كثيرًا ما تتعرض الدول والمجتمعات لأزمات قاسية تتطلب إدارة حكيمة لها، وفي العصر الحديث أولت كثير من الدول اهتمامًا بالغًا بإدارة الأزمات، فأنشأت ما يسمى بلجنة إدارة الأزمات، بل إن بعض الدول أنشأت وزارة خاصة بذلك، بهدف القضاء على الأزمة في أسرع وقت، وتجنيب المجتمع -أفرادًا وجماعات- آثارها السلبية. وإن كانت الدول المعاصرة قد تفتقت أذهان مفكريها وساستها عن إنشاء مثل هذه اللجان، وأولت هذا الاهتمام بإدارة الأزمات، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علمنا ذلك منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان.. لقد أدار صلى الله عليه وسلم كل أزمة تعرضت لها الأمة بحكمة وذكاء بالغَيْن، ووضع صلى الله عليه وسلم قواعد محكمة لإدارة الأزمات المختلفة سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو صحية، بل ووضع حلولا لأزمات متوقعة لم تحدث في عصره وإنما بيّن أنها ستقع في زمان غير زمانه. وهذه بعض قواعد فن إدارة الأزمات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مشفوعة بمواقف مثلت أزمات في حينها وأدارها صلى الله عليه وسلم بحكمة منقطعة النظير.

إرضاء القوم جميعا بالعدل والإنصاف

كانت أولى الأزمات التي قام صلى الله عليه وسلم بحلها بطريقة السهل الممتنع أزمة وضع الحجر الأسود في مكانه.. فقد قامت قريش قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس سنين بإعادة بناء الكعبة، “ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يمتاز بشرف وضعه في مكانه… واشتد النزاع حتى كاد يتحول إلى حرب ضروس ثم اتفقوا على أن يحكّموا بينهم أول داخل عليهم من باب المسجد، وشاء الله أن يكون ذلك الداخل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين، رضيناه، هذا محمد. فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداءً، فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه، أخذه بيده فوضعه في مكانه”. لقد أدار صلى الله عليه وسلم تلك الأزمة بحكمة وذكاء، حيث أرضى الجميع، وحقق العدل فيما بينهم، ولم يهادن ولم يجامل، وفي نفس الوقت حقن الدماء وقطع الطريق على أزمة طاحنة وحرب ضروس.

المرونة وتقديم القدوة والبدء بالنفس

ومن القواعد التي وضعها صلى الله عليه وسلم لإدارة الأزمات السياسية: المرونة والنظر الثاقب إلى النتائج المستقبلية؛ هل هي في صالح الأمة أم لا؟ ومثال ذلك حين جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ممثلاً لقريش يوم الحديبية.. وأخذ يفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: هَاتِ اُكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا. فَدَعَا الْكَاتِبَ فَقَالَ “اُكْتُبْ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ”. فَقَالَ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنْ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كما كُنْتَ تَكْتُبُ… فَقَالَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم: “اُكْتُبْ بِاسْمِكَ اللّهُمّ “.. ثُمّ قَالَ: ” ُكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ” فَقَالَ سُهَيْلٌ: فَوَاَللّهِ لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مَا صَدَدْنَاكَ عَنْ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاك وَلَكِنْ اُكْتُبْ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ! فَقَالَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم إنّي رَسُولُ اللّهِ وَإِنْ كَذّبْتُمُونِي اُكْتُبْ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّه ” فَقَالَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنْ تُخَلّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ ” فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاَللّهِ لَا تَتَحَدّثُ الْعَرَبُ أَنّا أُخِذْنَا ضَغْطَةً وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَكَتَبَ. فَقَالَ سُهَيْلٌ: عَلَى أَنْ لَا يَأْتِيكَ مِنّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِك إلّا رَدَدْتَهُ إلَيْنَا. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللّهِ! كَيْفَ يُرَدّ إلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟!.. فوافق صلى الله عليه وسلم وأمر بكتابة ذلك رغم غضب الصحابة الشديد لقد أدار صلى الله عليه وسلم الأزمة ببعد نظر وفكر ثاقب، واتضح فيما بعد أن ذلك كان فتحا مبينا.

كما أدار صلى الله عليه وسلم في اليوم نفسه أزمة أخرى؛ حيث وصل غضب الصحابة إلى الدرجة التي أمرهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر فلم ينفذه أحد منهم! قال لهم: قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمّ احْلِقُوا “.. فَوَاَللّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ حَتّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرّاتٍ! فَلَمّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ قَامَ فَدَخَلَ عَلَى أُمّ سَلَمَة فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النّاسِ؛ فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَتُحِبّ ذَلِكَ؟ اُخْرُجْ ثُمّ لَا تُكَلّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتّى تَنْحَرَ بُدْنَك وَتَدْعُوَ حَالِقَك فَيَحْلِقَكَ. فَقَامَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ.. فَلَمّا رَأَى النّاسُ ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمّا!. لقد أدار صلى الله عليه وسلم هذه الأزمة بالمشورة، وكانت المشورة هذه المرة من زوجه أم المؤمنين أم سلمة لنتعلم أن المشورة واجبة للرجال والنساء سواء بسواء.. كما استخدم صلى الله عليه وسلم القدوة العملية بأن بدأ بنفسه صلى الله عليه وسلم فلم يكن بدٌّ إلا أن يفعل الصحابة مثله اقتداء به.

