منذ عددها الأول، جعلت “حراء” الانفتاح على تنوّع الساحات وتباين الاتجاهات أساسًا لخطّها الثقافي، تعبيرًا عن احترامها لقرّائها وتعدد اهتماماتهم. ويجسّد هذا العدد هذا التوجه بثرائه الفكري وتنوعه الثقافي شكلاً ومضمونًا.
في مقاله الرئيس، يدعو الأستاذ “فتح الله كولن” إلى الدخول في رحاب القرآن الكريم؛ بوصفه نورًا جامعًا احتضن الإنسان والكون، وحمل معه العلوم، فكشف أسرار الوجود، ونظّم الحياة القلبية والروحية والفكرية، ودلّ الإنسان على أسمى الغايات، وأرشده إلى بلوغها بالعدل والرحمة، مع إقامة الحواجز أمام الشرور والآثام.
و”حورية بلقاسمي” في مقالها “كيف تكشف العربية أسرار الشريعة؟”، تبيّن أن اللغة العربية هي المفتاح المنهجي الذي يفتح أبواب التدبر، والمنظومة المعرفية التي تكشف أسرار الشريعة ودقائق الإعجاز البلاغي. وللوصول إلى جوهر هذا الفهم، يؤكد “خالد صلاح حنفي محمود” في “التربية بين الأنسنة والرقمنة” على ضرورة تربية الأجيال في مدرسة الأنسنة، مشددًا على أن التربية التي لا تؤَنْسِن الإنسان، تنتج كائنات فاقدة للهوية، بينما تعيد التربية الإنسانية للمجتمع تماكسه وللحضارة إنسانيتها.
ويأخذنا “يحيى وزيري” إلى زاوية حيوية في فقه العمران، حيث يتحدث عن “عمران بلا أسوار خفية”؛ وهو توجه في تصميم المدن والمباني ليكون فضاءً إنسانيًّا يحتضن الجميع بكرامة، خاصة كبار السن وذوي الهمم. أما “صابر علي عبد الحليم” فيتناول “دور الأخلاق في حماية البيئة”، مشيرًا إلى أن الأخلاق هي الأداة التي تحرك الإنسان للحفاظ على أمنه وسلامة كوكبه، باعتبارها قناعة إيمانية سلوكية.
وتنتقل بنا “داليا فهمي السيد” من جماليات الروح إلى عالم “الخط العربي” وموسيقاه الصامتة التي تعبر عن الجمال والكمال، مستعرضة كيف تمتلك الحروف العربية طاقة هائلة من الحركة والرشاقة والإيقاع. كما يناقش “عبد الرؤوف توتي بن حمزة” ظاهرة “البودكاست” التي أحدثت نقلة نوعية في عالم الثقافة، بوصفها أداة ديمقراطية تمنح صوتًا للجميع، وتعزز الحوار العميق في عصر يتسم بالسرعة والتشتت.
وفي باب الأسرار العلمية، نكتشف من خلال مقال “صهباء بندق”، كيف يتحول “النوم العميق” إلى دورة شَطْف ليليةٍ تنظف الدماغ من النفايات الضارة التي تراكمت خلال النهار. كما نتأمل هداية الخالق للكائنات في عالم الفيزياء، بدءًا من تتبع زهرة دوار الشمس للشمس، وصولاً إلى البراعة الفطرية للقطط في فهم قوانين الحركة والجاذبية، وذلك من خلال مقال “ناصر أحمد سنه”.
وفي ختام هذا الاستعراض، لا بد من الإشارة إلى ما يزخر به العدد من مواضيع قيمة لأقلام نيرة، تضفي على صفحاته فسحة جمالية ومتعة ترويحية للقارئ. والله من وراء القصد.


