اعلم أن الكثير من الناس ترددوا في قبول الإجراءات الاحترازية التي تمثلت أساسًا في الحجر المنزلي أو الصحي لتفادي انتشار فيروس كورونا المستجد، حيث قيدت تحركات المواطنين، خلال هذه الفترة في أغلب الدول، بل عملت الجهات الرسمية على فرض هذه الإجراءات بكل صرامة حتى بلغ الأمر إلى سن عقوبات، وصل بعضها إلى تسجيل مخالفات وعقد محاكمات.

تفشي فيروس كورونا وردة فعل المنظمات والأفراد

بعد ظهور فيروس كورونا، سجلنا بعض الذكريات بخصوصه، بل ما زالت عالقة في أذهاننا لن تُنسى رغم أن ظهوره لم يمر عليه الكثير، لأن بعدما أعلنت الصين تفشي الفيروس في إحدى مدنها شهر دجنبر من سنة 2019، حتى أعلنت بداية التشديد في الإجراءات وتقييد حركات المواطنين، الشيء الذي استنكره بعض الشخصيات، لاسيما من كان في خصام أو خلاف مع توجه هذه الدولة، ذلك بالالتجاء إلى حقوق الإنسان التي تنص على حرية الفرد في التجول، لكن سرعان ما أُغلق النقاش للبدء في مواجهة وباء عالمي أو جائحة كما سمتها منظمة الصحة العالمية، حيث توسعت دائرة انتشار الفيروس حتى عمت جل دول العالم إلا العدد القليل؛ للتذكير فإنه ما زال هناك من لم يقتنع بالسياسة المتبعة من إجراءات احترازية في بقاع العالم، حتى إن أصبحت من واقع الأمر، ذلك لاعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، لكن لن نفتح النقاش حولها لعدم مناسبة المقام والمقال لذلك.

وعليه، بعيدًا عن تلك الدعوات التي تظهر هنا وهناك، فإن الالتزام بالحجر الصحي صار واجبًا قانونًا كما سبق، بل واجب شرعًا لما أفتت به مجموعة من الهيئات العلمية وعلماء الشريعة استنادًا على نصوص شرعية، لاسيما الأحاديث الواردة بخصوص الطاعون.

لذا، لا مجال للشك في الفتاوى التي أصدرت لوضوح المعنى في هذه الأحاديث النبوية الشريفة، لكن مما أثار الانتباه هو استمرار فئة ليست بالقليلة في اعتبار أن هذا الحجر الصحي، أو الهدي النبوي في التعامل مع الأوبئة لمن آمن بذلك، يقيد حرية الفرد، حتى شبهه البعض بالسجن أو الاعتقال الجماعي والإقامة الجبرية كالتي يعرض لها بعض المعارضين السياسيين وغيرها من التمثيلات، لكونها تُعتبر تقييدًا لحرية الفرد، أو قل انتهاكًا واغتيالاً لحرية الإنسان. وعليه، فإن الملاحظ عند بعض المثقفين أو السياسيين قبول هذا الحجر الصحي، مع تأكيدهم التنازل خلال هذه الفترة عن بعض الحقوق، ولو بدا لهم فيها نوع من التقييد أو المنع، بغية تجاوز الجائحة، فيما موقف من تحدث باسم الدين، يختلف بعض الشيء، بينما يتقاطع مع التصور السالف الذكر في أمور، لأخذه بمبدأ أخف الضررين أو درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، أي التنازل عن بعض الحريات لتحقيق مصلحة كبرى، وهذا الاجتهاد لا إشكال عليه إن أخذنا به في الجانب التشريعي، بيد أن التعمق أكثر في مفهوم الحرية سيغير طريقة التعامل مع هذين الموقفين ويمنحنا اعتقادا مغايرًا، أو قل إيمانًا مميزًا.

التعريف الديني الحرية

حتى نناقش مفهوم الحرية وعلاقتها بالحجر الصحي، نستحضر التعريف الديني للحرية كما حدده الفيلسوف الإسلامي الكبير د. طه عبد الرحمن، في كتابه “سؤال العمل”، ومحاولة تطبيق مقتضياته على النازلة المستجدة، كما أننا سنترك مناقشة التعريفات الأخرى للحريات إلى فرصة أخرى تفاديا للإطالة.

لقد استقر عند الفيلسوف طه عبد الرحمن، أن أي عمل من الأعمال التي يؤتى بها في أي مجال تداولي يأخذ بأسباب الدين المنزل، لابد أن ينضبط لثلاثة قوانين:

قانون التذكر: يقتضي أن من تذكر الله تذكره الله ومن نسي الله نسيه وأنساه. وبهذا يكون طلب الحرية بغير طلب الله يؤول حتما الى نسيان الحرية، بل الى نقيضها وهو اللاحرية.

قانون التأنيس: يقتضي أن الفرد لا يكون له من الإنسانية إلا بقدر ما يتصف به من الأخلاق المستمدة من الفطرة التي خلق عليها، وبهذا يكون أي بتر الفطرة غير قادر للارتقاء بالإنسان إلى الإنسان الخليفة، بل قد ينحط به إلى رتبة الإنسان البهيمية، بل إلى ما دونها.

قانون التناهي: يقتضي أن قدرة الإنسان تبقى على الدوام تابعة للقدرة الإلهية، ذلك أن قدرة الانسان غير مستقلة عن القدرة الإلهية عكس ما يتبناه أصحاب النظريات الأخرى بتوهمهم القدرة المطلقة أو السيادة غير المتناهية.

 

وبهذا، مهّد الفيلسوف طه عبد الرحمن لوضع تعريف مراعيا الانضباط للقوانين الثلاثة أعلاه مجتنبًا السقوط في آفات ثلاث: النقض، البتر، الوهم، ليصوغ التعريف التالي:

” الحرية هي أن تتعبد للخالق باختيارك، وأن لا يستعبدك الخَلْق في ظاهرك أو باطنك”.

