لما كانت الصحة والشباب من أهم الموضوعات التي تشغل الإنسان، فإن أول سؤال يتبادر إلى ذهن أي شخص هو: هل سنصل إلى سر الشباب الدائم في هذا القرن؟

تنبوءات العلماء تشير إلى إننا مقبلون على مرحلة ذهبية في حيــاة البشرية، بعـد أن أصبح التوصل إلى جميع الجينات البشرية التي وصل عددها إلى١٤٠ ألف نوع، بمثابة القاموس الذي يستخدم لتفــسير أسباب جميع الأمراض، بدءًا من أمراض القلب حتى الأمراض المستعصية مثل السرطان، والزهايمر، والآيدز، وكوفيد ١٩.. كما أن جراحات زراعة الأعضاء تسهم كثيرًا في إنقاذ حياة المرضى وإطالة أعمارهم.

على صعيد زراعة القلب -مثلاً- هناك عمليات زرع لضمان تدفق الدم إلى عضلاته، وقد بدأ الأطباء يستخدمون العلاج بالجينات لزرع أوعية دموية جديدة، ومن المتوقع زراعة أجزاء من القلب في المختبر، أو تحفيز خلايا عضلات القلب لإصلاح نفسها بنفسها. وعلى صعيد الأعصاب، فإنه يتم اليوم استنباتها في المختبر من خلايا الخنزير، ومن المتوقع مستقبلاً إعادة زرعها من الخلايا الجذعية للفرد. وبالنسبة للأطراف، فإنه يجرى هذه الأيام زراعة أطراف بديلة اصطناعية متصلة كهربائيًّا بالجهاز العصبي، وفي المستقبل قد يصبح ممكنًا وصلها كهربائيًّا بالدماغ.

وفي الوقت الراهن، نجح الباحثون في استنبات طبقات من الجلد في المختبر، مأخوذة من الإنسان نفسه، ومن الممكن مستقبلاً زراعتها في الجسم من الخلايا الجذعية. وعلى صعيد العظام والغضروف، فإنه يتم استنباتها مخبريًّا هذه الأيام، وربما أمكن التوسع في إنتاجها، وقس على ذلك الأوعية الدموية التي يمكن استنباتها وزراعتها أيضًا.

في نفس الصدد، فإن الصلع والاهتمام بإعادة نمو الشعر، من الأمور التي تشغل عددًا من العلماء. وقد قامت جامعة كورنيل مؤخرًا، بتجربة على الفئران قد تكون الأمل في نمو الشعر. وكان العلماء قد توصلوا إلى جينة معينة تتحكم في تطور نمو الشعر، وقاموا بحقن فأر في المعمل بهذه الجينة عن طريق خلطها بفيروس البرد لتصل إلى بصيلات شعر الفأر، وكانت النتيجة نمو الشعر بغزارة، ولكن الأهم هو تجربة ذلك على الإنسان.

إن المحاولات العلمية تجري على قدم وساق، بهدف تطوير علاج لظاهرة الصلع واستعادة الشعر أو جزء منه، وقد تم مؤخرًا تطوير نسخة جديدة من أدوية تساعد على ذلك.. كما أن هناك عمليات زرع للشعر تجرى هذه الأيام بكثرة، ومن المتوقع تطوير علاجات فعّالة، وربما أمكن حفز بصيلات الشعر المقلصة بواسطة البروتين مستقبلاً. أما العين، فإنه تجرى حاليًّا عمليات بالليزر، أو عمليات زرع لعلاج قصر أو بعد النظر، ومن الممكن مستقبلاً زرع عدسات لعلاج النظر مع المحافظة على تماسك قرنية العين.

محاولات جريئة

وبالنسبة للأذن، فإنه تجرى حاليًّا عمليات زرع لحلزونية الأذن الباطنية لاستبدال الأذن الداخلية المعطوبة، ومن المتوقع مستقبلاً إجراء عمليات زرع يمكن تعديلها وفق السلسلة الأوسع من الترددات على مسافات بعيدة. وبالنسبة للصدر، فإنه تجرى له حاليًّا عمليات إعادة بناء بطرق مختلفة، منها ما يجري بواسطة الخلايا الحية المأخوذة من منطقة الظهر أو البطن، ومن المتوقع مستقبلاً استنباتها مخبريًّا من خلال الشخص نفسه ومن ثم زرعه في المريض.

