السائد بين البشر أن الفن نشاط إبداعي إنساني ينفرد به الإنسان وحده عن سائر الكائنات الأخرى، لكن مشاهدات علماء الطبيعة اكتشفت أن هناك أنواعًا من الطيور والحيوانات والحشرات، تتمتع بحاسة فنية وطريقة معمارية رفيعة، وأنها تحمل قدرًا من الملكات الإبداعية والفنية مثلها مثل الإنسان. والأمر الذي يدعو للعجب، أن هذه الطيور والحيوانات تمارس أنواع الفنون كافة، من زخرفة وديكور وعمارة وحتى الهندسة، وذلك بمهارة إبداعية فائقة يُظهر لنا من خلال روعة التصاميم الفنية والمعمارية الدقيقة، قدرة وعجائب الخالق عز وجل في مخلوقاته.
الدبور صانع الخزف
نبدأ مع الدبور صانع الخزف، أو باني الإبريق كما يُطلق عليه. هذا الدبور يبني عشوشه فوق أغصان الأشجار على هيئة قدور وأوان وأباريقَ خزفية. وتظل هذه الدبابير تتفنن في صنع تلك القدور والأواني والأباريق، حتى يُخرج أشكالًا فنية رائعة، ومناظر بديعة.
يشيِّد هذا الدبور الصانع للأواني الخزفية عشه عاليًا على شكل إبريق جميل؛ لكي يضع بيضه بداخله، وهو لا يُلقي ببيضه داخل الإبريق بصورة عشوائية، بل يحرص على أن يعلّق كل بيضة بخيط رفيع مرن. ولهذا الخيط الذي تُعلَّق بواسطته البيضة، وظيفة دقيقة، إذ يخرج منها الدبور الصغير إلى الحياة، فيجعل من قشرتها مسكنًا له.
ويحتاج الدبور الصغير إلى الغذاء، لكن الغذاء يكون موجودًا في قاع الإبريق، وقد جهزته الأم من قبل بكميات كبيرة استعدادًا لهذا اليوم الذي سيحتاج فيه صغيرها إليه. وعندما يشد الصغير نفسه إلى الأسفل بواسطة الخيط المرن، يصل إلى الغذاء الموجود في القاع.
وقد ينفك الخيط الذي يربط أحد صغار الدبور صانع الخزف، أثناء محاولته الوصول إلى الغذاء الموجود في القاع، لكن سرعان ما يُعيد هذا الصغير نفسه بأقصى سرعة إلى نفس الرباط في ذلك الخيط المعلّق داخل الإبريق، ثم يُكرر محاولته للوصول إلى الغذاء الموجود أسفله. ذلك هو ذوق دبورٍ يبني بيته على طراز فني جميل، وهذا هو تدبيره وحكمته، وهذا هو عين الالتزام في الفن؛ فالفن عنده مرتبط بالحاجات الاقتصادية والاجتماعية للحياة.
مهندسو الديكور
ونذهب إلى مصممي الديكور من عالم الطير والحشرات، حيث نذكر طائر التعريشة الذي يمارس الفن بطريقة مذهلة؛ فهو يُبدع في بناء عشه وتزيينه باستخدام كل ما يحتاج إليه بهدف جذب الأنثى، ويقوم بذلك بحسٍّ جمالي فردي للغاية، بمعنى أنه يعتمد على طريقته الخاصة، ويُطلق لنفسه العنان لجلب مواد غير متوقعة، ويرتبها بطريقة جمالية فريدة.
وقد أكد العالم “جيسون ج. جولدمان” أن هذا الطائر يُبدع في بناء أعشاشه، وأحيانًا يُنشئها على شكل أبراج طويلة ذات هياكل من العِصي، ترتكز على حصيرة مستديرة من الطحالب الميتة، ويُزيّنها بأجنحة الفراشات المقطوعة، وبالزهور والقواقع أحيانًا، وبأي شيء يعثر عليه حتى من مصنوعات البشر، مفضّلاً ألوانًا بعينها، وواضعًا الزخارف بعناية وفق ترتيب محدد. وإذا ما غيّر أحد أماكنها، فإن الطائر يُعيدها إلى حيث وضعها.