وللتعمق أكثر في هذا الموضوع يرجى الرجوع إلى كتاب طه عبد الرحمن، لأن في هذه المساهمة، سنكتفي الإشارة فقط لبعض ما نوقش في الكتاب الأصلي.

ما بعد حرية الاختيار أو التحرر الحقيقي

إن التعبد للحق على نوعين، كما جاء في الكتاب: أحدهما التعبد الاضطراري؛ حيث كل المخلوقات تعبده بموجب قوانين وكيفيات؛ والثاني التعبد الاختياري؛ حيث هناك من كرمه الله بأن خيره في طاعته، ابتلاء له، يقول تعالى: (إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) والإنسان أبى إلا أن يحمل الأمانة، ليكون بذلك اختياره، أن يكون عبدا لله سبحانه وتعالى مختارا، وبهذا التعبد للحق عن اختيار، يكون تحرر الإنسان تحررا كليا صريحا، تنفتح له الآفاق لينطلق في فضاء الروح والمعاني، مرتقيا في مراتب الكمال، حتى يبلغ المرتبة المثلى، وهكذا.

إن الإنسان بغير تعبده للحق سبحانه وتعالى، لا يعدو كونه يتوهم أنه حر، ذلك أن الإخلال بالقوانين الثلاثة أعلاه، تُسقط الفرد في عبوديات مختلفة، نكتفي بذكر بعضها: العبودية لشهوة السوق؛ لاعتباره أن الحياة بلا سوق كلا حياة، حيث يتعلق المواطن بما يعرضه السوق مندفعا في الاقتناء والاستهلاك برغبة شديدة تتعدى اعتبار السوق مؤسسة تبادلية؛ والعبودية لمنة القانون؛ حيث يتم الإقرار بجميع التشريعات على حريته واعتبارها مصدر فخر لواضعيها، ممتنا عليه بها؛ والعبودية لهوى الرأي العام؛ حيث يتعلق المواطن بالرأي العام إلى درجة ربط علاقة وجدانية يهوى خلالها هوى النفس؛ والعبودية لتربب السلطة؛ حيث يعتبر المواطن السلطة في رتبة  الإله، لاعتقاده كمال الصفات في الزعيم، حتى أضحى التسلط عليه وملك قلبه ورقبته حقا لغيره من البشر.

وخلاصة الكلام، أن التعبد للحق سبحانه وتعالى، ينجي الفرد من السقوط في عبودية نفسه أو غيره، بل بذلك يكون قد حقق التحرر الكلي، لتفويضه أمره للحق سبحانه، لأن الحر الحقيقي هو من لا يملكه أي شيء، كائنا ما كان. بيد أن العبوديات التي يسقط فيها الفرد، والتي ذكرنا بعضها أعلاه، خير دليل على وقوع الفرد في ملك أشياء ومن بينها هوى نفسه، فيستعبد نفسه طوعا من حيث يظن أنه سيدها المطلق، عكس ما يدعي أصحاب التصورات الأخرى، بكون الحر غير مملوك لأحد، لأن الإنسان لديه قابلية الاستعباد كما له قابلية التحرر، لأنه مفطور في أصل الخِلقة على أن يسلك طريق الحرية أو طريق العبودية، وقد اختار بذلك تحمل الأمانة يوم عرضت عليه من قبل الخالق عز وجل.

الحجر الصحي أو مرتبة الشهيد

إن امتثال المسلم للتوجيهات النبوية الشريفة والتي ذكرناها أعلاه، من التزام بلدته وبيته، أو ما يصطلح عليه بالحجر الصحي بلغة العصر، يكون بذلك قد دخل في عبادة الخالق سبحانه وتعالى، أو قل الانتقال من عبادة كان يؤديها بكيفيات وصيغ متنوعة، إلى عبادة وصيغة أخرى، يأتيها في منزله دون مغادرته إلا للضرورة كما هو معمول به، أو إن شئت قلت دخول العبد في رباط لا يخرج منه إلا مؤمنا قويا سالما  وله أجر الشهيد أو شهيدا في سبيل الله، كما مر معنا في الأحاديث الشريفة أعلاه، ذلك أن حياة المسلم كلها عبادة إن أخلص النية وجددها، ما يعني الشعور بالطمأنينة والقرب من الله اللطيف بعباده، دون الإحساس بالضيق، مهما كانت درجته، ولعل أفضل وصف يمكن تقديمه لحاله هو ما قاله رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ”. رواهُ مُسْلِمٌ.

وفي المقابل، فإن المرء الذي لم يرقى بعد إلى الأخذ بمفهوم الحرية والعبادة بالشكل الذي مر معنا، والذي اكتفى الالتزام بالإجراءات تحت ضغط القانون أو بحجة التخلي عن بعض الحقوق من أجل المحافظة على النفس أو غيرها من التبريرات، فلا يعدو أن ينتهي به المطاف إلى ضيق المعيشة وصعوبة التأقلم مع الحرمان من حريته واغتيالها بسبب الحجر الصحي كما يتوهمه. كما وجب التنبيه إلى اجتناب فعل لعن فيروس كورون، لأنه إحدى آيات الله ومخلوقاته التي تسبحه وتعبده كما أشرنا سابقا، قال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ، وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)(الإسراء، 44).

وأخيرا، ندعو الله عز وجل أن يجعل الحجر الصحي في ميزان حسناتنا يوم القيامة وأن يحفظنا من كل سوء، كما ندعوه سبحانه وتعالى من إبلاغنا أعلى مراتب الإيمان والإحسان ومنحنا درجة الشهيد التي وعدنا بها حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم.