاء الذي تركه الإسلام للمتغير في مقابل الثابت فضاء واسع يفرض الاجتهاد الفكري والفقهي والتطبيقي المتواصل، ولكن نشأ عنه في الوقت نفسه الاختلاف في التصورات والتأويلات والاستنتاجات، مما برز عنه مذاهب عقدية وفقهية مختلفة، وأحيانًا طقوس وتقاليد حضارية، بل وانحرافات مقصودة أو ناتجة عن جهل أو غفلة أو سوء فهم. ولكن هذه الاختلافات رغم تعددها وعمقها أحيانًا، فهي لم تؤثر كثيرًا في الشعور بوحدة الالتقاء في الإسلام لدى جميع المسلمين والانتساب إلى حضارته في مقوماتها ومظاهرها وآثارها.. على أن التعدد في الوحدة أصبح في الوقت الراهن قابلاً للعلاج، على الأقل فيما من شأنه أن يقارب بين المسلمين وبين دينهم، وذلك بتيسير الاتصالات واللقاءات في مواسم الحج والعمرة والمؤتمرات والندوات على المستويين الحكومي والشعبي، وفي مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وعلى مستوى قطاعات الشباب والطلبة والنساء والعمل النقابي والرياضي والفني.

سعة الاجتهاد الفقهي ومجالاته

التشريع الإسلامي ضبط للعلاقات بين الإنسان وخالقه وبين الإنسان وقرينه في جميع مجالات الحياة المجتمعية، وفي سائر المعاملات سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية، دستورًا مدنيًّا وجنائيًّا.

والقصد الأساسي من الشريعة، ضمان العدالة والحقوق في الضروريات الخمس؛ النفس، والدين، والعقل، والمال، والعرض، وما يقابها من واجبات والتزامات. كما أن القصد منها أيضًا، بناء الإنسان بناء سويًّا، وتحسين المجتمع، وهذا ما يجعلها ذات أبعاد تربوية وأخلاقية. إنها مبنية على رعاية المصالح بإعانة الإنسان على نفسه الأمارة بالسوء، وبمراعاة الفكرة والطاقة وتهذيب الغرائز، وترشيد الميولات والنزعات، والتخفيف من التكاليف عند الحاجة، وفتح الذرائع للخير وسدها في وجه الشر، لما تتسم به في أحكامها وتوجيهاتها من مرونة وتيسير، واهتمام بالوقاية والتحصين قبل العلاج والتعزيز.

فالفقيه ملزم في اجتهاداته الاعتماد على هذه المقاصد والضوابط والتوجيهات التي تنبني على الأصول والمقاصد، ويعمل على حل ما يطرح في حياة الناس من قضايا ومشاكل في سلوكهم ومعاملاتهم.

ولا يسمح المقام بالحديث عن جميع المحاور التي يعالجها الفقه الإسلامي، لذا سنقتصر على أمثلة من الأحوال الشخصية، وعلى إشارات خفيفة إلى بعض الأبواب الفقهية الأخرى.

في أحوال الأسرة

إن الاجتهاد في مجالات النكاح والطلاق والنفقة والإرث والوصية، وحقوق الطفل من رضاع وولاية وحضانة وتربية، امتد على قرون من حياة المسلمين، وما زال قائمًا لضمان التكافل الاجتماعي، والوحدة والتماسك في البناء الأسري والمجتمعي.

وفيما يتعلق بالطلاق مثلاً؛ الاتجاه العام للشريعة الإسلامية كما يقول الدكتور أحمد الريسوني: “عرقلة الطلاق وتأثيره التماسًا إلى إبقاء الزوجة وإصلاح ما فسد منها”، وقد جاء في كتاب الله : لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا(الطلاق:١).

وفي التوقيت في العدة والإيلاء: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾(البقرة:٢٢٦)؛ مهلة هي رحمة بالمرأة ورخصة للرجل كي يفكر قبل اتخاذ قرار نهائي.

وفي حكم الزني يوازن الإسلام بين الضرر الواقع على المذنب والضرر الواقع على المجتمع، ويقضي بارتكاب أخف الضررين، ويدرأ الإسلام الحدود بالشبهات والستر كما هو الشأن في الزني والقذف حفاظًا على الأسرة وسلامتها.

وفي موضوع حضانة الطفل، يحيط الإسلام الموضوع بسياج قوي من الحماية؛ بوضع ترتيب الحاضنين وشروط الحاضن من عقل وبلوغ واستقامة وقدرة على تربية المحضون وصيانته صحيًّا وخلقيًّا، وسلامته من كل مرض معدٍ فيه ضرر على الطفل.

وحمى الإسلام الطفل من عبث والديه، بأن جعل النسب للأب بالفراش أو البينة، كما حماه في حقوقه في الإرث وفي سلامة الأسرة بتحريم التبني.

جميع هذه القضايا المتعلقة بالحياة الأسرية وغيرها كثيرًا ما تطرح في الوقت الراهن، قضايا فرعية أفرزتها التطورات والتحولات الاجتماعية، ويتعين على الفقهاء الاهتمام بها ودراستها، ومحاولة إيجاد الحلول الناجحة لها بدون مخالفة للشريعة ومقاصدها.

