قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾(سورة البقرة: 158).
الكعبة العظمى نَفَسُ المحبّين، ونور قلوب العاشقين، وحنين أفئدتهم، وموضع اشتياقهم. ولله درّ منشدهم حيث يقول:
“نَفَسُ الأحبّة نورُ قلبِ العاشقِ
طرقت فؤادك يا لها من طارقِ
بدريةٌ لم تَمْحُ آيةَ وجهِها شمسيةُ السُّبُحاتِ فجرُ الغاسقِ
بُهِتَ الفؤادُ لوجهِها لمّا بدتْ بجمالِ مخلوقٍ وسطوةِ خالقِ
حجُّ القلوبِ وبيتُها وطوافُها عرفاتُها ومنى ومسعى السابقِ
والكعبةُ العظمى التي من حجّها أمنتْ شواهدُه عذابَ الخالقِ
حجّت بيوتُ الأرض طُرًّا والسماءُ طوعًا إليها قبل فتقِ الخافقِ
وكذا الملائكةُ الكرامُ تحجّها والأنبياءُ وكلُّ برٍّ صادقِ
فنفوسُ أهلِ الأرض بين عرائسٍ حورٍ تُزفُّ لها وبين طوالقِ
كرُمتْ فأرواحُ الكرام تزورها بحنينِ أفئدةٍ وذِكرٍ شائقِ” (1)
بدايةً، نسأل الله أن يزيد هذا البيت المشرَّف تعظيمًا وتبجيلاً ومهابةً، وأن يشرّف من شرّفه ممّن زاره واعتمر به وحجّ إليه، وقام بشؤون زوّاره، وأن يرزق زائريه كمال الأدب معه، ويزيدهم إيمانًا ومحبةً وبهجةً وحضورًا ووجدانًا.
إن في الدنيا ثلاثة أشياء: مساجد، ومجالس، ورجال. فخيرُ المساجد بيتُ الله المعظَّم، المشرف، المبجَّل، الذي لم تحظَ بقعةٌ في الأرض بعناية ربّ العالمين كما حظيت به. ألا ترى أن الله أمر إبراهيم أن يبنيه، وأن يتعبّد فيه، ويطوف به، ويقوم بخدمة الطائفين والعاكفين؟ قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ * وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(البقرة: 124-127).
فعلى من وفّقه الله لزيارة بيته أن يعرف قدر هذه النعمة، وأن يحمد الله ويثني عليه، وليعلم أنه قد نزل في ساحة ربٍّ كريمٍ عظيم، فيلزم الأدب مع الله كما ينبغي.
ألا ترى أن على الضيف أن يلتزم الأدب في بيت مضيفه، فلا يرفع نظره إلى ما يكره صاحب البيت؟ فكيف بك – أيها الزائر – وأنت في زيارة الرحمن؟ فكن ضيف الله تنل من فضل الله، “وحقٌّ على المزور أن يُكرم زائره” (2).
واعلم أن الله غيور، فلا يحب أن يُشرَك معه غيره، وخاصةً في بيته، فهو أغنى الشريكين.
وخيرُ المجالس مجالسُ الله التي يُذكَر فيها اسمه، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
وخيرُ الرجال رجالُ الله الذين لا تُلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
فكن من هؤلاء تنل ما نالوا؛ فإذا كانت الطاعة موصلةً إلى الجنة، فإن الأدب مع الله موصلٌ إلى محبته وقربه.
ثم إن أهل التربية الروحية جعلوا الأدب عنوان حياتهم، وطريقةً في تربية المريدين؛ فكانوا يتحدّثون عن أدب المسلم مع ربّه، وأدبه مع بيته الحرام، ومع رسول الله ﷺ، ومع من كانوا معه، ومع كتاب الله.
وفي هذه المناسبة، ابتغاء المشاركة في الأجر، أحببت أن ألفت انتباه من يقصد بيت الله بعمرةٍ أو حجٍّ إلى أن يجمع همَّه وعزمه نحو هدفٍ واحدٍ فقط، وهو الخروج إلى بيت الله الحرام قصدًا وعمدًا، ولسان حاله يقول: “إلى الكعبة العظمى، وإلا فلا تُشدّ الرحال”.
ولذلك، فلا يُوَلِّ شطره إلى أي مكانٍ آخر، بل يُوَلِّي وجهه ورحلته نحو بيت الله الحرام، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، واقتداءً برسول الله ﷺ، وكي يدخل فيمن قال تعالى عنهم: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾(سورة النساء: 100).
