إن أدوات التعليم منذ تطور الحضارات، كانت تتمثل في نقل المعلومات والمعرفة المتراكمة عبر الأجيال السابقة، وذلك من خلال الكتب التعليمية أو المخطوطات أو المعلمين المحترفين، ومن ثم اكتساب تلك المعرفة المتراكمة بالمشاهدة التجريبية لهم في معاملهم المتواضعة. ولكن الأمر اختلف مع بداية القرن الواحد والعشرين، حيث أصبح التلفاز متاحًا للجميع وكذلك شرائط الفيديو، ومع الأيام أصبحت مشاهدة البرامج التعليمية -سواء التجريبية أو النظرية- أداة من أدوات التعليم. ولكننا كحضارة إنسانية قفزنا قفزات علمية كبيرة خلال الخمسين عامًا الماضية، حيث غدت شبكة الإنترنت إحدى أهم الوسائل المعرفية والتعليمية اليوم، وأداةٍ من أدوات التعليم والبحث، وتداول المعلومات العلمية في مختلف فروع العلوم والمعرفة.. ولكن مؤخرًا بدأت الإنسانية تطور وسيلة لم تكن تخطر على بال السابقين، بل حتى الحديث عنها سابقًا، يعدّ نوعًا من الخيال أو الحلم.. ولكن هذا الخيال تحول في يومنا هذا إلى واقع؛ فتقنية “الواقع الافتراضي” تعد اليوم أداة من أدوات التعليم.

ما هو الواقع الافتراضي؟

الواقع الافتراضي كما عرّفته وكالة ناسا لأبحاث الفضاء، هو استخدام تقنيات الحاسب الآلي، لإحداث تأثيرات ثلاثية الأبعاد تفاعلية، تعطي المشاهد إحساس مكاني للأشياء، أيْ إن الواقع الافتراضي محاكاة للحاضر، تجعل مستخدِم نظارة الواقع الافتراضي، يشعر وكأنه داخل ذلك الواقع المصوّر. ولتحقيق ذلك يدمج العلماء بين علوم الهندسة والتصميم والحاسب الآلي، والغرض الأصلي الذي تم اختراع الواقع الافتراضي من أجله، هو محاكاة ظروف وأحوال الكواكب الأخرى طبقًا للبيانات المتوفرة عنها.
ورغم أن تقنية الواقع الافتراضي تطورت نتيجة لأفكار علمية طرحت في القرن 19، إلا أنها مؤخرًا تطورت لتصبح أكثر تعقيدًا، وفي الوقت ذاته متاحة لكثير من مستخدمي شبكة الإنترنت. وقد طور المبتكرون أيضًا أجهزة أخرى، مثل نظارة الواقع الافتراضي، والممشاة متعددة الاتجاهات، وقفازات خاصة تعطي تجربة واقعية لذلك الواقع الافتراضي.. كما قام مصممو البرامج، بصناعة كثير من البرامج المختلفة؛ فلدينا اليوم تطبيقات للحاسب الآلي تم تصميمها بتقنية الواقع الافتراضي في مختلف العلوم، كالتطبيقات الطبية، والهندسية، والأثرية، والترفيهية، والرياضية، والفنية.
الواقع الافتراضي ودوره التعليمي
تقنية الواقع الافتراضي من الممكن أن تتحول إلى أداة تعليمية مهمة في الفصول الدراسية. فعلى الرغم من أن تلك التقنية لا زالت في مرحلة التطوير، إلا أن كثيرًا من الخبراء مستبشرون للفائدة التعليمية التي من الممكن أن تحققها تلك التقنية. فمعاناة المعلمين اليوم تتمثل في عدم اهتمام الطلاب بالمادة العلمية التي يتم تدريسها داخل الفصول، وتقنية الواقع الافتراضي ستجعل الطلاب منتبهين للمادة العلمية المعروضة عليهم. إلا أن استخدام تلك التقنية لا زال ينفذ على نطاق ضيق اليوم.
وبالرجوع إلى الإحصاء الذي قامت به شركة سامسونج للإلكترونيات عام 2016 في الولايات المتحدة، تَبين أن 2% فقط من المعلمين، يستخدمون تلك التقنية في الفصول الدراسية.. في حين لفتت هذه الدراسة النظر إلى أن الكثير من المعلمين يعتقدون أن تلك التقنية ستكون جاذبة لانتباه الطلاب ومحفزة لهم على التعلم.. والحقيقة أن جيل اليوم من الطلاب يتعامل بصورة واسعة مع تقنية الديجيتال، وتلك التكنولوجيا المتطورة غيرت شكل تلقي الطلاب للمعلومات، وهو ما يجعل جيل اليوم مستعدًّا للتعلم من خلال أدوات تعليمية تكنولوجية حديثة، كتقنية الواقع الافتراضي.

