هل سبق وتناولت حليب الإبل؟ ما حقيقته؟ ما فوائده؟ هل له أضرار؟ هل هو غذاء له فوائد غريبة كما يدعي البعض؟ بمراجعة ما تنشره المجلات العلمية في مجالات الطب والتغذية وغيرها، نلحظ اهتمامًا متزايدًا بحليب الإبل الذي يشكل أحد المصادر الغذائية المهمة في مناطق واسعة من العالم، وبخاصة في المناطق التي تشكو كثرة الأمراض والفقر في أفريقيا وآسيا. فقد أشارت الدراسات العلمية القديمة والحديثة في نتائجها، إلى أن حليب الإبل ذو قيمة غذائية عالية، مما دفع منظمة “الفاو” التابعة للأمم المتحدة، إلى تبني الاهتمام بحليب الإبل.

والموضوع له جانبان، أحدهما يتعلق بالفوائد الصحية العامة التي يجنيها جسم أحدنا من تناول حليب الإبل، والثاني يتعلق بالدراسات العلمية التي حاولت فهم التأثيرات الطبية العلاجية، لتناول حليب الإبل في عدد من الأمراض التي تصيب ملايين البشر اليوم. وهذان العنصران يشكلان قوام النظرة الطبية الحالية لحليب الإبل، وهما أساس مطالبة كثير من الباحثين في الوسط العلمي برصد مزيد من الاعتمادات المالية لإجراء المزيد من الدراسات العلمية حوله.

يسمى حليب الإبل بـ”الذهب الابيض”، لما له من فوائد وقائية وعلاجية وصحية كثيرة يضيق المجال عن ذكرها. فقد ذكرت العديد من الدراسات أن حليب الإبل يحتوي على نسبة عالية جدًّا من الأحماض الدهنية الأحادية وغير المشبعة، ومصل اللبن، واللاكتوفيرين، والجلوبولين المناعي، وفيتامين (ج) و(هـ)، والليزوزيم (أنزيم يعمل على القضاء على البكتريا الضارة)، والمنغنيز والحديد، وكذلك هرمون الأنسولين.. لذلك يمكن وصف حليب الإبل كعلاج في العديد من الأمراض التي تصيب الإنسان؛ مثل الدرن والاستسقاء واليرقان وهشاشة العظام والكساح لاحتوائه على نسبة جيدة من الكالسيوم والفوسفور. لذا فقد قام العلماء بسبر أغوار تلك المركبات، لتحديد ماهيتها وكمياتها وطرائق تأثيرها على صحة الجسم، فكان منها:

التأثير المخفض لسكر الدم

ويعزى هذا التأثير إلى احتواء لبن الإبل على كميات كبيرة من مركبات طبيعية شبيهة بالأنسولين المسؤول عن ضبط سكر الدم، كما أن لصغر حجم البروتينات المناعية في لبن الإبل دورًا في التقليل من ارتفاع سكر الدم من خلال تأثيرها الإيجابي على خلايا “بيتا” المفرزة لهذا الهرمون المنظم، لذلك ينصح الأطباء مرضى السكري بشرب حليب الإبل الطازج بشكل يومي، لتثبيت مستوى السكر الطبيعي في الدم، ومنع ارتفاعه، وتحسين عمل البنكرياس، وبالتالي أخذ جرعات أقل من الإنسولين، ورغم أن التراث البدوي في مختلف أنحاء العالم قد ذكر هذه الحقيقة من قبل، إلا أن العلم لم يؤكدها إلا مؤخرًا.

فقد أجري بحث في جامعة القاهرة بمصر استمر ١٦ شهرًا على مرضى السكري من الفئة الأولى والمعتمدين على حقن الإنسولين، حيث تبيّن أن حليب الإبل ساعد على تخفيض معدل السكر في دمهم. وقد أجري بحث مشابه في مركز لأبحاث مرض السكري في الهند على مرضى السكري من الفئة الثانية، وأظهر البحث أن حليب الإبل خفّض معدل السكر في الدم.

