رحّالة فذّ، ومغامر جسور، ومُلاحظ دقيق، ومستشرق مُنصف. حياته قصيرة لكنها حفلت بالإنجازات الكبيرة. رحل إلي بلاد الشام، ثم بلاد النوبة، وكتب ملاحظاته عن البدو، ونشأة المملكة العربية السعودية، وانتهي برحلات في شبه جزيرة العرب. وعاد إلى مصر التي توفي فيها، وفتح “كنوزنا” الأثرية، فكان “رائداً” في وصف مدينة “البتراء” الأردنية، ومعبد “أبي سمبل”. كما ترك وصفاً هاماً  ـ ضمن كثير مما وصف ـ  لكل ما له صلة بالخيل العربية الأصيلة، والإبل النجيبة داخل جزيرة العرب وخارجها.

يُعتبر الرحالة السويسري الأصل “يوهان لودفيج بوركهارت” (Johann Ludwig Burckhardt  1784ـ 1817) من أوائل المُستكشفين لبلادنا العربية في عصر الإمبراطورية العثمانية، ولقد وصف التراكيب السكانية والقبلية، والعادات والتقاليد البدوية، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما وصف علاقات جزيرة العرب (بحجازها، ونجدها، وعسيرها) بشبه جزيرة سيناء، ومصر، والشام. وذلك عن طريق وصفه لطرق الحج (المصري والشامي واليمني)، والطريق بين المدينة والقصيم. مما جعل كتاباته مراجعاً في بابها. هامة لكل من نبش في العلوم الأنثروبولوجية والسوسيولوجية لتلك الحقبة من حقب بلادنا العربية. وكان “بوركهارت” قد انتقل، عام 1806م، إلى لندن بعد احتلال “نابليون” لبلاده. وكان المناخ العام في “لندن” مهتماً بالعالم الإسلامي، لتنافس “باريس” هناك، والتحق “بوركهارت” بالجمعية الملكية المعنية بالاكتشافات الجغرافية في إفريقيا، إلا أن العالم الإسلامي كان أكثر إثارة له، فقرر ترك الجمعية ودراسة اللغة العربية في جامعة “كامبردج”، ووفر لحيته، وارتدى زياً عربياً.

وغادر “بوركهارت”، في الثاني من مارس عام 1809، إنجلترا إلى “مالطة” ومنها إلي “حلب” التي عاش فيها نحو عامين. وأتقن لهجات البدو، وبعد اعتناقه الإسلام أطلق على نفسه اسم الشيخ “إبراهيم بن عبد الله”. وأقام في دمشق نحو عام ، وزار “تدمر”، وتوجه إلي “بعلبك” في لبنان، ومناطق بالعراق. وكان أول أوروبي يكتب عن آثار مدينة “البتراء” بالأردن: “إنها آثار مدينة مهيبة تقع في وادي موسى ويحتمل أن تكون البتراء، فيها نشاهد مدافن منحوتة في الصخر وبقايا معابد وقصور ومدرجات وقنوات مياه وغيرها من الغرائب والروائع النادرة التي تجعل هذه المدينة أكثر إثارة للاهتمام من أي شيء آخر شاهدته في حياتي”.

وفي انتظار سفره إلى “تشاد” عبر “ليبيا” نظم رحلة إلى صعيد مصر للتعرف عليه. فكانت فرصة دوّن فيها عادات أهل النوبة ومعلومات عن معبد “أبي سمبل” الذي كان مدفونًا في الرمال. ويعتبر أول أوروبي يشاهده قبل اكتشافه كاملاً من قبل الرحالة الإيطالي “بلزوني” بعد أكثر من 30 عاماً. وفي صيف عام 1814 قرر أن يقوم برحلة إلى “الحجاز”. حيث انضم إلى قافلة حج مع نوبيين وسودانيين وسار معها حتى وصل “سواكن”، ومنها بحراً إلى “جدة” حيث وصلها بعد أسبوعين. وقام بأداء فريضة الحج. وتسبب مرضه بالبقاء بالحجاز ونجد حتى منتصف عام 1815. مما سمح له بتدوين الكثير عن المنطقة وعن عادات أهلها في نجد والحجاز في مخطوطات كتبها باللغة العربية. كما كان أول من رسم خارطة حديثة لمدينة مكة.

