لقد حملت الشريعة الإسلامية منذ مهد بزوغ نورها مشعل الحضارة للبشرية جميعًا على امتداد العصور فلقد أرسل الله –تبارك وتعالى- النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم رحمة للناس كافة. مصداقًا لقوله تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ: 28). إن نور الرسالة المحمدية أتى ليبني الإنسان بمعناه الحقيقي بما يحمله من كامل معاني الإنسانية من تآلف، وتواد، وتعاضد. فالنموذج الفعلي للمؤمن الحق كما شرعه المولى تبارك وتعالى هو عين الإنسان الحضاري الراقي الذي تبحث عنه الإنسانية في أبهى صورها، والذي هو بمثابة نواة مجتمعه، ذلك المجتمع القوي، المتكامل، المتكافل، والمحمي من الفرقة، وظلمة الوحدة والتخبط. وحيث أنه لا يخلو مجتمع من المجتمعات أو أمة من الأمم من حدوث نكبات بمختلف أشكالها سواء سياسية أو اقتصادية أو غير ذلك من النكبات، أتت الشريعة الإسلامية بباب تأصيلي فقهي خاص وهو فقه النوازل، صيانة للحياة الإنسانية وصياغة لها صياغةً صحيحة سليمة صالحة لكل زمان ومكان. ولقد تم من خلال هذا العمل البحثي تناول بعضًا من الموازين القيمية التي أظهرتها وأكدت عليها وعلى أهميتها الكثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم والتي وردت بصحيح السنن كنموذج أخلاقي يجب تَبَنِّيه، والعمل من أجله، نقف منها على قيم التضامن والتكافل الاجتماعي -عند حدوث نقص المؤون أو المجاعات- والتي وردت بميزان الأشعريين في الحديث الذي ورد عن أبي موسى الأشعري، حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ الأشْعَرِيِّينَ إذا أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أوْ قَلَّ طَعامُ عِيالِهِمْ بالمَدِينَةِ، جَمَعُوا ما كانَ عِنْدَهُمْ في ثَوْبٍ واحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بيْنَهُمْ في إناءٍ واحِدٍ، بالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وأنا منهمْ” (صحيح البخاري (2486), صحيح مسلم (2500).