فالمعتمر في ذمّة الله من حين خروجه من بيته إلى حين عودته، ولا ينال هذا المقام إلا من خرج قاصدًا متوجّهًا نحو الكعبة دون أي وجهةٍ أخرى. ثم إذا وصل إلى الميقات أحرم من ميقات بلده، أي الميقات الذي مرّ به.
ولا تغترّ – أخي المعتمر – بمن يذهب إلى العمرة ويخرج من بيته متوجّهًا نحو مدينةٍ أخرى غير مكة والمدينة، فيقدّم زيارة الأصدقاء على زيارة الكعبة المشرّفة، وربما شغله شاغلٌ فلم يعتمر؛ فليس ذلك من كمال الأدب.
ثم لا جناح عليه بعد أدائه مناسك العمرة وزيارة المصطفى ﷺ أن يذهب لزيارة أصدقائه، ويشهد منافع له.
وألفت انتباه من قصد زيارة بيت الله الحرام قصدًا وعمدًا، لعمرةٍ أو حجٍّ، إلى أربع ملاحظات:
الأولى: أن العمرة قُربةٌ من القُرَب: ومن أعظم القُرَب، وخاصةً في هذه الأيام التي تسبق رمضان، وفي رمضان أيضًا. والناس يأتون باشتياقٍ إلى الكعبة، ولكن – ولسوء الحظ، ومن المؤسف – أن بعضهم، بعد أن وفّقهم الله، وإذا هم بجوار الكعبة، وفي لحظةٍ قدسيةٍ فارقةٍ تطير لها القلوب شوقًا، يعرض لهم في القرب عارضٌ من البُعد، وفي الفكر عارضٌ من السهو، فيقطعهم عنها؛ وذلك فيما يتخذونه من الاتصال بأهليهم.
وشاهد ذلك ما تراه من أحوالهم؛ فإذا بهم يُخرجون الجوالات، مخاطبين ومنشغلين بمن يتواصلون معهم: (نحن هنا… ونحن هنا… ونحن هنا…) أو يُسجّلون ذلك، وكان المفترض بهم أن يجمعوا حواسهم ومشاعرهم لمخاطبة الله بحضور قلب، ويشغلوا جوارحهم بطاعته، ونظرهم بمشاهدة بيته المشرّف، (فما أنت إلا في مقام الأدب).
فلا ينبغي أن تصرف نظرك عمّا أنت فيه؛ فالطواف مثل الصلاة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾(المؤمنون: 1-3).
وقال النبي ﷺ: «لا يزال الله عز وجل مُقبِلًا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه» (3).
ولا يقولنّ أحدُنا إن الطواف غير الصلاة؛ فإن ذلك مجافٍ للحق، فلا يختلف عن الصلاة إلا بجزئيةٍ اقتضتها طبيعة الطواف. قال ﷺ: «الطواف بالبيت صلاةٌ، إلا أنكم تتكلمون فيه». ولا يعني ذلك الاسترسال في اللغو، فحديث رسول الله ﷺ قيدٌ للاهتمام بالطواف والابتعاد عن اللغو، والرخصة إنما هي فيما لا بدّ منه من قليل الكلام لرفع المشقة.
الثانية: كيفية الطواف: ولأن الطواف من أعظم وسائل إقامة ذكر الله، فإن فهم شروطه وأحكامه ضروريٌّ لصحة هذه العبادة. وعلى الطائف أن يشتغل بذكر الله والدعاء الذي يملأ قلبه بالسكينة والطمأنينة، ويحرص على أدائه على نحوٍ صحيح:
يبدأ من محاذاة الركن الأسود، جاعلًا الكعبة على يساره أثناء طوافه، أي (عكس عقارب الساعة)، حتى تمام سبعة أشواط كاملة، ابتداءً بالحجر الأسود وانتهاءً به، مواليًا بين الأشواط دون فاصل.
وينبغي أن تكون الأشواط السبعة كاملة بهذه الكيفية، دون أن تسقط منها خطوة، أو يمشيها على غير الهيئة المذكورة. فإن وقعت خطوة أو خطوتان أو أكثر باتجاهٍ غير الاتجاه المقرر للطواف، رجع المعتمر بعمرةٍ غير صحيحة، أو الحاج بحجٍّ غير صحيح.
فعلى سبيل المثال، نجد البعض أثناء الطواف يذهب للمزاحمة لاستلام الحجر الأسود، أو استلام ستار الكعبة، أو الباب، أو استلام مقام إبراهيم، فيزدحم مع الطائفين، مما ينتج عنه – غالبًا – تغيّر وجهته أثناء الطواف؛ فبدلًا من أن يمشي ووجهته اليسرى نحو الكعبة، يمشي ووجهته اليمنى نحوها.
ومن الملاحظ أن بعضهم يجعل وجهه مقابلًا لوجوه المرافقين له ليُردّدوا بعده الدعاء، وهو يطوف القهقرى، فهذا طوافٌ باطل. وقد نبّه على ذلك الإمام النووي في كتاب الإيضاح.
ومع وجود الزحام، يكفيه أن يشير إلى الحجر ويكبّر، فلا يُعذر الطائف إذا ترك خطوة أو خطوتين من أي شوطٍ من الأشواط، أو مشاها القهقرى دون الكيفية المقرّرة.
ومن أراد استلام الركن أو جزءًا من الكعبة، فليجعل ذلك بعد تمام الأشواط السبعة.
ويُسنّ له صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم، أو في أي مكانٍ في المسجد.
الثالثة: آداب النظر أثناء الصلاة في صحن الكعبة: من المؤسف أن بعض المصلين في صحن الكعبة يجعلون نظرهم إلى موضع سجودهم، والأولى أن يكون نظر المصلي إلى الكعبة؛ لأنها أمامه. فالمصلي البعيد عن الكعبة يتوجه نحوها ويستحضرها في مخيلته، أما إذا حضرها، فليقرّ بها عينًا.
ومن إساءة الأدب أن بعضهم يكون جالسًا جوار الكعبة ويمدّ قدميه نحوها، فهل هان عليه ذلك؟ حاشا لله! ولكن هو السهو وعدم الانتباه، فلا يناسب الحال.
الرابعة: فضل الطواف وحسن استثمار الوقت في الحرم: من المعلوم أن أي عبادة يمكن أن يؤديها المسلم في أي مكان، إلا الطواف، فلا يكون إلا حول الكعبة؛ لذلك يقتضي ممن وصل إلى هذا المكان الإكثار من الطواف.
ولتحقيق ذلك بيسر، ينبغي حسن إدارة الوقت، بأن يخصّص ثلثي زمن اليوم للطواف (8 ساعات)، وثلثًا للنوم (8 ساعات)، وثلثًا للأكل والشرب والراحة (8 ساعات).
قال تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
فكل دورةٍ تؤديها حول البيت العتيق تحكي قصة إيمانٍ عميقة، وارتباطٍ روحانيٍّ بتاريخ الأنبياء والصالحين.
لاحت لوائحُ جمالها لعين مشاهديها، فما أبهاها!
طلعت بطلعتها البهية، فما أحلاها!
تالله ما أحلى الطواف بها،
ما أسعدها من لحظة، وما أطيبها!
ليت شعري من اغتنم فرصة وجوده!
ويا سعد من أبصر حسنها في دجى الليالي،
وهي تنادي: أين عشاقي؟ أين عشاقي؟
فعندئذٍ حارت عقولهم في دائرة فلكها،
وطارت قلوبهم بأشواقها وحبها،
واستراحت أرواحهم بسُكر ذوقها وشُربها.
فهنيئًا لك يا من عرفت قدرها، إذ كشفت لك عن جبينها، فطفت بها، وقبّلت أركانها، وقابلتها، وشممتها، ولثمتها لثم الحبيب لطيفًا؛ فسرت إليك لطائفٌ من حبها، فنلت منها المرام.
وختمت ذلك بزيارة أفضل الأنبياء، ابن الحطيم وزمزم، عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فزيارته من أعظم القربات، ومن أجلّ الشفاعات لقبول الأعمال والطاعات، فهو مسك الختام.
افترض الله علينا الصلاة والسلام عليه؛ فاقصد زيارته لفرض السلام عليه، والصلاة في مسجده، فهو شطر كلمة التوحيد والتنزيه، عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم (4).
هوامش:
(1) الشيخ أحمد بن علوان، كتاب الفتوح.
(2) رواه الطبري، وصححه الهيثمي والسيوطي في: «من أتى المسجد فهو زائر الله».
(3) أخرجه أبو داود والنسائي.
(4) انظر: فرض السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم / للكاتب، صحيفة السوسنة.