بوركهارت والخيل العربية

تمثل رحلة “بوركهارت” مسحاً “معرفياً، ومعلوماتياَ” شاملاًً لجزيرة العرب. ورصداً عاماً لأشعار وعادات وتقاليد وفنون وحرف أهلها، حتي رعاية وتربية الخيل والإبل!. وفي حديثه عن الخيل والإبل العربية (في كتابه: “ملاحظات عن البدو والوهابيين”، المنشور في لندن عام 1931) إيضاح، للمهتم، بكل ما كان له صلة بالخيل الأصيلة، والإبل النجيبة، داخل جزيرته العربية وخارجها. وتناول مقارنتها بالخيل والإبل غير العربية لتزداد ملامح صورتها وضوحاً. فلقد وصف الخيل في بادية سورية بحديث لطيف يستوعب كثيراً من أساليب رعايتها، وأغراض استثمارها. فضلاً عن صفاتها، وأسمائها، وأدوائها، وأثمانها. فذكر أن فيها ثلاث سلالات من الخيل: العربية الأصيلة، والتركمانية، والكردية (خليط من السلالتين الأوليين). فالخيل العربية، غالباً، صغيرة الحجم، يندر ان يزيد طولها عن أربعة عشر شبراً. ولها صفات جمالية خاصة تميزها عن غيرها من السلالات. ويعدّ البدو خمس سلالات أصيلة من الخيل تنحدر ـ كما يقولون من أفراس النبي، صلي الله عليه وسلم، المُفضلةـ وهي: طويسة، ومعنكية، والكحيلاء، والصقلاوية،  والجلفة.

ولكل من هذه السلالات الخمس شعب كثيرة، وعادة ما يجتمع عدد من الشهود عند ولادة مهر أصيل فتكتب “حجة أو شهادة” توضح اسم أبيه وأمه، وصفاته المميزة. وغالبا ما كتبت شهادة النسب في قطعة جلد صغيرة وغُطيت بقماش مشمّع وعُلقت في رقبة الحصان أو الفرس. ويتابع ” بوركهارت” مراحل نمو المهر، وطرق إعاشته وتربيته حتي يكبر. فضلاً عن كيفية تحديد عمر الحصان، والحيل التي يتبعها بائع الخيل الأوربي للتدليس علي من يشتري منه. والتي لا يعرفها البدو من العرب فهم عند قولهم.. صدقاً ومصداقية. كما يشير إلي عدم وسم العرب لخيلهم بأية علامات، لكن كيّهم (الكي أكثر علاج عام) الخيل لها أحيانا، معالجة لبعض الامراض، يترك اثراً على جلودها فيبدو كأنه علامة وضعت قصداً. ويشير لبعض أمراض الخيل (وطرق علاجهم) لدي البادية والتي منها: المغص، والسراجة،  والسقاوة، والمحمور، والمصفور، والجرب، والحتوت، والباش، وعقر السرة، وعقر الصفحة، ومقطوع القلب الخ.

ويقتني كل البدو، تقريباً، إناث خيلهم بينما يبيعون ذكورها، ويتراوح سعر الحصان ما بين 10- 120 جنيهاً. ولقد بلغ من عناية العرب بخيلهم أن أطلقوا على كل ما يتصل بها اسماً، ولم تقاربهم في ذلك أي لغة أخرى. فثمة أسماء تشمل أطوار حياتها، ومشِّيها، وعَدْوها، وأصواتها، وعتقاها، وأنواعها، وألوانها، وأوصافها، وحدوها الخ. فوليد الفرس أول ولادته”مُهراً”، ثم”فُلْواً”، وبعد سنة واحدة “حَوْلي”، وفي الثانية “جَذْعاً”، والثالثة”ثِنْيِاً”، فإذا دخل الرابعة “رَباعاً”، وفي الخامسة “قادحاً”، حتى يبلغ الثامنة، فإن تجاوز إلى نهاية عمره سمى”مُذَكّى”.

وذكر أن في “نجد”، نسلاً جيداً (وإن كان قليلاُ نسبياً مقارنة بغيرها من الجهات التي زارها) من الجياد المُميزة (كبنت الكحيل). ويطلق على أجودها وأكثرها أصالة “خيل نجادي”. ويغذي النجديون خيلهم بالتمر بانتظام. ويخلط التمر في الدرعية والأحساء بالبرسيم اليابس فيطعم إياها. لكن لا يوجد في منطقة نجد، وجبل شمّر، والقصيم حتي المدينة أكثر من عشرة آلاف رأس من الخيل. بيد أن قبيلتي شمّر والظفير غنيتان نسبياً بالخيل الأصيلة. كذلك يعرج علي الخيل المصري وصفاتها، ويشير إلي أن بدو الحجاز اعتادوا شراء المهار من قافلة الحجاج المصريين ثم يبيعوا ما تلده بعد ذلك من ذكور جيدة إلي أهل اليمن. ولم ير أبدا أي حصان مخصّي في داخل الصحراء.