أما على صعيد زراعة الدماغ، فدائمًا كان يثور التساؤل المحير: هل يستطيع المرء في المستقبل أن ينمو له دماغ جديد يطيل من عمره؟

كانت الإجابة بالطبع: “لا”، ولكن الأبحاث الأخيرة التي أجريت على الخلايا العصبية الجذعية، أثبتت أن هناك وسائل لإصلاح الأضرار فقط حتى يمكن “تصنيع” أجزاء كاملة من الدماغ.

فمع انتهاء “عقد المخ” الذي أعلنه الرئيس الأسبق جورج بوش الأب في بداية التسعينات، رأى أطباء الأعصاب أن إمكانية زراعة مخ، قد تتحقق في القرن الحادي والعشرين. وقال الدكتور إيفان سنايدر بمستشفى الأطفال التابع لكلية طب هارفارد: “لا يوجد مستحيل”. و”الحقيقة أن الحديث عن زراعة المخ، تكتسب أحيانًا سمة الفكاهة، لأن آخر شيء قد نفكر فيه هو زراعة المخ.

استطاع العلماء تكسير هذه النبوءة بعد أن تطورت عملية زراعة خلايا جديدة في المخ لعلاج مرض “باركنسون” أو الشلل الرعاش، وهو مرض يصيب عددًا كبيرًا من الأمريكيين، ويجعلهم غير قادرين على الحركة وبنسبة تصل إلى قرابة مليون أمريكي. ويرجع سبب هذا المرض إلى تدهور خلايا المخ، مما يفقدها القدرة على إنتاج مادة كيماوية ضرورية لنقل الرسائل الصادرة عن المخ لمختلف أجزاء الجسم بسبب التدمير البطيء لخلايا المخ التي تفرز تلك المادة المسماة “دوبافين” الكيميائية.

وقبل نحو عشر سنوات، شرع الباحثون السويديون يزرعون خلايا منتجة لمادة “دوبافين” أخذوها من أجنة بشرية في أدمغة مرضى باركنسون، وقد أدت العملية إلى تحسن القدرات الحركية للعديد من المرضى، ولكن بطريقة جزئية وليس في جميع المرضى.. ولو أمكن -على سبيل الافتراض- تحسين فرص نجاح هذا النوع من العمليات، فإنه من المستحيل أن يصبح روتينًا عاديًّا.

حتى اليوم لم يحقق الطب سوى القليل على صعيد زرع خلايا المخ، حيث يقوم الأطباء بالحصول على خلايا المخ من الأجنة في حالات الإجهاض، ويتم زراعة هذه الخلايا في المختبر لتتكاثر ثم تزرع في مخ المريض، إلا أن هذا العلاج نادر، نظرًا لأن أي مريض بحاجة إلى أنسجة أكثر من ١٥ جنينًا.

في الوقت الراهن، يمكن أن تجرى محاولات عمليات زرع لأجزاء من المخ بخلايا جذعية، ولكن بعد وجود متبرعين. ولذا فإن عملية زرع مخ كامل، أشبه بقصص الخيال العلمي، إذ يقول البروفيسور الأمريكي إيفان سنايدر: “لا أستطيع تصور أن تكون عمليات زرع المخ للبشر ممكنة في السنوات العشرين المقبلة، فالتوصيلات المطلوب إجراؤها هي في منتهى التعقيد وتعد بالملايين، غير أن زرع خلايا دماغية، هي قصة أخرى أشد صعوبة وخطورة”.

نقلة علمية تفوق الخيال

وكان قد حدد جراح إيطالي موعدًا لإجراء أول عملية جراحية لزراعة رأس كامل في العالم، وسط آمال بأن تفتح الخطوة بابًا أمام علاج حالات مرضية معقدة حين قال الطبيب سيرجيو كانافيرو، وهو مدير هيئة طبية إيطالية لتعديل العمليات العصبية المتقدمة: “إن الوقت المقترح لتنفيذ العملية الجراحية، هو فترة أعياد الميلاد في عام ٢٠١٧م الماضي”.

