يقدّم هذا المقال نماذج من مؤلفات العلماء المسلمين في موضوع المياه، إذ برعوا في هندسة الريّ نظريًّا وتطبيقيًّا، واشتملت مخطوطات التراث الإسلامي على نصوص ثرية تتعلق بالمياه وطرق استنباطها. ونبدأ بتعريف طاش كبري زاده لعلم “إنباط المياه”: هو علم يُتعرَّف منه على كيفية استخراج المياه الكامنة في باطن الأرض وإظهارها، ومنفعته إحياء الأرضين وأفلاجها.
ويُعد هذا العلم فرعًا من فروع الهندسة، وهو ما يعرف حديثًا بـ هندسة الريّ.
وعُرف العرب بخبرة واسعة في تحديد مواقع المياه الجوفية من خلال قرائن وإشارات متنوعة، مثل شمّ التربة، ورائحة بعض النباتات، وسلوك بعض الحيوانات. وهذه المعرفة نوع من الفراسة، وما تزال موجودة لدى بعض أعراب نجد. وقد عرّفتها كتب اللغة بأنها:
– البصير بالماء تحت الأرض
– البصير بحفر الماء واستخراجها
– الذي يسمع فيعرف مقدار الماء في البئر قربًا أو بعدًا.
ويُطلق على من يقوم بعملية الحفر وإنباط الماء اسم القنّاء، من “القَنّ” أي التفقد بالبصر.
بداية التأليف في علوم المياه
بدأ العلماء المسلمون التأليف في موضوع المياه في أواخر القرن الثاني الهجري، وتفاوتت عنايتهم به، وكان أبرز ما ألّفوه ما يتناول استنباط المياه الخفية. ويُعد من أوائل الكتب في هذا الفن كتاب: “علل المياه وكيفية استخراجها وإنباطها في الأرضين المجهولة” لمؤلفه أبي بكر أحمد بن علي ابن وحشية (ق3–4هـ).
كما وضع فيلسوف العرب الكندي (ت 260هـ تقريبًا) شرحًا على كتاب “في قود المياه” لِـ فنيلون البيزنطي، وقد ذكره أحمد بن محمد بن حجاج الإشبيلي في كتابه المقنع في الفلاحة، ونقل منه فصلاً بعنوان: “فيما يُعرف به قرب الماء من بعده، وحُلوه من مُرّه”.
ووصفه بأنه أفضل ما أُلّف في هذا الباب، وأنه لا يستغني عنه من يجرّ الماء من موضع إلى آخر.
واهتمت كتب الفلاحة الكبرى مثل المقنع للإشبيلي، والفلاحة لابن البصال، والفلاحة النبطية لابن وحشية، بطرق إنباط المياه الجوفية وهندستها.
أما الزمخشري (467–538هـ)، فقد ألّف كتابًا بعنوان: “الأمكنة والمياه والجبال” ذكر فيه أشهر الآبار والعيون باختصار.
1- “كتاب البئر”
ألّفه أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي، ويعدّ من الرسائل التي شكّلت نواة للمعاجم العربية اللاحقة. وقد جمع فيه عددًا من الألفاظ المتعلقة بالآبار، من حيث الحفر، واستخراج المياه، وقلة الماء وكثرته، وأجزاء البئر وأنواعها، وأسماء كل نوع، وكذلك الأدوات المستخدمة في الاستخراج.
2- “كتاب إنباط المياه الخفية”
وهو أشهر ما ألّفه مهندسو الإسلام في هذا الفن، من تأليف محمد بن الحاسب الكرجي (334–447هـ / 945–1055م).
ويُعد الكتاب موسوعة فنية متكاملة في دراسة المياه الجوفية واستثمارها.
معنى العنوان
– الإنباط: إخراج الشيء بعد خفائه.
– المياه الخفية: المياه الجوفية بمصطلح اليوم.
وقد كان الكرجي عالمًا رياضيًّا مارس مهنة الهندسة، كما يظهر من دقة التفاصيل التي أوردها، وخاصة في فصله الشهير “باب وزن الأرض”. وقد وثّق في كتابه خبرة هندسية تراكمت عبر الحضارة الإسلامية.
وقد لفت الكتاب انتباه المستشرقين، فترجموه إلى لغات عديدة.
سبب التأليف
يذكر الكرجي أنه اطّلع على كتب المتقدمين فوجَدها قاصرة عن الكفاية، فشرع في تأليف كتابه الذي تناول فيه أيضًا الدورة الهيدرولوجية للماء.
ويقول في وصف تكوّن المياه: إن الهواء إذا اشتد بردُه تكثّف فاستحال إلى ماء، وتتراكم عليه الثلوج، فإذا جاء الحر ذابت وسَرَتْ في مسام الأرض فكانت مادّة لمنابع بعيدة.
