يدخل الاهتمام الكبير بحقوق الإنسان منذ الإعلان العالمي لها ضمن الاحتفاء بالكرامة الإنسانية، والنضال الكبير من أجل الحيلولة دون المس بها، وتأسيس منظومات تشريعية تحفظها من الانتهاك. وليس الإجماع العالمي إلا تتويجا للنضج الذي عبر عنه الضمير الحي للإنسانية، والذي أراد القطع مع التجارب الوحشية التي فتكت بالإنسان تحت مبررات مختلفة من دين أو عرق أو لون أو لغة،  أو أي سبب آخر يمكن أن تسترخص فيه الأرواح والذمم.

وإذا كان هذا الرشد الحقوقي يعبر عن تقدم حضاري كبير، فإن كماله المأمول لا يمكن أن يتيسر إلا بظفره بالحديث عن الواجب أو الواجبات الإنسانية، إذ لا ينفصل الحق عن الواجب، فهما مكونان أساسيان للعمران البشري، فلا حق بدون واجب، ولا واجب بدون حق، فالعلاقة بينهما علاقة تلازم، لا ينفك الواحد منهما عن الآخر في شبه ارتباط وجودي، يحترم مسؤولية الإنسان الكامنة في اتصاله بذاته وبغيره والآفاق من حوله.

إذا كان الحق مطلبا يلتمس من الغير باعتباره قيمة خارجية تهفو إليها الأفئدة،  فإن الواجب مسلك يطالب الإنسان ذاته بالوفاء به في شبه عقد داخلي  تتحكم فيه الإرادة الذاتية للفرد.

فإذا كان الحق مطلبا يلتمس من الغير باعتباره قيمة خارجية تهفو إليها الأفئدة،  فإن الواجب مسلك يطالب الإنسان ذاته بالوفاء به في شبه عقد داخلي  تتحكم فيه الإرادة الذاتية للفرد، ومن ثم فإن للحقوق أدوات رصد وجودها أو عدمها، ووسائل تحقيقها وتطويرها، مما يجعلها قابلة للقياس والتقويم وفق المؤشرات  المعتبرة، والسياقات المختلفة، في حين يستعصي مثل هذا التوصيف العياني فيما يخص الالتزام بالواجب، وذلك لأنه يدخل ضمن سجل آخر يستحضر القناعات والكفايات التي استدمجها الفرد في تكوين شخصيته طيلة تجربته الحياتية، ابتداء من التربية وطبيعة النماذج التي تأثر بها، بحيث يصبح إنسانا متوازنا يسهر على القيام بواجبه أولا، كما لا يفرط في حقوقه ثانيا، لأن الغالب على الطبيعة الإنسانية، إذا ما عدمت اليقظة والحزم في الأمور، أن لا تلحظ العيوب إلا في الآخر الذي يصير مشجبا تعلق عليه أخطاءها وهفواتها، مما يشكل هروبا دائما لا يحاول أن يفحص واقع النقائص والعوائق الذاتية، ويتفنن في إبداع قصص موهمة تجعل منه دائما ضحية لأمر ما.

إن النهوض بثقافة الواجب هو الكفيل بضمان الحقوق، وجعل خطابها ذي معنى إنساني مسؤول، وليس فقط يافطة احتجاجية تخدم أغراضا أخرى غير الحقوق، كما أن العناية بهذا الواجب يعصم الحق من المزالق التمييعية له، إذ يبقى مشدودا للبناء القيمي الذي يفرضه سياق مخصوص، وهوية مشخصة، وتاريخ متراكم من الخبرات التي كانت تؤمن بأن الواجب حق والحق واجب.

لقد أبدع الإنسان آليات للمراقبة والمحاسبة، واخترع صنوفا من أدوات تدبيرها الذي ترصد له ميزانيات كبرى، وهو شيء مهم وجوهري في حياة المجتمعات، غير أن الاستثمار في بناء الوازع  والرادع الذاتي، والتفكير في مؤسسات تبث هذه القيم من خلال الوسائل المختلفة، انطلاقا من دورات تدريبية، وبرامج تربوية تعتمد الفنون ووسائل الاتصال الحديثة، كل ذلك يجعل من الواجب أسمى الحقوق الذاتية التي ينبغي الحرص عليها قبل غيرها.

المصدر: http://www.massarate.ma/

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.