وكان من المرتقب أن تجري العملية من خلال قطع الرأس وسحب النخاع الشوكي للراغب في إجراء العملية، ونقلهما إلى جسدٍ توفي حديثًا، ثم تحفيزهما فيه عن طريق النبضات الكهربائية بعد الغيبوبة.

وقد تبرع مبرمج شاب روسي يدعى فاليري سبيريدونوف بالغ من العمر ٣٣ عامًا مقيم في الولايات المتحدة، ويعاني من مرض جيني نادر وقاتل في دماغه يسمى “وردنج هوفمان”، وهو مرض وراثي نادر يصيب الأطفال، ويسبب ارتخاء في عضلات اليد والأرجل وضعفًا في عضلات الصدر، ولا يتطور هيكله العظمي وعضلاته مما يؤدي إلى عدم القدرة على التنفس بشكل طبيعي أو ضيق في التنفس، وظهور البلغم وكثرة السعال.

هذا المرض في العادة، يسبب الوفاة خلال شهرين إلى أربعة أشهر من تاريخ الولادة، وقد لا يظهر عند الولادة مباشرة، إذ يمكن أن تبدأ أعراضه من سن أربعة أشهر وحتى أربع سنوات، وكان المتبرع الروسي يريد نقل رأسه إلى جسم آخر، قائلاً إنه سئم وضعه الحالي، وحاجته الدائمة إلى من يعتني به، بسبب تنقله على كرسي متحرك. ويذكر أن الجراح كانافيرو كان قد اقترح عليه إجراء هذه العملية، ولكنه ألغى القيام بعملية زرع رأس، بسبب خطبته لفتاة روسية عقد قرانه عليها ورزق منها مؤخرًا بطفل.

وكان سبيريدونوف يعتزم نقل رأسه إلى جسم آخر في عملية أثارت حتى قبل القيام بها عاصفة من الجدل والانتقادات. وكان من المفترض أن يقوم بتلك العملية، الجراح الإيطالي سيرجيو كانافيرو الذي بات يلقب بـ”الدكتور فرانكنشتاين”.

وبينما لا يزال الطبيب معتكفًا على أبحاثه في الصين، حيث وجد تمويلاً لمشروعه، يعيش الشاب الروسي الآن حياة جديدة واستثنائية مع زوجته أناستاسيا بانفيلوفا الحاصلة على ماجستير في التكنولوجيا الكيميائية.وتجدر الإشارة إلى أن الطبيب الإيطالي الشهير سيرجيو كانافيرو، كان قد صرح بأن القيام بهذه العملية المعقدة، كأول عملية جراحية من أجل زراعة “رأس بشري حي” قد أصبحت وشيكة.

كما صرح في وقت سابق بأن حظوظ نجاح عملية “زرع الدماغ” تصل إلى ٩٠٪، موضحًا أنها تستلزم مشاركة ٨٠ جراحًا، كما ستكلف ١٠ ملايين دولار.

وقت العملية قد يستغرق أكثر من ١٨ ساعة إذا تمكن الفريق خلالها من ربط العمود الفقري والأوعية الدموية والأعصاب، فيما يبحث الفريق الآن عن أحياء راغبين في الخضوع لمثل هذه العملية.

إلا أن الصعوبة الرئيسة في هذه العملية، تكمن في ربط الألياف العصبية وليس الكتلة العضلية والعظام، لأنه عندما يتم فصل الرأس عن جسم المتبرع، ينقطع وصول الأكسجين والدم إلى الدماغ، لذلك لن يكون لدى الأطباء سوى دقائق معدودة لإعادة تدفق الدم إليه.

وكان طبيبان جراحان، قد أكدا في يناير الماضي، نجاحهما في إجراء عملية زراعة للرأس لدى القرد، كما تم إجراء عمليات أخرى لزراعة الرأس لدى الفئران، لكن تلك العمليات أجريت على كائنات ميتة.