وهذا نصّ يدل على فهم واضح للدورة المائية قبل انتشارها في الدراسات الحديثة.
ويصرّح بأن الغاية من كتابه غاية عملية، إذ إن فهم طبيعة الأرض والماء أساس لإتقان صناعة إنباط المياه، وأنها:
أعظم صناعة فائدة ومنفعة، بها عمارة الأرض وحياة أهلها.
تصنيف الكرجي للمياه الجوفية
قسّم المياه إلى ثلاثة أنواع:
1- الماء الساكن: ماء يجري في باطن الأرض، وقد اضطرب في وصفه حين ربط نشأته باستحالة الهواء.
2- الماء المتكاثف: ما تكوّن من تكاثف الهواء في تجاويف الأرض الباردة، ولا يعطي إلا كميات قليلة.
3- ماء الثلوج والأمطار: وهو مادة الأودية والقنى والعيون، ويقابل ما نعرفه اليوم بمنطقة الإشباع.
معايير الماء الصالح للشرب
يذكر الكرجي أن الماء العذب: لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، ويقبل الحرارة والبرودة. أما الماء الثقيل أو الكريه فهو غير صالح للشرب، ويوصي بفحصه بالنظر والشم والتذوق.
3- كتاب عين الحياة في علم استنباط المياه
مؤلِّفه أبو العباس أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري (1101–1182هـ). وقد اجتهد في تحصيل المذاهب الفقهية الأربعة، واعتنى بعلوم الهندسة والمساحة والهيئة (الفلك) والميقات، كما برع في صناعة المزاول التي يُعرف بها زوال الشمس، إضافة إلى إجادته للحساب. وفي آخر حياته، سنة 1181هـ، تولّى مشيخة الأزهر، إلا أن مدته فيها لم تطُل، إذ توفي في شوال 1182هـ.
أما سبب تأليف هذا الكتاب، فهو أن الفقيه التونسي الشيخ يوسف بن محمد الزغواني طلب منه ذلك، ويثير هذا الطلب استغرابًا لكونه خارجًا عن مجال تخصّص الدمنهوري. غير أن هذا الاستغراب يزول عندما نعلم مدى صلة الشيخ بأمير بلاده، ومدى إدراكه لحاجات هذا الأمير ومطالبه في العمران. فقد كان الأمير الباي حسين بن علي التركي -مؤسس الدولة الحسينية بتونس – مولعًا بالعمران، حريصًا على نشره؛ وكان من أبرز متطلباته تأمين المياه، وإنشاء الفوارات والسقايات. فشيّد المآجل والصهاريج، وأكثر من أعمال السقي، ومن هنا نشأ اهتمام الشيخ بمسألة الماء، وحرص على التعرّف إلى وسائل إنباطه خدمةً لغايات الأمير العمرانية.
ويتألف الكتاب من مقدمة وبابين وخاتمة:
أولاً: المقدمة:
خصّها المؤلف ببيان ما يتصل بطبيعة الماء، فشرح معنى الاستنباط لغة واصطلاحًا، وتحدث عن العناصر الأربعة التي كان القدماء يرون أن العالم مركّب منها: الماء والهواء والنار والتراب. وذكر خواص كل عنصر، ونسبة بعض العناصر إلى بعض، ثم تحدث عن الرياح الأربع وسبب حدوثها وصفاتها، وبيّن علاقتها بالمياه من حيث التجفيف أو الزيادة.
ثانيًا: البابان:
الباب الأول: في تعريف المواضع التي فيها ماء، والتي يكون ماؤها قريبًا أو بعيدًا، وما يُستدل به على ذلك من العلامات المذكورة.
الباب الثاني: في حفر الآبار وطرقه ووسائل معالجته، وقد ختمه المؤلف بذكر بعض الأقوال المبنية على اعتقادات باطلة في النجوم والقمر، ممّا يحكيه المنجّمون، وكذلك بعض حكايات أهل الشعوذة. وكان الأولى بالمؤلف، وقد ذكرها، أن يفنّدها ويُظهر بطلانها بما يُعرف عنه من سعة العلم ورجاحة العقل. وهذان البابان يمثلان لبّ الكتاب وعموده الأساس.
ثالثًا: الخاتمة:
جاءت في ثلاثة مباحث:
1- المبحث الأول: إيضاح ما سبق، مستفيدًا من عجائب المخلوقات للقزويني وغيره، فيما يتعلق بطبائع الأرض وطبقاتها وما يحيط بها من ماء وهواء، وطبيعة الماء وأنواعه والأبخرة.