هل للواقع الافتراضي فوائد؟

وطبقًا لمجتمع مستخدمي ومطوري تقنية الواقع الافتراضي، فإن هناك فوائد عديدة لاستخدام تقنية الواقع الافتراضي داخل الصفوف الدراسية، منها الحصول على تجربة تعليمية فعالة.. والاحتكاك المباشر مع المادة العلمية، تمكِّن الطلاب من المحاكاة وتطوير معلوماتهم حول تلك المادة العلمية.. والفهم الأكثر دقة ووضوحًا للمفاهيم والنظريات المستعصية على فهم الطلاب.
وطبقًا لتجربة استخدام منصات الواقع الافتراضي الحي في الصين، تَبين أن تقنية الواقع الافتراضي تعطي الطلاب فرصة لإطلاق قدراتهم الكامنة.. وقد أصدر العاملون على هذه التجربة تقريرًا تحت عنوان “تأثير تقنية الواقع الافتراضي على الأداء الأكاديمي”، بيَّنوا فيه أن لتقنية الواقع الافتراضي تأثيرًا إيجابيًّا على الطلاب والمعلمين في تحسين ذاكرتهم الإدراكية.. وقد ظهر أن علامات الطلاب ارتفعت وزادت ذاكرتهم المعرفية قوة عندما تم استخدام تقنية الواقع الافتراضي. “كلما كان هناك ارتباط شبه واقعي مع المادة العلمية، طور المتعلم علاقة خاصة مع المادة العلمية، وهو ما يسهل كثيرًا في ترسخ تلك المادة العلمية في ذهن المتعلم”.

الجوانب السلبية المتوقَّعة

وعلى الرغم من الفوائد العديدة التي تحملها تقنية الواقع الافتراضي إلى المجتمع، إلا أن لتلك التقنية -كغيرها من المخترعات التكنولوجية- جوانب سلبية أيضًا على المجتمع. لم يقم الباحثون بعد بإعداد دراسات مفصلة عن التأثيرات الاجتماعية لتقنية الواقع الافتراضي، إلا أن الباحثة “بولا هيكس” تحذر من أنه كما للتقنية فوائد للبشر من خلال التجربة شبه الواقعية، إلا أنها -كغيرها من التكنولوجيا- تؤدي إلى ضعف القدرة على التواصل بين البشر وهو أمر مهم للغاية.. ورغم أن تقنية الواقع الافتراضي يمكنها محاكاة الكثير من البيئات المختلفة، إلا أنها لا يمكن أن تحاكي القدرة على التواصل العفوي بين البشر.
الضرر الآخر المتوقع لتقنية الواقع الافتراضي، هو الإدمان على استخدامه، وهذا الضرر لا يحتاج الخبراء أن يحدثونا عنه.. فكثير من البشر في عالم اليوم، مرتبطون بهواتفهم النقالة بصورة غير صحية على الإطلاق، إلا أن تقنية الواقع الافتراضي لا زالت باهظة التكلفة، ولا يستطيع التمتع بها إلا شريحة قليلة في عالم اليوم.
ولكن مثل كل التقنيات الحديثة، فتطبيق التقنية يحتاج إلى وقت للضبط والتنظيم، سواء من خلال القوانين، أو من خلال العناصر الأخلاقية للمحتوى المعروض عبر التقنية. كما أن تقنية الواقع الافتراضي لا زالت تحتاج إلى أبحاث أكاديمية حول فوائدها وأضرارها. وطبقًا للباحثة “فيونا ماكفوي”، فتقنية الواقع الافتراضي تلفت نظرنا إلى عدة مسائل مرتبطة بتأثيرات التقنية، مثل الضعف الحسي، والعزلة الاجتماعية، والمبالغة في تقدير القدرات الذاتية، والمشاكل النفسية، والظواهر الإجرامية، والتحايل، وضعف الخصوصية.
وفي النهاية يمكننا القول، إن التنظيم القانوني والأخلاقي لتقنية الواقع الافتراضي، ستقود إلى تقليل المخاطر والأضرار التي من الممكن أن تسببها التقنية، وستزيد من منافع استخدام تقنية الواقع الافتراضي كأداة فعالة للتعليم داخل الفصول الدراسية.. ولا شك أننا سنرى خلال الأعوام القادمة، مزيدًا من الدراسات الجادة حول استخدام تقنية الواقع الافتراضي.

(*) كاتب وباحث مصري.
المراجع
(1) Kolo, k. (2017, december 15) virtual reality: the next generation of education, learning and training. Retrieved February 28, 2018, from https: //www.forbes.com
(2) https://youtube/zGGVYT0cMHg