وقد لوحظ أن مرضى السكري الذين يواصلون شرب لبن الإبل، يتمتعون بصحة جيدة وحيوية متدفقة، لدرجة أنه قد تم إنشاء عيادات خاصة في الهند تعتمد على استخدام لبن الإبل بوصفه برنامجًا غذائيًّا مكملاً للبرنامج العلاجي ضد الأمراض، مثل السكري وما يصاحبه من الأمراض الأخرى، كمضاعفات نتيجة ضعف الجهاز المناعي، منها السل والالتهاب الكبدي الوبائي، اعتقادًا منهم أن لبن الإبل يمتلك مزايا تؤهله لتغذية الإنسان وحمايته من الأمراض. وقد أثبت الباحثون أن لترًا واحدًا من حليب الإبل الكامل الدسم، يحتوي على نحو ٥٢ وحدة من هرمون الأنسولين، وهو لا يتأثر بحموضة معدة الإنسان بخلاف أنواع الأنسولين الأخرى. كما أن شرب حليب الإبل يوميًّا يعطي نحو ٦٠-٧٠ في المئة من احتياجات مريض السكري من الأنسولين.

كما أظهرت دراسة جديدة، أن تناول الحليب الكامل الدسم ومشتقاته من الألبان والأجبان، قد يحمي من الإصابة بمرض السكري، حيث أوضحت الدراسة أن حمض “الترانس – بالميتوليك” الدهني الموجود في الألبان والأجبان الكاملة الدسم، قد يساهم في الحماية من الإصابة بمرض السكري، فحينما ترتفع نسبة حمض “الترانس – بالميتوليك” في الدم تنخفض كمية الدهون في منطقة البطن، ويصبح الشخص أقل عرضة لمقاومة الأنسولين، ما يجعله أقل عرضة للإصابة بالسكري من النوع الثاني.

وعن التأثير المخفض لكولسترول الدم؛ أظهرت نتائج عدد من الدراسات التجريبية على الإنسان والحيوان، قدرة لبن الإبل على خفض كولسترول الدم، وقد تعددت الفرضيات التي وضعت لتفسير هذا التأثير، فكان منها وجود حمض الأوروتيك وغيرها من الفرضيات التي تتمحور حول دور بروتينات اللبن في الحد من ارتفاع كولسترول الدم.

وعن التأثير المخفض لارتفاع ضغط الدم؛ يعزى إلى قدرة بروتينات لبن الإبل على منع وتثبيط إنزيم يرمز له بالرمز “أي سي إي” (ACE)، وهو إنزيم مسؤول عن رفع ضغط الدم من خلال زيادة قدرة الجسم على حبس السوائل ومنع طرحها خارجًا. ويزداد هذا التاثير المخفض لارتفاع الضغط، من خلال تخمير لبن الإبل وإنتاج اللبن الرائب منه، حيث تسهم البكتيريا النافعة المسؤولة عن التخمر في زيادة كمية البروتينات المثبطة لهذا الإنزيم.

مكافحة السرطان

أثبت حليب الإبل أنه يعوق خلايا الورم من النمو والانتشار في عدد من السرطانات، مثل سرطان الكبد وسرطان القولون وخلايا سرطان الرئة، حيث إن الأجسام المضادة الموجودة في حليب الإبل مثل اللاكتوفيرين والغلوبيولين المناعي نشطة للغاية، وقادرة على الارتباط بالخلايا السرطانية وقتلها أيضًا يمتلك حليب الإبل نشاطًا قويًّا مضادًّا للأكسدة ومضادًّا للميكروبات، يمكنه من تقليل التهاب الكبد وتعزيز الأداء الصحي للكبد.

مكافحة الالتهابات الميكروبية وتعزيز المناعة، حيث يضم مجموعة هائلة من الإنزيمات التي تتصدى للأمراض والتي تحد من ظهور الحساسية، كما تعمل المعادن الموجودة به على تكوين وتحفيز إنتاج الأجسام المضادة للجراثيم، وبهذا تقوي الجهاز المناعي وتحفظ الجسم من الإصابة بالأمراض.