بوركهارت والإبل العربية

وفي وصفه “الإبل” العربية لم يخص الإبل في سورية وبادية الشام بحديث كما كان شأنه في حديثه عن الخيل. بل تحدث عنها بصفة عامة على نحو من حديثه عن الخيل في بلاد العرب. وتنقل في وصفه من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب والعكس في الأمرين. وأشار إلي أن إبل الصحراء السورية أصغر حجماً من الإبل الأناضولية، والتركمانية، والكردية. وهي تتحمل الحرارة والظمأ أكثر من الأنواع الأخيرة. لكنها تتضرر أكثر بالبرد. ويشير إلي ما ينتج من التزاوج بين الإبل العربية وتلك السلالات الأخري.

كما يقول يذكر أنه لا يوجد لدي العرب إبل ذات سنامين. ولم ير واحداً منها أو سمع به في سوريه. ويتابع مراحل نمو وتربية الإبل منذ ولادتها، وحتي عمر قد يصل لأربعين عاماً. فضلا عن وسمها، وأنواع أمراضها وأهمها: “المطيور” (تصلب الرقبة نحو جانب من جوانب الحيوان)، و”المهمور” (الإسهال الشديد لمن له من العمر سنتان)، و” المجعوم” (ابتلاع الإبل الكاملة النمو شيئاً من دمن الضأن أو الماعز اليابسة)

ولقد كال “بوركهارت” الثناء على الإبل النجدية، فهي في “نجد” أوفر وأجود، وتسمى “أم الإبل”. كونها تمدّ سورية، والحجاز، واليمن بها. وهي غنية بمراعيها الممتازة التي تكثر حتى في صحاريها بعد الأمطار. ويرتاد سهولها عدد لا يحصى من البدو الذين يبقون معظم السنة ويشترون الحنطة والشعير من السكان. وخلال موسم الأمطار، يذهب هؤلاء البدو باتجاه قلب الصحراء فيمكثون حتي تستهلك مواشيهم مياه الأمطار التي تجمعت في الأراضي المجوفة.

وقد انتجت مراعي “نجد” نسلا وفيراً وأصيلاً من الإبل. لذا يُؤتي إليها من كل حدب وصوب لتزويد قطعان كافة المناطق. وهي لا تزود الحجاز فقط بل سوريا واليمن أيضاً. وفي “نجد” يباع الجمل العادي بنحو عشرة دولارات. ويشير للإبل العُمانية أنا أحسن أبل الجزيرة العربية سرعة وأسهلها سيراً. فالذلول العُمانية مشهورة في القصائد العربية. كما يري أن الإبل المصرية أقل تحملاً للتعب، وغير معتادة علي رحلات الصحراء الطويلة. كونها منذ ولادتها تأكل وتشرب علي ضفاف النيل الخصبة. لكن أبل “دارفور” اكثر الإبل صبرا علي تحمل العطش. ويقص” بوركهارت” كثيراً من القصص التي سمعها عن السفر في أقسي ظروف الحاجة للماء.

مؤلفاته ووفاته

رغم قصر عمره.. ترك “بوركهارات” عدة مؤلفات منها: رحلات في بلاد النوبة والسودان 1819م، و”رحلة للشام والأراضي المقدسة” (1822)، و”رحلات في بلاد العرب”(1829م)، و”ملاحظات عن البدو والوهابيين”(1830)، و”الأمثال العربية” (1830) (ألفها بالعربية وترجمها إلى الإنجليزية).

وكان قد بدأ في القاهرة تدوين رحلاته حتى أجهد نفسه وانهارت صحته. ورغم ذلك انتظر قدوم قافلة الحجاج الإفريقين إلى القاهرة ليسافر معها إلى “تمبكتو” ليبدأ رحلة استكشافية جديدة وفجأة توفى في القاهرة يوم 15 أكتوبر سنة 1817م، وحال الأجل بينه وبين تحقيق هذا الهدف. ودفن في مدافن “باب النصر” الملاصق للقاهرة الفاطمية، وكتب على شاهد قبره” “هذا قبر المرحوم إلى رحمة الله تعالى الشيخ حاج إبراهيم المهدى بن عبد الله بركهرت اللوزاني تاريخ ولادته 10 محرم 1199هـ، وتاريخ وفاته إلى رحمة الله بمصر المحروسة 16 ذي الحجة سنة 1232هـ”.

صفوة القول: كانت، ومازالت، الخيل والإبل محل افتخار العرب، وموضع احترامهم، وموئل إكرامهم. ولعل مكانهما، ومكانتهما، أعظم لدي أبناء الجزيرة العربية مقارنة بغيرها من أقطارنا العربية. وهذا ما أشار إليه الرحّالة الفذّ، والمغامر الجسور، والمُلاحظ الدقيق، والمستشرق المُنصف: “بوركهارت اللوزاني”.