يحمل هذا الحديث النبوي الشريف المعطيات لواقع تعيشه الكثير من المجتمعات، أنه واقع حال يمر على مختلف الأمم بمختلف العصور، ومن ثم فقد أعطى الحلول المقترحة والواجبة على جموع الأمة حال حدوث مثل هذه الإشكالية، وهي وجود حالة سياسية تتمثل في وجود طوائف متعددة داخل نطاق الدولة الإسلامية “الأشعريين، وغيرهم”، أيضًا وجود حالة اقتصادية تمثل مشكلة من خلال صورتين: الأولى: أَرَمَلٌوا (أي: فني زادهم أو قل في سفرهم أو غزوهم)، الثانية: قَلَّ طَعامُ عِيالِهِمْ بالمَدِينَةِ، كما أشار الحديث إلى وجود رؤية سياسية لحل المشكلة (جَمّعُوا، اقْتَسَمُوهُ)، ثم تفعيل هذه الرؤية مع الحكم لصالحها، والذي ظهر في تأييد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الرؤية والثناء عليها وعلى فعل من قام بها وهم الأشعريون في وحدتهم، وقوة ترابطهم، وتعاونهم فيما بينهم. فلقد ذكر لنا ربنا عز وجل في محكم تنزيله قاعدة عظيمة تنطوي على أمور لا يمكن حصرها، فقال تعالى:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان)(المائدة: 2) قال ابن كثير -رحمه الله: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم، ففعل الخيرات هو البر نتعاون فيه، وترك المنكرات هو التقوى نتعاون عليه كذلك، ولا نتعاون على إثم كالباطل، ولا محرم، لأن المعاون فيه شريك في الإثم. وحين نتأمل الواقع الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم في ظل معطيات هذا الحديث النبوي الشريف نجد أنه لا تخلو دولة إسلامية في واقعنا المعاصر من وجود الحالة الاقتصادية المشار إليها في الحديث الشريف، كما نجد أيضًا غياب الرؤية السياسية في معظم الدول الإسلامية لمنظومة التكافل المرتكزة على ما قام به الأشعريون عندما تمر بهم نفس الحالة، كذلك نجد اقتصار الدول الإسلامية الغنية على إرسال المساعدات للدول الفقيرة، أو التي تصاب بنازلة أو كارثة ما، وربما تشاركها في ذلك بعض الدول غير الإسلامية، وفي جميع الأحوال لا تتحقق الآلية الصحيحة بصورة كاملة، ومن أعظم هذه الآليات ما أُشير إليه في هذا الحديث الشريف، والتي لو طبقت بنفس الآلية التي اتخذها الأشعريون والتي هي عين معنى قيمة التكافل الاجتماعي، لساد جموع الأمة شعور الوحدة والمحبة وتنحت على فورها الكراهية والتعصب، وسارت الأمة بحق كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه النعمان بن بشير عنه أنه قال: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى”(أخرجه البخاري ومسلم). لقد أعطى ميزان الأشعريين الأمة الحل في صورة ما يجب فعله حين تمر بها أزمة كتلك التي حاكاها الحديث الشريف، حلاًّ صالحًا لكل أمة في أي عصر أو مكان، تجلى ذلك واضحًا في حض المنهج النبوي على فعلهم من خلال ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم في قوله: “فَهُمْ مِنِّي وأنا منهمْ”. نجد كذلك أنه يجب على كل أمة أن تؤسس أبناءها على أساس تنمية الوعي لدى الأفراد، والجماعات والحكومات على معنى قيم التكافل الاجتماعي كما في تلك الصورة الراقية. وهنا يجب أن نقول أن الأمة الإسلامية منوط بها هذا الدور وتلك البادرة التي ينبغي أن يبزغ نور فجرها من هنا، من مجتمع تَرَبَّى أبنائه بشكل عملي على هذه القيم وتلك الأخلاق -والتي من المفترض أنها راسخة في نفوس أبنائه- وإلا فلن يتحقق في هذه الأمة معنى “الأمة الوسط” التي جعلها الله نبراسًا شاهدًا على الحق، وعلى الخير معينة عليه، داعية إليه. فيجب على المجتمعات الإسلامية أولاً أن تقوم بتفعيل الرؤية لما في الشريعة الإسلامية من حلول للمشاكل السياسية، والاقتصادية، مما يؤدي إلى تيسير قيم الوحدة الإسلامية وسريانها في شريان الأمة، والذي بدوره يمتد في مفهومه الشامل إلى البشرية كلها، وذلك في معنى تؤصله الشريعة الإسلامية دومًا وهو “الإنسانية”. ويجب عدم تفعيل هذا الحديث الشريف على صورة واحدة فقط. فإن كلمة “أو” في قوله: “أرْمَلُوا في الغَزْوِ، أوْ قَلَّ طَعامُ عِيالِهِمْ بالمَدِينَةِ” تشير إلى سببين مختلفين، وتحت كل سبب صور كثيرة ينطبق عليها نفس الحكم، فإن كلمة “الغَزْوِ” تشير إلى السبب الأول وهو: مجاهدة أعداء الأمة الإسلامية لدفع عدوانهم وضررهم، وليس خفيًّا عنا كيف تعددت صور الضرر الذي يلحق بالأمة الإسلامية في جميع المجالات، وهذا الجهاد وما يستلزمه يحتاج إلى نفقات عالية، وأموال طائلة، قد يقل معها الطعام أو يفنى. أما كلمة بالمدينة فهي تشير إلى السبب الثاني وهو: النوازل القدرية التي تصيب المسلمين بكرب، أو شدة يحتاجون معها إلى ضرورات حياتهم، كما يؤكد هذا الحديث الشريف على فضيلة عدم الأنانية والتي هي في حد ذاتها قيمة من قيم هذا الدين وأخلاقه، حيث أوضح الحديث أنه يجب ألا يكون هناك شح أو بُخْل عند الجمع، كما أنه لا مفاضلة عند الاقتسام، فننال بذلك منقبة “فَهُمْ مِنِّي وأنا منهمْ” 

ونؤكد على أن المؤسسة الدينية لها الدور الأول في تأصيل هذه القيم، فهي المنوط بها تأطير السلوك البشري في إطار القيم الإنسانية بكافة أبعادها وعلى جميع أصعدتها التربوية والاجتماعية.

المراجع

  1. القرآن الكريم.
  2. الجامع لأحكام القرآن “تفسير القرطبي”، محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، أبو عبد الله، القرطبي، مؤسسة الرسالة، (1427 – 2006).
  3. تفسير القرآن العظيم، للإمام الحافظ عماد الدين أبى الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي (700-774ه)، مكتبة الصفا.
  4. صحيح البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري.
  5. صحيح مسلم: أبو الحسن مسلم بن حجاج بن مسلم.
  6. ابن عثيمين: شرح رياض الصالحين.
  7. السلسلة الصحيحة للشيخ الألباني، في سنن الترمذي، ومشكاة المصابيح
  8. الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة
  9. شرح صحيح مسلم. يحيى بن شرف النووي تحقيق حسن عباس قطب، دار عالم الكتب.
  10. جامع الآداب لابن القيم (1/218)
  11. سلسلة موازين القيم، أبو عبد الله محمد بن سعد قاسم، كتاب روافد في بناء الوعي، تخريج محمد هاشم عبد العزيز، الطبعة الأولى، مصر: دار مودة للنشر والتوزيع ، (7252/2017)
  12. أنفاس القلب، محمد فتح الله كولن، ترجمة أجير إشيوك، مصر، دار الانبعاث للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2018.