أما ذبابة الأجريليا فتنشئ ديكورًا طريفًا للبيت الذي تسكنه، حيث تبني بيتها على هيئة صندوق بيضاوي أو قاروري مفتوح من الناحيتين. وهذا الصندوق يكون من الحرير الخالص، وأحيانًا من الرمال فقط، لكن سواء أكان هذا البيت من الحرير أم من الرمال، فلا بد من تزيينه بالديكور.
تستعمل ذبابة الأجريليا في تصميمات ديكور بيتها خيوطًا من طحلب “الإسبيروجيرا”، وترتب الخيوط في خطوط مفردة، وتلفها حول البيت من الخارج وعلى جوانبه من الداخل أيضًا. ومن الغريب أن هذه الحشرة عندما تتحرك أو تنتقل من مكان إلى آخر، فإنها تجرّ معها البيت بكل ما فيه. وحتى لا يتأثر ذلك الديكور الذي كلّفها الكثير من الجهد والوقت، فإن عملية الجرّ والنقل تكون على حافة واحدة من البيت.
كما شاهد العلماء والباحثون نوعًا نادرًا من العصافير الصغيرة الرفيعة يتعاون الذكر والأنثى في كل مراحل بناء عشهما، وذلك فوق جذع عال؛ وهو عش كبير يصنعانه معًا من كمية وفيرة من القش الرفيع الناعم، ولهذا العش تجويف واسع غائر، مدخله عريض كالبوابة، وأمامه ردهة من القش الناعم الوفير، هي بمثابة شرفة واسعة يمرحان فوقها في اطمئنان واستجمام.
ويُعرف هذا العصفور بـ”العصفور الأرستقراطي”، إذ لا يرضى -رغم صغر حجمه هو وزوجته- إلا ببناء هذه الفيلا من القش الذهبي المغطى بخيوط حريرية أشبه بالموكيت، وذلك زيادةً في الرفاهية والرخاء.
ومن العصفور الأرستقراطي إلى الطائر الأنيق الذي يسكن مناطق متفرقة من أمريكا، حيث يتخذ هذا الطائر من خصلات الصخور أو شظايا الحصى الرقيقة مادةً لبناء عشه المعروف باسم “ذقن الرجل الكهل”. وهو عش متين حصين يَدْهش الإنسان لمرآه، ولا يملك إلا أن يتساءل: كيف يمكن لعصفور ضئيل بحجم الإصبع النحيل، أن يبني مثل هذا العش الصلب بمنقار أشبه بسن الإبرة، وبمخالب بالغة الضآلة؟!
إنه عش منتفخ رحب مريح، ينقسم من الداخل عادةً إلى ثلاث حجرات: حجرة لنوم الأب والأم، وحجرة لتخزين الطعام وحضانة البيض (وهي المطبخ)، وحجرة لصغار الفراخ.
وتغطَّى هذه الحجرات بعشب ناعم وثير أشبه بالسجادة. ويبني ذلك العصفور الأنيق عشه معلّقًا على غصن أو جذع متين، وهو غالبًا ما يطلّ على نهر صافي المياه نقي الهواء.
إبداعات معمارية
للحيوانات والطيور والحشرات باع طويل في فنون العمارة، وعندما يتأمل الإنسان طبائع هذه الكائنات في بيئاتها الطبيعية، يدرك أنها مخلوقات بنّاءة، تشيّد بيوتًا ضخمة ومعقدة التركيب، ذات حجرات منظمة وطرقات مبدعة، ثم تقوم بطلاء جدرانها وزخرفتها وتزيينها. الأمر الذي يجعلنا نضمها بكل إعجاب إلى فريق الفنيين المبدعين والمهندسين المعماريين المهرة.
