(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) معادلة ربانية لكل من ينشد النجاح والفلاح والتطور والنمو، ولكل من يسعى للعيش في أمن واستقرار ويحقق حياة مثمرة، باستثمار كل قدرات وتوظيف كل المواهب، واغتنام كل الفرص بصورة علمية وعملية وفق سلوكيات قومها العقل الذي يدرك والقلب الذي يعي والجارحة التي تعمل وتنفذ. لهذا تعتبر عملية بناء القدرات بصفة عامة؛ نهج للتغيير الاجتماعي والسلوكي، واستراتيجية تطوير البنية الهيكلية؛ والتي تتركز على فهم العقبات والتعامل مع التحديات التي تفرضها المتغيرات بكفاءة، بغية تحقيق نتائج قابلة للقياس.

وبناء القدرات المجتمعية، هو أكثر بكثير من تمكين الأفراد من الوصول للمعارف والمعلومات، بل يشمل التطوير وإجراء تغييرات قانونية وتنظيمية لتمكين المجتمعات على جميع المستويات، وفي جميع القطاعات للوصول إلى مسائل متعلقة بنوعيه الحياة في المستقبل. وبالتالي أصبحت مسألة الانتباه إلى كيفية تفكير الإنسان وكيفية تأثير البيئة الاجتماعية على تشكيل التفكير أمرًا ضروريًّا خاصة وأن البشر يتأثرون في اتخاذ قراراتهم بالمحفزات المرتبطة بالبيئة، والشبكات والأعراف الاجتماعية المحلية، والنماذج الذهنية المشتركة، كل هذا يلعب دورًا في تحديد ما يراه الأفراد مرغوبًا، أو ممكنًا، أو حتى قابلاً للتحقيق.

لهذا تحتل برامج بناء القدرات قدرًا كبيرًا من الأهمية، ونجدها مدرجة في معظم برامج المنظمات الدولية (كالبنك الدولي، ووكالات التابعة للأمم المتحدة… التي تعمل في مجال التنمية)، حيث أثبتت عدة دراسات أن النجاح الذي يحققه الإنسان في حياته جزء يسير منه فقط (15%) يعتمد على المهارات العملية أو المهنية المتخصصة، والجزء الأكبر (85%) يعتمد على البراعة الاتصالية. وبناء على هذه الأبحاث، يتم إعداد برامج بناء القدرات مركزة على جانبين: الأول مرتبط بقوة العلم والمعرفة. والثاني له علاقة بقوة الدور أو الوظيفة.

أما العلم والمعرفة فتعطي الإنسان مجالاً رحباً من التأثير الإيجابي على الآخرين؛ وتجعله أقدر على امتلاك قلوبهم وإقناعهم بوجهة نظره. وأما خصوص الدور أو الوظيفة التي يمارسها الإنسان فهي تعطيه قوة على التأثير والفعل والإرادة، وهذا له ارتباط بالشخصية الإنسانية والقدرة على التعايش اجتماعيًّا مع الآخرين والانفتاح على صعيد القدرات والقوى لتقبل المستجدات والتغيرات وكسر أغلال التصلب الفكري، وعدم حصره في زاوية معينة طالما أن بصيرتك متيقظة.

وهذه الأخيرة هي المفتاح والسبيل، بل هي ذلك الصندوق المتوهج بداخلنا مصداقا لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب”، فالقلوب أوعية فإذا امتلأت من الحق أظهرت زيادة أنوترها على بقية الجوارح الأخرى، وإذا امتلأت من الباطل أظهرت زيادة ظلمها على باقي الجوارح.. وللأسف الشديد وفي عصرنا الحالي نعاني جمودا، لأن قلوبنا أصبحت ككتل جليدية، صقيعها أدى إلى تجميد كل حواسنا وإدراكاتنا.

علما أن التغيير سمة من سمات الحياة وحالة ضرورية للوصول، فهو يحررنا من الروتين والجمود، ويجلب إلينا البشائر ويمنحنا إمكانية اكتشاف الشيء المجهول ونختبره، لهذا ينبغي علينا أن نسمح للحياة أن تنقلنا إلى اتجاهات مختلفة وجديدة، والانفتاح على آراء وطرق وسلوكيات الآخرين وإدراك أصغر التفاصيل بالسماح لأنفسنا بالاستفادة من التجربة، ونستمتع حتى بالأشياء التي ربما كانت تزعجنا سابقا، بتقبل وتبني طرق جديدة للتعلم والتطور لأن الحياة أكثر بكثير مما تراه العين فقط.

