إنّه نداء موسى عليه السلام ومناجاته لربه، عندما وجد نفسه وحيدًا، غريبًا، فقيرًا، لا يعرف أحدًا، ولا يعرفه أحد، في أرض غريبة، بعيدًا عن مصر التي خرج منها خائفًا يترقب. فآوى إلى الظل من لظى الهاجرة، بعد أن سقى للمرأتين: ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ﴾(القصص: 24)، ولجأ إلى الله بقلبه، يتضرع إليه، بعد أن تقطعت به السبل، وأعيته الحيل، وهو يعلم علم اليقين أن لا كاشف لبلواه إلا الله، فقال من قلب مؤمن مبتهل: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾(القصص: 24)، يا رب، فقير إلى طعام يقيتني، فقير إلى بيت يأويني، فقير إلى روح تؤنسني، فقير إلى ظهر يحميني، فقير إلى عمل يغنيني، فقير إليك يا الله، فقير إلى رحمتك، فقير إلى عطائك، فقير إلى نجدتك، فقير إلى حماك، فقير إلى عطفك ورضاك، فلم يتأخر فضل الله عليه، وتنزل إليه الخير جملة؛ طعامًا وشرابًا، وأمنًا وحماية: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾(القصص: 25).
لم يقم موسى عليه السلام بسقي أغنام الفتاتين طمعًا في أجرة أو منفعة، بل شهامةً منه ونخوةً، وطلبًا للأجر والثواب من الله سبحانه، فأكرمه الله، وأجزل له العطاء؛ سكنًا وعملاً وأجرًا وزوجةً وصحبةً طيبةً: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾(القصص: 27).
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، دعاء وتضرع وإنابة إلى الله لكل عبد لله في كل حين، مهما كانت ظروفه وأحواله، فنحن فقراء إلى الله في كل شؤون حياتنا، وفي كل أوقاتنا، ولا أحد يملك أن يستغني عن الله، ومن زعم ذلك أذله الله وقصمه، وقد خُيِّل لفرعون ذلك، فقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾(الزخرف: 51)، وزاد تجبرًا واستكبارًا: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (القصص: 38)، فجعله الله عبرةً إلى يوم القيامة: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾(يونس: 92).
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، في السعادة والحزن… في كل شيء نحن فقراء إلى الله وإلى فضله ومنّه وكرمه ورحمته ورضوانه؛ لأن الافتقار إلى الله غنى لا غنى مثله ولا غنى فوقه، هو الغنى في أبهى وأجمل وأعظم صوره.
وحتى يكرمك الله بفيض خيراته ونعمه وآلائه، وقبل أن تتضرع إلى الله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، قدّم بين يدي نجواك خيرًا ومعروفًا إلى خلقه؛ من صدقة أو مساعدة، أو جبر خاطر، أو دعاء، أو دفع ظلم، أو نصرة مظلوم، أو زيارة مريض، أو حتى شفقة وعطفًا وإحساسًا، وغيرها من أبواب الخير التي لا تنقطع، وعندها توجه إلى ربك بقلب منكسر، ولسان رطب، واسأله حاجتك، واعترف بفقرك إليه، وأنك راغب فيما عنده، من مال، أو صحة، أو صلاح قلب، أو سكينة نفس، أو حل مشكلة، أو تذليل عقبة، أو بر ولد، أو طاعة زوجة، أو جنة ونعيمًا، وإن شئت، فاترك طلبك وحاجتك لله، فهو بها أعلم منك، وقل: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.
وإن لم تكن لك حاجة محددة، وكنت في رغد وسعادة، فلا تتردد في التضرع، وليلهج قلبك قبل لسانك: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، فنعيم الله لا ينفد، وخيراته لا تُحصى، وعطاؤه لا حد له، وفضله كبير لا يعلمه إلا هو، ولا تدري كنه هذه الخيرات، وما أعده الله لك منها، فكن طامعًا فيما عند الله، عفيفًا كفيفًا عما عند الناس، واعلم أنك مهما بلغت واستغنيت وملكت ووصلت، فستبقى فقيرًا إلى الله، محتاجًا إليه؛ فالله هو الغني الأوحد، وما عداه فقير معدم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾(فاطر: 15).