خفض الجناح وبيان مراتب الفضل

ومن الأزمات الكبرى التي أدارها صلى الله عليه وسلم بحكمة وحنكة، هذه الأزمة الاجتماعية، والتي استغلها صلى الله عليه وسلم ليضع قاعدة أخلاقية تتمثل في معرفة الفضل لأولى الفضل.. فقد حدث أن وقع خلاف بين أبى بكر وعمر.. في مجلس لم يكن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاول أبو بكر الاعتذار لعمر، فرفض اعتذاره.. فأسرع أبوبكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ ثُمَّ نَدِمْتُ فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي فَأَبَى عَلَيَّ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ. فَقَالَ: “يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ” ثَلَاثًا.. ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَ: أَثَّمَ أَبُو بَكْرٍ؟ فَقَالُوا لَا، فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَتَمَعَّرُ حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.. وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ –مَرَّتَيْنِ- فَقَالَ النَّبِيّ: “إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي” مَرَّتَيْنِ.. فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا. فانظر إلى نتيجة إدارته الحكيمة لتلك الأزمة.. لقد عرف الجميع قدر أبى بكر، وتم الصلح بين الصاحبين، ورقّ كل واحد منهما لأخيه رقة بالغة.. فلما قال صلى الله عليه وسلم لعمر معاتبا: “يَسْأَلك أَخُوك أَنْ تَسْتَغْفِر لَهُ فَلَا تَفْعَل”.. فإذا بعمر يرد في ندم ورقة متناهية: وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا مِنْ مَرَّة يَسْأَلنِي إِلَّا وَأَنَا أَسْتَغْفِر لَهُ، وَمَا خَلَقَ اللَّه مِنْ أَحَد أَحَبّ إِلَيَّ مِنْهُ بَعْدك. فيرد أَبُو بَكْر ويقول: وَأَنَا وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ كَذَلِكَ.

القضاء على الفتنة فورا قبل استفحالها

وهذه أزمة وصلت إلى درجة الفتنة، فأدارها صلى الله عليه وسلم بحكمة بالغة، ووأد تلك الفتنة في مهدها عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ –  صلى الله عليه وسلم كسعه: ضربه على مؤخرته-؛ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: “مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ” قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ.. فَقَالَ “دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ “. لقد ذكّرهم صلى الله عليه وسلم بأن ما وقعوا فيه ما هو إلا جاهلية عمياء، فبعد أن أعزهم الله بالإسلام أيليق بهم أن يرجعوا إلى التعصب القبلي، فبيّن لهم أن هذه دعاوى جاهلية، وأن مثل هذه الدعوات التعصبية ما هي إلا أمور منتنة

تحقيق التكافل الاجتماعي والاقتصادي عمليًا

ووضع حلاً دائمًا لأزمة الحاجة والعوز.. وذلك بتحقيق الإخاء والتكافل الاجتماعي، عن أبى سعيد الخدري قال: قَال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ.. فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ هكذا حل صلى الله عليه وسلم تلك الأزمة الاقتصادية الاجتماعية بسهولة ويسر، داعيا إلى التكافل والتعاون.. بأن يعطى الغنى الفقير.. ويساعد من يملك وسيلة مواصلات إخوانه الذين لا وسيلة لهم فيقوم بأخذهم معه ما داموا في طريقه. إن الأمة لو طبقت هذا النص النبوي، لتحقق التكافل والتراحم بين الأغنياء والفقراء.. ولعاش المجتمع المسلم في محبة ووئام.

إدارة أزمات متوقعة

بل إنه صلى الله عليه وسلم أدار أزمات متوقعة قال إنها ستحدث في زمان غير زمانه صلى الله عليه وسلم، وحذر الصحابة منها، ووضع لهم الحل الناجع إذا ما تعرضوا لمثل تلك الأزمة؛ ومن أمثلة ذلك ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمر قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم “كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنْ النَّاسِ” قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: “إِذَا مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَكَانُوا هَكَذَا” وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ -يعنى في فتن متوالية ونزاع مستمر- قَالَ: قُلْتُ مَا أَصْنَعُ عِنْدَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “اتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ، وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهُمْ “. لقد أخبر صلى الله عليه وسلم بأن زمانا سيأتي تنتشر فيه أخلاق رذيلة على رأسها نقض العهود، وخيانة الأمانات، وتنتشر فيه نزاعات وفتن مهلكة.. وإدارة مثل هذه الأزمة الطاحنة يكون بما أوصى به صلى الله عليه وسلم تقوى الله؛ فِعل المعروف؛ ترْك المنكر؛ القيام بالمسئوليات تجاه النفس والأهل والولد عدم الخوض في الفتنة العامة والحذر من ظلم عامة الناس.

هكذا وضع قواعد لإدارة كل أنواع الأزمات التي يمكن أن تتعرض لها الأمة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية أو عائلية أو صحية.. فسبحان الذي علمه ما لم يكن يعلم، وكان فضله عليه عظيمًا؛ وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.