لهذا تعتبر شريعتنا السمحة من الشرائع التي تهتم ببناء وتقويم الأنماط السلوكية بما يخدم الفرد والمجتمع ككيان موحد نواته الوحدة الإنسانية لبني البشر (كلكم لآدم وآدم من تراب) لكي يستشعر الفرد بقيمته الإنسانية وأنه عنصر فاعل في المجتمع، وهذا سيكرس التلاحم والتضامن لإرساء بنيان مرصوص يدعم بعضه: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر”.

فالمجتمع كشجرة تهتز أغصانها جميعا إذا لمستها الرياح لا فرق بين أعلاها وأدناها، لذا فاللبنة والأعمدة التي قام عليها هي المصدر المدعم لصلابة أي مجتمع مهما واجهته من تحديات وعقبات، ومهما خاض من مشاكل وصعاب تبقى اللبنة صمام الأمان التي ستجعله الأبقى على الزمن والأجدر بالتقدير والاحترام. فمن واجب على كل إنسان أن يحب نفسه ويحب غيره فنحن سواء في كيان المجتمع يبقى التفاضل بين الناس في الحياة، بمقدار ما يقدم أحدهم لنفسه وللناس من خير وشر “الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله”.

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه عن مدى نجاعة البرامج بناء القدرات المعتمدة داخل مجتمعاتنا؟ وعن الآليات المعتمدة؟ ثم كيف يمكن لهذه البرامج أن تشكل فارقا أو تأثيرا على السلوك الاجتماعي؟

– العلم وإعمال العقل وسيلة تمكينية لعملية بناء القدرات

تعتمد برامج بناء القدرات، على إطارين: نظري وتطبيقي من المعارف والتجارب الميدانية، من أجل تمكين أفراد مجتمع ما من الحصول على المهارات اللازمة لأداء وظائفهم بكفاءة وتحسينها والاحتفاظ بها. وتعزز تنزيل سياسات مع تسهيل تطبيقها، وأيضا دعم المبادرات الرائدة وتقديم المساعدة الفنية عند الاقتضاء.

هذا النوع من البرامج ذات رؤيا متكاملة، وبأبعاد شمولية ومعاصرة؛ لا تخرج عن تعاليم شريعتنا السمحة. التي تعتبر شريان الحياة، والقاعدة المتينة والسليمة المؤدية إذا ما التزامنا بها “إلى الارتقاء بالسلوك المادي والخلقي والروحي للبشرية في آن واحد لما فيها خيرها”.

فهي المنهاج الذي يملك القدرة على إعادة بناء البشرية على الوجه الصحيح، الذي أراده الله خلافة بالحق والصلاح لهذه الأرض، فالقرآن الكريم دستور الحياة ومفتاح لتوجيه البحث العلمي، فيه كل ما يحتاجه الناس في حياتهم، مشتملاً على الكثير من مصالح المعاش والمعاد، محيطًا بمنافع الدنيا والدين، وصالح لكل زمان … كما يحب الحياة ويقدسها ويحبب الناس فيها، وهو بذلك يحررهم من الخوف ويرسم الطريق المثلى لتعيش الإنسانية متجهة إلى غاياتها من الرقي والتقدم، وهي مظللة بظلال الأمن الوارفة…. فهو لا يرغم أحدا على عقيدة معينة، ولا يكره إنسانا على نظرية خاصة بالحياة… ووسيلته هي استعمال العقل والفكر والنظر فيما خلق الله من أشياء.

وفي هذا يشير الأستاذ الدكتور فاروق حمادة “لقد كان نزول القرآن الكريم منعطفا عظيما، ومحطة هامة في توجيه الإنسان… لهذا كانت دعوة القرآن من أول يوم من نزوله إلى التأمل فيه، وإدراك قوانينه، ومعرفة أحواله، وتقلباته، وأصنافه…. قد بين لنا القرآن قواعد وحقائق عنه حتى لا يزل الإنسان ولا يتوه… فمن كتاب الله المنظور، ينتقل العاقل المتأمل الرشيد إلى كتاب الله المسطور ليوقن بصدق الوحي، فيسمو بروحه وفكره إلى درجة الخاشعين المصدقين الذين تنطلق من حناجرهم ومشاعرهم وهذه دعوة إلى التفكير والاكتشاف معتبرا ذلك الطريق الأصيل لتثبيت العقيدة، وزيادة الإيمان .  ولن يستقيم حال البشر سواء في علاقتهم أو في أحوالهم النفسية والروحية إلا بحصول التكامل المطلوب بين تحصيل العلمي و العمل. 

لأن الإسلام لا يقف عند حد الإشادة بهذه المبادئ،  بل أيضا يعمل على غرسها في النفوس كعقيدة سامية أساسها تقوى الله وابتغاء مرضاته، حتى إذا أينعت وآتت أكلها يأتي دور التنفيذ ممن شرع لهم فيكون بناء على وازع من أنفسهم لإيمانهم بعدالة التشريع، وأن الجزاء الأخروي أعظم من الجزاء الدنيوي. 