تحقيق الحلم إنجاز القرن

ولكن أخيرًا تحطمت تلك النظريات تمامًا في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا، فبعد جراحة استمرت ١٩ ساعة متواصلة، تم بنجاح أول عملية جراحية لزرع رأس إنسان في جسد إنسان آخر؛ فقد كان “بول هورنر” البالغ من العمر ٣٦ عامًا، يعاني من سرطان العظام في كل أنحاء جسده منذ خمس سنوات، وبعد فقدانه الأمل في الحياة وافق على استئصال رأسه من جسده وزرعه في جسد آخر، وتمت الجراحة في شهر فبراير الماضي عن طريق فريق من الجراحين في تخصصات مختلفة بقيادة البروفيسور “مايرون دانوس” في مستشفى أكاديمية شارلوت ماكسيكس بجوهانسبرج، ولم يتم الإفصاح عنها حتى تم التأكد من نجاحها.

يقول دكتور “توم داوني” أحد أفراد طاقم الجراحين: “إن الجراحة هي نقلة علمية رهيبة، ولقد أثبتنا أنه من الممكن فعلها، حيث تمكننا من إعطاء جسد جديد بجودة الجسد القديم وربما أفضل، لمريض عانى الكثير”.

ولكنني على المستوى الشخصي، ورغم انبهاري بهذا النجاح العلمي العظيم الذي سيقلب الكثير من الثوابت العلمية رأسًا على عقب، إلا أن مخ الإنسان في الظروف الطبيعية، لا يمكن أن يعيش بدون دم أكثر من ثلاث دقائق، وإذا تم تجميده لدرجة حرارة تحت الخمسين، يمكن أن يصمد لمدة ثلاثين دقيقة، فهل تكفي ثلاثون دقيقة لإعادة توصيل الدم مرة أخرى للمخ بعد فكه من التجميد؟

أيضًا، ماذا عن الأعصاب والنخاع الشوكي، وإمكانية توصيل الحبل الشوكي لشخص حي؟ فلم يحدث في التاريخ أن تم توصيل النخاع الشوكي، ولا يوجد حتى الآن طريقة علمية مثبتة لعمل ذلك.

مع الأخذ في الاعتبار الرفض المناعي، وحقيقة أن الطب لم يتمكن حتى الآن من إصلاح الأعصاب التالفة وليس فقط توصيل الأعصاب بين شخصين، كما أن الدماغ البشري يتطور في تناغم مع الجسد، كذلك فإن منطقة الرقبة بها من الأعصاب إذا فقدت تودي بالحياة، مثل العصب المغذي للحجاب الحاجز على سبيل المثال.

كما أرى أنه من الضروري وجود لجان أخلاقية تمثل جميع فئات المجتمع، فضلاً عن اتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة للتأكد من أن الفريق العلمي لا يتخطى الحد الفاصل بين تحسين حياة الإنسان ومحاولة “إنشائه” في المختبر.

ثم يهاجمني تساؤل آخر محير: من سيحاسب على التصرفات بعد الزراعة، الدماغ أم القلب والبدن؟ وأين تبقى الروح؟ وهل سيتم حلول الروح الخاصة بالدماغ في الجسد الجديد؟ ومن سيتغلب، القلب القديم أم العقل الجديد؟ ومن منهما الميت والحي؟

(*) أستاذ جراحة التجميل المتفرغ والعميد الأسبق لكلية طب الإسكندرية / مصر.

المراجع

(1) Mary (2020). Stiff: La vie curieuse des cadavres humains. W. W. Norton & Co. Roach.

(2) Eric (2019). “Vladimir P. Demikhov, 82 ans, pionnier dans les greffes, meurt”.

(3) Putre. “Le chirurgien de cerveau de Cleveland de facteur de Frankenstein, Robert J. White a une tête pour la transplantation”. Cleveland Scene. 2017.

(4) Sergio Canavero, HEAVEN: Projet d’anastomose de la tête. Aperçu du projet pour la première greffe de tête humaine avec une liaison rachidienne (GEMINI), 2018.

(5) HEAVEN S. (2018): Projet d’anastomose de la tête. Aperçu du projet pour la première greffe de tête humaine avec liaison rachidienne (GEMINI). Surgical Neurology International

(6) Emma. “Les têtes de rat du nourrisson se sont greffées sur les cuisses des adultes”. Nouveau scientifique. “Greffe de tête possible à basse température”. Chimie et industrie, 2016.