تُعدّ اللغة الأردية من اللغات الحديثة التي نشأت في شبه القارة الهندو باكستانية، والأردية إحدى لغات الفرع الآري للغات الهندو أوروبية، وأكبر لغات شبه القارة الهندو باكستانية التي يزيد تعدادها عن المليار نسمة يتحدث منهم باللغة الأردية ويفهمها ما لا يقل عن ثمانمائة مليون من أهل هذه البلاد (الهند- باكستان- نيبال- بنجلاديش) ما بين مسلمين ومسيحيين وهندوس وسيخ وغيرهم من أصحاب الديانات المنتشرة في تلك الرقعة من العالم، ويعود تاريخ نشأة هذه اللغة -طبقاً لبعض الآراء- إلى ما قبل الميلاد بخمسمائة عام، وبالطبع كانت صورتها في ذلك الوقت وحتى قبل دخول المسلمين غير العرب إلى شبه القارة الهندو باكستانية فاتحين بقيادة محمود الغزنوي من ناحية الشمال غير ما هي عليه اليوم.

وهي لغة سهلةٌ مرنة تقبل ألفاظ اللغات الأخرى وتفسح لها المجال في قاموسها دون أن تزاحمها كثيراً، وتظل تلك الألفاظ مُعبِّرة دون غيرها على الرغم من وجود مرادفات لها ذات المعنى، لكن لا تظهر المعنى إلا بتلك اللفظة التي وردت من لغة أخرى، وهي  لغة اجتماعية نشأت بامتزاج اللغات المحلية في شبه القارة الهندية، وباشتراك اللغتين العربية والفارسية –مع لغات أخرى إضافية- وتُعدُّ أيضاً من اللغات الثلاث الأولى بعد اللغة الصينية والإنجليزية من حيث عدد المتحدثين، وكذلك من حيث استماع الناس إلى النشرات الإذاعية بعد اللغة الإنجليزية والفرنسية.

أما من حيث استعمالها فهي في المرتبة الخامسة بعد الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والعربية، وتقف في الصفوف الأولى من مجموع اللغات الموجودة في العالم والبالغ عددها حوالي أربعة آلاف لغة، والأردية لغة باكستان القومية وهي لغة ثانوية في الهند، وقد سميت اللغة بالأردية في عهد الملك شاه جهان، ومصطلح “أردو” من أصل تركي ومألوف في اللغة الفارسية لدى المؤرخين الإلخانيين، وإن أصول اللغة الأردية تعود إلى فترة حكم الغزنويين في البنجاب في القرن (6هـ/ 12م)، وكتبها المسلمون بالحروف الفارسية، في حين أن كثيرًا من تراكيبها النحوية وأفعالها الأساسية وكذلك الصفات والأحوال وأيضا استعاراتها غير مقيدة بالفارسية، ومن خلال اللغات الفارسية والعربية وإلى حدٍ ما التركية قد أُعطيت بوضوح الطابع الأدبي واللغوي الإسلامي.

رواد كتاب اللغة الأردية الأوائل

والجدير بالذكر أن أول من كتب باللغة الأردية في مراحل تكوينها الأولى كلغة للأدب والشعر قبل تسميتها بهذا الاسم -حيث كانت تسمى “هندية”- الشاعر مسعود سعد سلمان (437- 514هـ/ 1046- 1121م) في لاهور بشمال الهند، فله ديوان بهذه اللغة لم يعد موجودا الآن، وأيضا يعدّ الشاعر والصوفي الكبير أمير خسرو الدهلوي (ت 1325م) من أوائل الأدباء الذين استخدموا هذه اللغة (ما قبل الأردية) في مرحلة تالية من خلال بعض أعماله؛ حيث كان له إسهام كبير في إنشاء الأدب “الهندو- فارسي”، ووضع أسس ما سمي لاحقا بالأدب الأردي.

هذا ويعد الإمبراطور المغولي شاهجهان (1628- 1658م) أول حاكم للهند يتخذ اللغة الأردية لغة رسمية للدولة بدلاً من اللغة الفارسية، وعمل على نشرها بوسائل مختلفة؛ منها أنه أنشأ سوقاً للرجال وآخر للنساء وفرض التكلم والتخاطب فيهما بالأردية حتى تنمو وتزدهر.

صفحات متألقة من عمليات التبادل الثقافي

وقد انتهت عملية التبادل الثقافي بين أبلطة الشمال والجنوب في الهند في نهاية القرن (11هـ/ 17م) وبداية القرن (12هـ/ 18م) وتبلورت في مدينة أورنك آباد، وهي العاصمة الثانية للإمبراطور أورنجزيب في الدكن. وكان الشاعر والأديب والي (1668- 1744م) هو الممثل الرئيس لهذه المدرسة الجديدة في الثقافة الشعرية والأدب الأردو، وكان له أسلوبان أحدهما جنوبي قديم والآخر شمالي متأخر، وقد زار دلهي مرتين، إحداهما في عام 1700م والأخرى في عام 1722م، وفي ذلك الوقت قد فقدت تقاليد الشعر الهندو- فارسية معظم نشاطها الإبداعي، كما توقف وصول مواهب جديدة من بلاد فارس بعد الاضطرابات في العلاقة المغولية الصفوية أثناء عهد أورنجزيب (1659م – 1707م)، وفي هذا الفراغ الإلهامي فإن نموذج “والي” حوَّل تقريبا بين عشية وضحاها رغبة الشماليين في التعبير الشعري من الفارسية إلى الأردية.