الانتساب الحضاري

لقد تبين من خلال المحور الأول، أن عوامل الانتساب الحضاري إلى الإسلام ومقوماته وضوابطه قوية ومتعددة، ولا يمكن طمسها أو القضاء عليها بيسر، ولكن الغزو الخارجي المكثف والتنكر والتخاذل الداخليين، استطاعا تشويه هذا الانتساب والتشكيك في صلاحيته وجدواه.

فكثير من الترسبات التي تشكل تقاليد ناتجة عن إفرازات حضارية متعاقبة صادرة عن التشريعات والنظم والقيم الإسلامية أو مستنبطة منها، تأصلت عبر العصور وصمدت وتكيفت مع البيئة المحلية، ولا يمكن أن تمحى بسهولة، على أن كثيرًا من المؤسسات الشرعية أو الحضارية، بدأت تتهلهل ويغشاها الوهن.

فالروابط الأسرية مثلاً، بدأت تفتر وتتفكك بل تتلاشى أحيانًا، والتستر الذي يعد فضيلة من فضائل النظام التشريعي والحضاري الإسلامي تغير عما كان عليه من أمر في الغرب حتى ما قبل الحرب العالمية الثانية، فكانت مظاهره واضحة في السكن (الأسلوب المعماري)، وفي تستر المرأة خارج بيتها.

وعُوِّض التكافل الاجتماعي، والتواضع والتآزر بين الأقارب والجيران، وبين الأغنياء والفقراء، بالأنانية والفردية والنفعية والكبرياء، وكثرة الشره على جمع المال لكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة. ومعلوم أن الله تعالى وصف الإنسان بأنه يحب المال حبًّا جمًّا، وسادت روح الأثرة على الإيثار والتزاحم وحب الدنيا على التزود للآخرة.. وباختصار كبير ضعف الإيمان والشعور الروحي الرادع للنفوس، فاتسعت الغفلة وسيطر الهوى على الناس، فزاغت الأبصار وانتكس المجتمع.

وإن ما يثلج الصدر ويحيي الأمل في النفوس في انبثاق الصحوة الإسلامية التي أصبحت تقوم بدور مهم في دعوة المسلمين إلى دينهم، خاصة عن طريق العبادات والأخلاق الإسلامية، الأمر الذي يجعلنا ننظر إلى المستقبل بنظرة تفاؤلية، على أمل أن ينصر الله من ينصر دينه، ويعين من يؤمن ويستقيم.

إن الاجتهاد إذن، لا يستغنى عنه في سائر مناحي الحياة من عبادات ومعاملات وعادات وعلاقات. وإن الفرائض في التشريع الإسلامي قليلة إذا ما قورنت بالمستحبات والمندوبات والنوافل وآداب التعبد والمعاملة، فضلاً عن الرخص الكثيرة والكفارات والإعفاءات الجزئية أو الكلية.. ثم إن تطبيق الأحكام الشرعية يعتمد على مقاصد وأهداف تربوية وتهذيبية من لدن الشارع، كما تعتمد على نية المكلف وطاقته.. وتلعب السنة والسيرة النبوية دورًا أساسيًّا في تشكيل البيئة المثلى في الانتساب الحضاري الإسلامي. وهكذا حرص الإسلام على إحاطة المسلمين بسياج من التعليمات والتوجيهات، من شأنها أن تتمكن من تكييف الفرد مع أهدافها، وتحصينه وإعانته على التغلب على مواطن ضعفه باجتنباب استعمال سيء للغرائز والنوازع.

إن جدوى الاجتهاد وفاعليته، لا تتحقق إلا بتبني هذه الأهداف والمرامي، أي إن على المجتهد أن يتحلى بالمرونة الكافية في الاستنباط من النصوص واستغلال سعة التشريع ومقاصده، ثم عليه أن يستعمل الوسائل الكفيلة بالتنفيذ والأساليب القوية في الدعم، وأعني بها التوعية الروحية والخلقية التي لن يكون للاجتهاد أثر بدونها، وتشجيع العمل بالمستحبات والنوافل التي تساهم في تطهير النفس والتقرب من الله تعالى.

إن المجتهد في العصر الحاضر، مطالب بالإلمام بالدراسات الاجتماعية والنفسية المتعلقة بمجتمعه، ومطالب كذلك باكتساب ثقافة عامة عن الأوضاع في بلاده، وكذا عن معالم التقدم العلمي والطبي والتقني، كي يعيش عصره ويستطيع تكييف اجتهاده مع الحاجة المتعددة والمتنوعة؛ حاجة التاجر والفلاح والصانع والعامل، وحاجة المريض والمعاق، والمعطوب والمسافر والمهاجر، وحاجة المتزوج والأعزب والوارث والحاضن والولي وحاجة المقرض والمدين، والحكم والمحكوم.. إلخ.

والمجتهد مطالب من جهة أخرى، بالاجتهاد في أسلوب العرض وتيسير التطبيق، من مثل أساليب تطبيق الزكاة (جمعًا وصرفًا) وفي استغلال الوسائل الإعلامية والتقنية التبليغية الحديثة.

فالاجتهاد لا ينبغي إذن، أن يحصر في الاستنباط الضيق من النصوص، مقتصرًا على الجانب النظري الذي قد بتعذر تنفيذه لأسباب محلية أو ظرفية أو قانونية أو عائلية أو دولية.

(*) كاتب وباحث مصري.