ولننظر إلى ما يُطلَق عليه نحل الأنثوفورا؛ حين يشرع في تشييد بنيانه، فإنه يأتي بالماء ويضعه على التراب ويخلطهما معًا خلطًا جيدًا، صانعًا منهما خلطة جيدة تُعرف باسم “المونة”. وبعد أن ينتهي البناء يقوم بطلائه من الداخل حتى يجعله ناعمًا أملس، ثم يدهنه بطريقة رقيقة مستخدمًا مادة مضادة للماء، هي إفراز لعابي من النحل نفسه، ثم يأتي بما جمع من رحيق سائل ليخزنه فيه.
ويقابلنا أيضًا نوع آخر من النحل يُطلَق عليه “كولليتيني”، ولهذا النوع من النحل أسلوب غريب وفريد في عمل بيته، إذ يحفر في الأرض حُفَرًا أسطوانية، يُحيطها بنوع غريب من الطين الموحِل، الذي عندما يجف يصبح مادة شبيهة بالذهب في لونها وبريقها. ثم يُشيّد بعد ذلك الحواجز التي تكوّن الحجرات المنفصلة، ويملأ كل حجرة منها بالطعام السائل.
أما النمل صانع الأبواب، والمعروف علميًّا باسم “ستينمما ألاس”، فهو يُشيّد بيته على هيئة كرة من الطين، ثم يصنع على مدخله بابًا قويًّا من الطين ليحُول دون دخول الأعداء والغرباء، ويظل هو حارسًا بقرب الباب يغلقه حين يظهر أحد الأعداء أو الغرباء.
الإبداع الفني في عالم الرخويات
لننتقل إلى الرخويات أو الهلاميات والأصداف والمحارات أو نجوم البحر وحيدة الخلية، وهي تبني أغلبها حصونها على شكل غطاء يلتف به جسمها حتى يصير حصنها وجسمها وحدة عضوية متكاملة. وهناك نوع من الإسفنج يبني لنفسه أبراجًا بيضاء متلألئة ذات وحدات زخرفية مجدولة بشكل معماري بديع، وتشبه وحداتها النوافذ الصغيرة التي تكاد تتطابق في مقاييسها. وتتجلى في هذا البناء مهارة هندسية فائقة، ومادة البناء هنا هي خيوط “السيليكا”.
والجدير بالذكر أن أنواع الإسفنج تربو على خمسمائة نوع، ولكل نوع أسلوبه الفريد في بناء بيوته. كما اكتشف العلماء عددًا وفيرًا من الديدان البحرية التي تبني بيوتها على شكل أصداف بتشكيلات جمالية بدرجات متنوعة، مثل دودة القوقعة الورقية التي تتميز صدفتها في تكوين بنائها بالدقة والنقاء.
وتوجد أنواع من الحشرات تدهشنا بمهارتها في بناء بيوتها، ولا يخفى علينا الحس الهندسي والدقة الإبداعية والبراعة المعمارية التي يتميز بها كبير المهندسين الفنان الذي نطلق عليه اسم العنكبوت.
ومن المفارقات الواضحة التي نذكرها في هذا الصدد، أن القِرَدة لا تهتم بتشييد بيوت لها، ولا بتنسيق أو تجميل مأواها، بل لا تهتم حتى بنظافتها، فهي كسولة بليدة عديمة الذوق، تعيش حياة فوضوية، بالرغم من علو مرتبتها في درجة الذكاء بالقياس إلى الديدان والطيور والحشرات الموهوبة.
(*) كاتب وباحث مصري.
المراجع
(1) الحب والفن عند الحيوان، د. كمال شرقاوي غزالي، الناشر: دار المعارف، مصر، سلسلة أقرأ، العدد:800، الطبعة الأولى، 2018م.
(٢) كتاب الطبيعة، إصدار المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي.
(٣) المهندسون المعماريون في مملكة الحيوان، حسني محمد بدوي، مجلة الدوحة، عدد مايو عام 1984م.
(٤) إبداعات من عالم الحيوان، رشيد غمري، بوابة أخبار اليوم، بتاريخ 13 يناير عام 2024م.