وبالتالي، نجد أن النظام الاسلامي وبناءه، تميزت بعمومتيه وأيضا في شموليته لكل ما يتعلق بموضوعات الحياة وأحكامه تصلح في كل زمان ومكان. بتدعيم الروابط الإنسانية وإقامتها على أساس من الحب والرحمة والإخاء والمساواة والعدل، قال تعالى(هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلهم الكتاب والرحمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ، حتى تكفل للناس الحياة الكريمة المهذبة، والتي تصل بهم إلى أعلى درجات الرقي والكمال.

السلوكيات الاسلامية أســــاس السلوك الاجتماعي القـــــويم

يشير مفهوم السلوك حسب ما ذكره المفكرون العرب، إلى ذلك الفعل الذي يعبر عن الأعمال الإرادية التي يمارسها الإنسان مثل الكذب والصدق والكرم والبخل… سلوكيات خلقية في النفس أي استجابات لما ترغب فيه النفس البشرية سواء كان منها ما هو إيجابي أو سلبي. وحسب الدراسات السيكولوجية، التي تؤكد بأن السلوك يرتبط بالدرجة الأولى بتصوراتنا السابقة وعواطفنا ودوافعنا والتاريخ والبيئة… كلها عوامل تدخل في تفسير ما يتخذه الأفراد من قرارات في العديد من المدخلات المرتبطة بحياتهم. 

في حين ومن منظور النهج الاسلامي المتكامل، نجد بعض السلوكيات لا تتعلق بالعادات والتقاليد أو الاتجاهات، بل أساس ممارستها مرتبطة بطبيعة ديننا من طاعات وعبادات؛ خاصة التي حثت عليها السنة النبوية، كمصدر توضيحي وشارح في التشريع الإسلامي الذي يوجهنا إلى طريق الخير والصلاح والإعمار.

وهذه السلوكيات تعرف بالسلوكيات الاسلامية، وهي في مجملها تدعوا إلى كل ما فيه رقي للمجتمع وتمد جسور المحبة بأشكالها المختلفة، كالدعوة مثلا إلى إعمال طريقة الحوار السليمة، وحب الحق والمساواة بين الناس، وتحقيق العدالة، وتبادل الهدايا، والدعوات، وزيارة المريض، وتقديم المساعدة للفقراء والضعفاء المحتاجين، وأيضاً الوقوف بجوار اليتيم، الاهتمام بالضعيف، والرفق بالصغير واحترام الكبير وغض البصر وكف الأذى… هي جميعا سلوكيات انسانية سوية التي يحث عليها الدين الإسلامي على تطبيقها وأوصى النبي الكريم بضرورة الحرص عليها وممارستها

وبالتالي، نجد أن عملية بناء وترصيص لبنية مجتمع ينشد الرقي والرفاهية، يتطلب مهارات فكرية وذهنية وأناس يحكمهم التميز والعبقرية والصلابةـ واستقامة الشخصية والتعلم الجيد والعلاقات التي تتطور مع الوقت والنزاهة والصدق والعمل الجاد والرحمة بالآخرين. خاصة وأننا نملك ضروريات وأصول الحياة، ما علينا سوى اعمال فكرننا… وأي خلل يوجد في الوجود لا بد أن يصادفه تعطيل حركة الطاقة في ميدان الحياة وتعطيل الحركة ينشأ عن نوعين الكسل في استنباط نعمة الله في الوجود أو استنباط بعض الموهوبين أو القادرين على العمل للشيء ثم يحجز أصحاب الحقوق عن حقوقهم.

وفي الأخير نستخلص، أن الشخصية الإنسانية التي تسعى برامج بناء القدرات على إيجادها، هي تلك التي تمتاز بالرغبة في التحدي المستحيل والتي تدفع بقهر الصعاب، وتجعل الفرد يعمل على توظيف فكره وعقله في جذب باب الأمل إليه بدل الانتظار أن يفتح له من الخارج، لأن التركيز على النتائج فقط سوف لن نتغير أبدا، والعكس صحيح إذا ركزنا على التغيير سوف نحصل على النتائج المرغوب فيها.

الهوامش:

  • السيد سابق: فقه السنة)السلم والحرب المعاملات ( المجلد الثالث، دار الفكر والطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الرابعة 1984
  • ابن كثير) قصص الأنبياء ( وأيضا سيد قطب)في ظلال القرآن(  وأيضا د. الشاهد البوشيخي ورقات في المسألة العلمية.
  • صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (  4 / 361 )
  • الإمام محمد عبده: الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية؛ مقالات نشرت في مجلة المنار،ط 4/  1349