يحمي الكبد ويعالج مرضى التوحد

استخدم حليب الإبل لعلاج مرضى التهاب الكبد الوبائي سي، فقد وجد أنه يتحكم في مستويات إنزيمات الكبد، ويقلل الحمل الفيروسي في ٧٥٪ من المرضى.

ولقد وجد أن حليب الإبل يمكن أن يستخدم كعلاج لمرضى التوحد عن طريق تخفيض معدل الإجهاد التأكسدي، بسبب احتوائه على عدد كبير من مضادات الأكسدة في شكل فيتامينات ومعادن، تحفز تصنيع الجلوتاثيون الذي يقلل من معدل الإجهاد التأكسدي. فقد كشفت المجلة الدولية للتنمية البشرية، أن طفلة كانت تعاني من التوحد شفيت تمامًا منه واختفت جميع أعراضه بعدما تناولت حليب الإبل لمدة ٤٠ يومًا.

أهميته بالنسبة للأطفال

أظهرت بعض الدراسات أن لبن الإبل مزود بمستوى عال من الكالسيوم الذي يشكل خط دفاع داخل الأمعاء لمنع امتصاص الرصاص؛ مما يوفر للأطفال عنصر الحماية من مخاطر الأثر التراكمي للرصاص وخاصة على المخ والجهاز العصبي.

كما يمتاز لبن الإبل بسهولة الهضم والامتصاص، حيث يمثل كازين (Casein) لبن الإبل ٧٠٪ من البروتين، وهو الأقرب للبن الأم الذي يمثل فيه الكازين ٦٠٪ من البروتين، بينما يمثل الكازين ٨٠٪ من بروتين لبن الأبقار التي تعوق عمليتي الهضم والامتصاص عند الأطفال حديثي الولادة.. بالإضافة إلى أنها تشكل عبئًا ثقيلاً على الكلى، وتؤدي إلى زيادة اليوريا في الدم، مما يعرض الأطفال لمخاطر صحية.

مكافحة الشيخوخة

يحتوي حليب الإبل على حمض ألفا هيدروكسيل، الذي يساعد على تنعيم الخطوط الدقيقة ويمنع التجاعيد، كما أن وجود فيتامين (ج) في الحليب يضفي أنشطة واقية لأنسجة الجلد، وفيتامين (ج) ضروري أيضًا لإنتاج بروتين الكولاجين، لأنه يساعد على نمو الخلايا والأوعية الدموية، وبالتالي يضفي قوة وثباتًا على الجلد، كما يحمي فيتامين (ج)، الجلد من الجذور الحرة التي تسبب بعض مشاكل الجلد، مثل التجاعيد والجفاف.

تقوية القدرة الجنسية

فقد أظهرت الدراسات أن تناول لبن الإبل بصورة منتظمة، يؤدي إلى تقوية الناحية الجنسية لمرضى السكر، كما أن المعمرين الذين يبلغون سن التسعين من عمرهم والمنتظمين في تناول لبن الإبل يحتفظون بقدرتهم الجنسية العالية.

غذاء للمخ

لبن الإبل مهم لبناء وتركيب خلايا المخ والخلايا العصبية، حيث يتحلل سكر اللاكتوز داخل الأمعاء الدقيقة إلى جلوكوز وجلاكتوز، وسكر الجلاكتوز أحادي يستطيع أن يمر من غشاء الأمعاء ليصل إلى الدم ومنه إلى المخ، ليصبح أعظم غذاء للمخ وهو هام لبناء الخلايا العصبية، والجلوكوز يصبح مصدرًا للطاقة.. ومن هنا يتم تنظيم تركيزه في الدم، مما يسهل من الأداء الوظيفي للأنسولين.

مضاد للبدانة

فهو يمتاز بخصائص تؤدي إلى تخفيض الوزن، وتفسير ذلك أن السعرات الحرارية الناتجة عن تناول لبن الإبل أقل من نظيراتها في لبن الأبقار، وهذا مفيد للكفاءة الوظيفية للأنسولين، حيث إنه لا يعمل في الأجواء الدهنية.

(*) كاتبة وباحثة مصرية.