2- المبحث الثاني: في بيان المعمور من الأرض، طوله وعرضه، وطول البلدان وعرضها، وتقسيم الأقاليم إلى سبعة، وأثر اختلافها في الأبدان والطبائع والأخلاق.
3- المبحث الثالث: في فضل العلم وأهله، فذكر ما ورد في الآيات والأحاديث والآثار من الحث على طلب العلم وتحصيله، وكأنه أراد أن يرفع همم الأمة إلى اكتسابه للاستفادة منه في شؤون دنياها وأخراها، ولعمارة الأرض وإنباط المياه وزراعة ما تقوم به الحياة؛ إذ الحكمة تقول: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا».
ورغم أن الدمنهوري لم يأتِ بجديد في كتابه، إلا أنه امتاز ببراعته في تلخيص الأصول المتعلقة باستنباط المياه، وهي أصول أصبحت في حكم المفقود في عصرنا.
4- كتاب علم المياه الجارية
يُعد هذا الكتاب من أحدث ما ألّفه علماء المسلمين في هذا الميدان، وهو ما وضعه الشيخ محمد حسين العطار الدمشقي (1177–1243هـ / 1764–1827م) بعنوان: علم المياه الجارية في مدينة دمشق، أو رسالة في علم المياه.
يقول العطار عن سبب تأليف الرسالة: «عنَّ لي أن أضع في ذلك تأليفًا وافيًا بالمقصود كافيًا، إذ لم أرَ في ذلك رسالة ولا كتابًا، مع كونه من مهمات الحساب».
ركز العطار في رسالته على طرق حساب توزيع مياه نهر بردى على كل حارة وزقاق وبيت في دمشق وغوطتها، بحيث تصل المياه إلى كل إنسان وحيوان ونبات، على مدار الساعات والأيام والفصول. وهذا وحده شاهد على تقدّم العمران والمعرفة. وقد علّق العطار في مؤلفه قائلاً: «إن العلم وحده ودقة الحساب توصل الحياة إلى كل بيت وإنسان، في زمن لم تكن فيه الآلات والمضخّات والرافعات موجودة».
لذا استخدم الدمشقيون الحسابات الدقيقة في تسيير قنوات المياه، واعتمدوا نظام الأواني المستطرقة في توزيعها. وقد أوضح العطار في مخطوطته أسس هذا العلم، القائم على علم الفرائض والحساب، وعلى علوم مساعدة كعلم الهيئة (الفلك)، الذي يفيد في حساب الميول والانحدارات وتخطيط القنوات، وكذلك علم الميقات الذي يُحتاج إليه في حساب زمن توزيع المياه.
كما بيّن الأدوات التي يُحتاج إليها في هذا العلم، ثم شرح طرق الحساب اعتمادًا على الفرائض والنِّسب والقراريط، وذكر المسائل العملية التي تطرأ في التطبيق، وضرب الأمثلة على كل حالة لتعليم كيفية حل الإشكالات، وبيّن أسباب الخلل الذي قد يحدث أحيانًا في توزيع المياه. وقد امتلأت رسالته بالمصطلحات العلمية الدقيقة الخاصة بهذا العلم.
المراجع:
ابن منظور (محمد بن مكرم الأفريقي المصري (630 ـ711هـ)، لسان العرب، ط1، دار صادر، بيروت، 1992.
الأعرابي، كتاب البئر، تحقيق: رمضان عبد التواب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1970.
حسين علي محفوظ، “القنوات في التراث”، بحث في كتاب ندوة الري عند العرب، مركز إحياء التراث العلمي العربي، جامعة بغداد، 1989م.
خالد عزب، كيف واجهت الحضارة الإسلامية مشكلة المياه؟، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، 2006
الزمخشري (أبو القاسم محمود بن عمروالمتوفى: 538 هـ): الجبال والأمكنة والمياه، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1999 م
السخاوي (شمس الدين أبو الخير ـ المتوفى: 902هـ)، المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1985م
طاش كبرى زادة، مفتاح السعادة ومصباح السيادة فى موضوعات العلوم، دار الكتب العلمية، ط 1، بيروت، 1985.
عبد العظيم أحمد عبد العظيم: إسهامات المسلمين في الكشوف الجغرافية، ط1، الإسراء، الإسكندرية، 2008
الكرجي (أبو بكر محمد بن الحسن الحاسب، ت 419هـ)، إنباط المياه الخفية، معهد المخطوطات العربية، القاهرة، 1997م.
محمد حسين العطار، علم المياه الجارية في مدينة دمشق، تحقيق: أحمد غسان سبانو، دمشق، 1984م.