وعصارة القول أنه لم تنضج اللغة الأردية كوسيلة متطورة تماما في التعبير الأدبي إلا في بدايات القرن (18م)، وحلت محل اللغة الفارسية كلغة مشتركة يتحدث بها أصحاب اللغات المختلفة في الهند وبخاصة المسلمين، وقد جاء هذا التطور في دلهي بعدما قام الإمبراطور أورنجزيب بضم السلطنات الدكنية الجنوبية إلى الإمبراطورية المغولية التي كانت تشمل النصف الشمالي من الهند أو ما يُسمى بـ(الهندوستان)، فأصبحت دلهي مركز الأدب.

الأردية لغة الأدب الإٍسلامي الثري

ولقد استمرت اللغة الأردية لغة للأدب الإسلامي في شبه القارة الهندية طوال القرن 19م حتى نالت استقلالها عن الإنجليز – الذين احتلوها وسيطروا عليها منذ 1858م- في سنة 1947م، ثم انفصلت الأغلبية المسلمة في شمال الهند (السند والبنجاب) عن بقية البلاد باسم باكستان وأصبحت الأردية لغتها الرسمية، وبدأ عهد جديد للأدب الأردي في باكستان وأنا في هذه العجالة أسجل صفحات بيضاء من مساهمات نسيم حجازي في تطوير اتجاه الأدب الإٍسلامي في الأدب الأردي الهندي.

الكاتب نسيم حجازي وأعماله الخالدة في الروايات التاريخية 

شريف حسين، المعروف باسمه القلمي “نسيم حجازي”، وهو روائي باكستاني مشهور، ولد عام 1914م في (غورداس بور) في إقليم بنجاب قبل أن تستقل باكستان عن الهند، هاجر بعد الاستقلال إلى باكستان، وتخرج في الكلية الإسلامية بلاهور سنة 1357هـ/1938م وكان التاريخ الإسلامي هو الموضوع الذي جذب اهتمامه بينما شغف بالصحافة وعمل بها. كتب نسيم حجازي أولى رواياته بعنوان “داستان مجاهد” أي قصة مجاهد، وبعدها توالت سلسلة رواياته التاريخية، فاحتل مكانة خاصة في تاريخ الرواية الأردية،ومن مآثره الإبداعية النبيلة رواياته التاريخية مثل: يوسف بن تاشفين، محمد بن القاسم، الكنيسة والنار، التراب والدم، الصخرة الأخيرة، المعركة الأخيرة، شاهين، قيصر كسرى، قافلة الحجاز.. إلخ. وأما أسلوب الكاتب أسلوب إنشائي جميل سهل وسلس في اللغة الأردية، وهو في العموم يبدو متأثرا بالاصطلاحات العربية، ولعل هذا يرجع إلى أنه كتب الروايات الإسلامية، وبالتأكيد يكون قد رجع إلى مصادرها،ونسيم حجازي أديب حساس تؤثر فيه الأحداث، وتختمر بداخله، فتخرج ناضجة، فيطوعها قلمه على صفحات كتبه،

كما أن عمر الرواية الأردية لا يتعدى قرناً من الزمن، ومع هذا فقد ظهرت خلاله مئات الروايات، لكن عدداً قليلاً جداً منها نال شهرة بين القراء، وقد حققت الرواية التاريخية في الأدب الأردي مكانة بين القراء، بينما لم تنل استحسان النقاد الذين عابوا عليها غلبة عناصر واتجاهات الدعوة وتبليغ الدين، وافتقارها إلى عرض مشاكل المجتمع الإسلامي، وقد نجا من هذا النقد –إلى حد ما – الأديب نسيم حجازي الذي برع في رواياته التاريخية، و ظهر الأديب عبد الحليم شرر قبل نسيم حجازي بفترة، وبدأ عمله صحفياً سنة 1305هـ/ 1887م، ثم كتب روايات نالت استحسان القراء، وتميزت باتجاهها الإسلامي، ويقال إنه بدأ دراسة التاريخ ليجعل منه مادة لرواياته الرومانسية، ولكنه تحول إلى كتابة التاريخ كعلم فكتب عن تاريخ الصليبيين وتاريخ السند، ومع هذا نالت رواياته مثل حسن بن صباح، وفتح الأندلس وعزيز مصر وزوال بغداد وغيرها شهرة كبيرة نظراً لما تمتاز به من حبكة وترابط وتسلسل الأحداث مما يجذب القارئ، بالإضافة إلى براعته في تصوير الطبيعة، وأسلوب الحوار الجذاب. وقد أوجد شرر شخصيات لا وجود لها أصلاً في التاريخ بل كانت من نسج خياله، وتناول في رواياته شخصيات من الهند وفارس وأفغانستان ومصر والجزيرة العربية وتركيا وروما.

ورغم أن عبد الحليم شرر كتب عن الأندلس إلا أن علاقة نسيم حجازي بالأندلس علاقة من نوع آخر فهو يرى العصر الذهبي للمسلمين في الأندلس، فيعود إليه مرة بعد مرة، ونسيم حجازي أديب حساس تؤثر فيه الأحداث، وتختمر بداخله، فتخرج ناضجة، فيطوعها قلمه على صفحات كتبه، شاهد الاضطرابات التي وقعت بين الهندوس والمسلمين عام 1947م، فكتب روايته “خاك وخون” التراب والدم، والتي يعدها النقاد من أحسن ما كتب نسيم حجازي، فهي لا تسجل فقط حادثة لا تنسى في تاريخ المسلمين، بل تشير أيضاً إلى الأخطار التي تظهر في الأفق أحياناً. وقد كتب هذه الرواية في مايو 1949م وكانت الأحداث لا تزال قريبة جداً من ذهنه، فهو يتذكر تلك الشجرة التي طالما استظل بها في طفولته، والتي شهدت دماء المسلمين تنساب على جذورها، وتحت هذه الشجرة أخذت أجساد أولئك الشباب الذين اعتادوا أن يتسلقوها ترتعد وترتجف..”، لا يمكن أن أنسى تلك البسمات التي سلبت من وجه الحياة البريء إلى الأبد، ولا تزال تلك الضحكات يرن صداها إلى الآن، تلك التي ضاعت إلى الأبد، إلا أن هذه الشجرة لم تبرح مكانها حتى اليوم.. آه لو كنت مغنياً لصنعت من غصنها ناياً وعزفت عليه لحناً يجلجل في الفضاء، يعيد إلى الأذهان أنات الأرواح البريئة التي تنتظر قائد قافلة مجهولة تحت الشجرة، وكتب نسيم حجازي بعد ذلك روايته “يوسف بن تاشفين” فذاعت شهرتها لما لها من أهمية تاريخية، ونظراً لبراعة الكاتب في استخدامه للتلميحات والإشارات والرمز وكذلك الإيجاز والاختصار وعدم الإغراق في تصويره للطبيعة، وما امتاز به من الحوار بأسلوب أدبي جميل.

ويوضح الأديب سبب كتابته لهذه الرواية: “في ضوء الشمس ننسى تلك النجوم التي أضاءت الطريق أمام القوافل الضالة في ظلمة الليل، فانتصارات كل أمة تنسب إلى رجل عظيم، بينما يظل قلم المؤرخ دائماً قاصراً عن ذكر أولئك الجنود المجهولين الذين كتبت فصول التاريخ الجديدة بدمائهم… هذا الكتاب باب من تاريخ الأندلس، كتب بدماء مجاهدي أمتنا المسلمة المجهولين، فقد كان يوسف بن تاشفين شمساً حملت لمسلمي الأندلس رسالة صباح الحرية والبهجة، وكان كل هذا من نتاج مجاهدين رفعوا قناديل الأمل في ليالي الآلام والمصائب الحالكة”. وفي سنة 1371هـ/1951م كتب روايته “المعركة الأخيرة” التي تناول فيها فتوحات محمود الغزنوي في غرب الهند، أما رواياته “معظم علي”، وتحطم سيف آخر” فقد عبر فيها عن زوال مجد المسلمين في الهند، بينما روايته “الصخرة الأخيرة” تصور مأساة سقوط بغداد (656 هجرية) وروايته “راحل في ظلام الليل” تحكي أحوال المسلمين في الأندلس بعد سقوط غرناطة، ومثلها رواية “الكنيسة والنار”. المسلمون بين الأندلس وشبه القارة الهندية وفي روايته “شاهين” التي أكملها سنة 1368هـ/1948م، ثم أجرى عليها بعض التعديلات سنة 1378هـ/1958م، فقد ربط فيها بين أحوال المسلمين في الأندلس وأحوالهم في شبه القارة الهندية الباكستانية يقول: “إن واحة الحرية إنما تخضر على تلك الأرض التي ترويها دماء الشهداء، وحكايات عظمة الأمة تكتب دائماً بهذا الدم الذي يسيل حاراً، وحين تتجمد الدماء لا تنفع الدموع،ومن الروايات التي أخذت منه وقتاً طويلاً رواية “قيصر وكسرى” فقد استغرقت خمس سنوات، وأكملها سنة 1384هـ/1964م. لقد كتب نسيم حجازي أربع عشرة رواية لا يزال لها مذاقها رغم تغير مذاق الزمان، ذلك لأنه اختار لرواياته أحداثاً من التاريخ الإسلامي التي تعيش في داخلنا وفي نسيج عقولنا وفي عمق قلوبنا.